وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ

12 يناير، 2017 540 عدد الزوار

آية عظيمة تذكر بنعمة جسيمة يُسْتَوجُب شُكْرُها، ويُسْتَنْكَرُ كُنُودُها.

تلك هي نعمة الألفة، وتقارب القلوب، ومحبة الناس بعضهم بعضاً.

والعجيب أن كثيراً من النعم التي نَتَقَلَّبُ فيها صباحَ مساء لا نعرف قدرها إلا عند فقدها.

ومن تلك النِعم نعمةُ تآلف القلوب، وعَطْفِ بعضها على بعض، ومودة بعضها بعضاً.

ولو وقفت مع نفسك، وسألتها ما الذي ألف بين قلبك وقلوبِ كثيرين ممن تعرفهم من أقارب لك، وأباعد منك – لأدركت أن ذلك محض فضل الله -عز وجل-.

ثم تأمل في السعادة التي تغمرك، والأجورِ والمصالح التي تجنيها من جَرَّاء تلك المحبة والألفة.

وإذا أردت أن تتصور عِظَمَ تلك النعمة، فاسأل نفسك: ما مصيرُك لو زالت تلك النعمةُ أو بعضُها؟

وما موقفك لو زالت تلك الألفة بينك وبين أصدقائك، أو أقربائك، من وَالِدَيْنِ، أو أولادٍ، أو إخوانٍ، أو سائر الأرحام؟

وماذا سيكون طعم الحياة إذا خَلَتْ من معاني الألفة؟

إنها ستكون كالملح الأجاج، وكالماء الزُّعَاق.

وإنك لترى في حياة الناس نماذج لذلك؛ حيث زالت المودة بين أناس أشد ما يكونون قرابة كالآباء مع بعض أبنائهم، وكالإخوة والجيران والأصدقاء فيما بينهم.

وربما بُذِلَ في سبيل إعادة المياه إلى مجاريها جهودٌ، وأموالٌ، وشفاعات في غير طائل.

ومن هنا ندرك نعمة الألفة، وأنها محض فضل الله -عز وجل-.

وهذا بدوره يدعونا إلى أن نرعى تلك النعمة حق رعايتها، وذلك بالحرص على تحقيق التقوى، والبعد عن المعاصي؛ و:

إذا كنت في نعمة فارْعَهَا

 

فإن المعاصي تزيلُ النِّعم

ولهذا امتن الله -عز وجل- على نبيِّه بهذه النعمة الكبرى؛ فَقَرَنَها بِكَوْنِهِ – تبارك وتعالى- كافِيَه، ومؤيدَه بنصره، ونصرِ المؤمنين؛ فوجودُ المؤمنين تأييدٌ من الله لرسوله؛ إذ وفَّقهم لاتباعه؛ فَشَرَحَ صَدْرَهُ بمشاهدة تعاظُمِ دعوته، وتزايدِ أُمَّته، ولكون المؤمنين جيشاً ثابت الجنان؛ فجعل المؤمنين بذاتهم تأييداً.

قال الله – عز وجل- :   (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ):62).

ثم قال الله – عز وجل- : (وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)(الأنفال:63).

فاجتمعوا، وتآلفوا؛ فزادت قُوَّتُهم بسبب اجتماعهم.

ولم يكن ذلك بسعي أحد، ولا بقوةٍ غيرِ قوة الله – عز وجل- .

والتأليف بين قلوب المؤمنين -كما يقول المفسرون- منةٌ أخرى على الرسول-صلى الله عليه وسلم-ين؛ وذلك أعونُ له على سياستهم، وأرجى لاجتناء النفع بهم؛ بحيث يكونون على قلب رجل واحد.

وقد كان العرب يُفَضِّلون الجيشَ المؤلَّفَ من قبيلة واحدة؛ لأن ذلك أبعد عن حصول التنازع بينهم.

وكما أن ذلك مِنَّةٌ من الله على رسول -صلى الله عليه وسلم- فهو كذلك منة على المؤمنين؛ إذ نزع من قلوبهم الأحقاد والإِحَنَ التي كانت دأبَ الناسِ في الجاهلية؛ فكانت سببَ التقاتل بين القبائل بعضها مع بعض، وبين بطون القبيلة الواحدة، وأقوالُهم في ذلك كثيرة جداً، ومنها قول أحدهم:

وأحياناً على بكر أخينا

 

إذا ما لم نجد إلا أخانا

وقول الفضل بن العباس اللهبي:

مهلاً بني عمِّنا مهلاً موالينا

 

لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا

الله يعلم أنا لا نحبكموا

 

ولا نلومكموا ألا تحبونا

فلما آمنوا بمحمد ” انقلبت البغضاءُ بينهم مودةً، كما قال – تعالى-:(اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً( (آل عمران:103) .

وما كان ذلك التآلف والتحاب – كما يقول ابن عاشور-  إلا بتقدير الله – تعالى-  فإنه لم يحصل مِنْ قَبْلُ بوشائج الأنساب، ولا بِدَعوات ذوي الألباب.

ولذلك قال – تعالى- :(لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:63).

أي لو حاولت تأليفهم ببذل المال العظيم، ولو كان ذلك جميع ما في الأرض من ذهب وفضة وغيرهما – ما استطعت إلى ذلك سبيلاً؛ بسبب ما بينهم من النُّفرة العظيمة، والفرقة الشديدة، وبسبب كفرهم، وقسوة قلوبهم، واختلاف آرائهم.

ولكن الله ألف بينهم بعزته وقدرته؛ فهو -عز وجل- قويُّ القُدرةِ؛ فلا يُعْجِزُه شيءٌ، مُحْكِمُ التكوينِ؛ فَيَجْعَلُ المتعذرَ كالأمر المسنون المألوف؛ فكان ذلك التأليفُ بينهم آيةً من آيات هذا الدين.

فهذا سر من أسرار تلك الآية العظيمة يتبين من خلاله عِظَمُ شأنِ تآلف القلوب، وأثرُه في ترابط المسلمين وسعادتهم، وعِزَّتهم، وهيبتهم، وتقوية آصرتهم.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك