ورحلت يا أبا ناصر

24 يونيو، 2019 390 عدد الزوار

في يوم الأربعاء الموافق 27 /2 /1421هـ ودعت محافظة الزلفي كريماً من كرمائها، وسريَّاً من سَرَاتها، وعلماً من أعلامها.

وَدَّعَتْ رجلاً أحبه الكبير والصغير، والقريب والبعيد، وأجمع على فضله كل من رآه، أو جالسه، أو سمع به.

وَدَّعَتْ أبا ناصر الشيخ الوجيه عبدالمحسن بن محمد المسعر الذي وافاه أجله المحتوم يوم الثلاثاء 26 /2 /1421هـ عن عمر يناهز المائة وثلاثة أعوام، حيث ولد عام 1318هـ.

ولقد عرفت هذا الرجل منذ نعومة أظفاري؛ حيث التحمت بينه وبين والدي -رحمهما الله- علاقة وطيدة، وصداقة حميمة لا يزيدها تقادم الأيام إلا رسوخاً وثباتاً.

ولقد كان -رحمه الله- يرتاد مجلس والدي بصورة يومية تقريباً، بل وربما التقيا في اليوم الواحد أكثر من مرة، ويدور بينهما أحاديث كثيرة، وأغلبها يدور حول مصلحة الزلفي وما تحتاج إليه.

ولا زلت أتذكر كلماته التي كان يرددها كثيراً إذا دخل على والدي المتوفى 30 /12 /1404هـ حيث كان يقول: “آه! ليت الأعمار تُهدى أو تشترى يا أبا أحمد، لو كانت كذلك لأعطيناك من أعمارنا، ليتنا نستطيع أن نعطيك ولو عشرين سنة، ليتك ترجع شاباً”.

وإنك لتعجب من سيرة هذا الرجل أشد العجب، وتحار عندما تريد الكتابة والحديث عنه أشد الحيرة؛ فمن أين تبدأ ومن أين تنتهي، وذلك لما جمع الله له من حميد الخلال، وكريم الخصال التي لا تكاد تجتمع إلا في القليل النادر من الرجال.

كل ذلك مع أنه عامي لا يقرأ ولا يكتب، ويصدق عليه قول ابن حزم -رحمه الله-: “وقد رأيت من غمار العامة من يجري في الاعتدال، وحميد الأخلاق، إلى مالا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه، ولكنه قليل جداً”.

وإنَّ من أعجب ما يُلحظ في سيرة هذا الرجل خُلُقَه العظيمَ، وكرمَه المتناهي الذي جبل عليه دون أن يتكلفه، بل كان يجري معه مجرى الدم، ويتخلل منه مسلك الروح؛ فلا تراه إلا هاشاً باشاً، متلطفاً، متهللاً، ينطبق عليه قول البحتري:

خلق أتيت بفضله وسنائه *** طبعاً فجاء كأنه مصنوع

وحديث مجد منك أفرط حسنه *** حتى ظننا أنه موضوع

لا يبلغ العلياء غير متيم *** ببلوغها يعصي لها ويطيع

لقد حباه الله أدباً جمًّا، ولساناً عفًّا، وراحةً كريمةً، ونفساً طاهرة زكية؛ فلا تراه يذكر أحداً بسوء، ولا تجده يحمل الحقد أو الحسد، ولا تُلْفِيْهِ يسيء لأحد من جلاسه بكلمة أو إشارة.

وكان أنسه وسروره يزيد إذا قدم عليه الضيوف والزائرون؛ حيث ترى مظاهر البشر والسرور، والتلطف تلوح من على جبينه، وترى تحاياه تتسابق مرحبة بالقادمين إلى مجلسه.

وإذا أردت أن تحسن إليه، أو تدخل السرور على قلبه فقم بزيارته، أو عِدْهُ بذلك.

وله في ذلك أخبار يقضي منها العجب.

ومنها أنه كان في يوم من الأيام مريضاً في المستشفى، فزاره أحد الوجهاء، فسأله عن صحته، فقال: إنني بخير، ولو أعطيتني موعداً قريباً لشفيت بإذن الله.

فقال له ذلك الوجيه: غداً موعدنا، فما كان من أبي ناصر إلا أن تَحَفَّز، وقويت نفسه، وخرج من المستشفى كأن لم يكن به بأس، فزاره ضيفه، فأكرمه، وسُرَّ به.

ولا يخطر ببالك -أيها القارئ- أن كرمه مقتصر على الوجهاء فحسب، بل كان هذا دأبه مع كل أحد، ولو لم يكن يعرفه، حتى إنك إذا دخلت عليه للزيارة أو رأيته في أي مكان ظننت أنه لا يعرف سواك من حسن استقباله، وتلطفه وحلاوة منطقه حتى ولو كان يعاني ما يعاني من شدة المرض؛ فإذا دخل عليه غيرك قلت: لا يعرف سواه من حسن استقباله.

وهكذا كان ديدنه مع الناس جميعاً، بل كان هذا ديدنه مع العمال والأطفال الذين لا يأبه بهم كثير من الناس.

ومن الغريب في هذا الشأن رحمته بالعمال والضعفاء وإكرامه لهم – أنه إذا صلى في المسجد، وصلى معه أحد من هؤلاء أخذ أحذيتهم بعد الصلاة، وقال لهم: “من أراد حذاءه فليأت إلى البيت”.

فإذا دخلوا عليه أكرمهم، ووصلهم بما تيسر ثم رد عليهم أحذيتهم!

وكان من عادته -خصوصاً- في الأعياد أنه يضع بجانبه ربطة كبيرة من النقود الورقية، فإذا دخل عليه أحد من الصغار أو الفقراء تناول منها ما شاء الله، وأعطاها إياهم.

 

سمح اليدين إذا احتبى في مجلس *** كان الندى صفة لذاك النادي

انظر إليه إذا تلفت معطياً *** نيلاً وقل في البحر والوراد

وكان -رحمه الله- زاهداً في الدنيا، عزيز النفس، عف اليدين، مترفعاً عن مسألة الناس، راضياً بعيشه الكفاف، حتى إنه لم يكن يسأل أحداً من أبنائه شيئاً من متاع الدنيا -كما حدثني بذلك ابنه عبدالله- بل لم يكن يسألهم إلا عن صلاتهم، ومروءتهم، وصحبتهم، وأمور دينهم، ونقاء سيرتهم.

وكان -رحمه الله- شديد المحافظة على الصلاة حريصاً على التبكير إليها، وكان يسأل عن وقت الصلاة قبل دخوله حتى في أوقات مرضه الشديد مع أنه لم يكن يحمل الساعة، حتى إنه في آخر أيامه لم يكن يسأل إلا عن الصلاة.

وكان -رحمه الله- ذا نفس مطمئنة، واثقة بالله، مؤمنة بقضائه وقدره، حتى إنك لتعجب من حاله وهو في شدة المرض التي تعاوده في فترات عمره، إذ تراه ساكن الجوارح، مطمئن البال، منشرح الصدر، لا يتبرم ولا يشكو ولا تسمع منه إلا كلمات الحمدـ والشكر والثناء على مولاه -عز وجل-.

وهذا سر من أسرار تمتعه بطول البقاء، فلم يكن يعرف الجزع، ولا الهلع، ولا كثرة الشكوى.

وكان -رحمه الله- ذا بديهة حاضرة، وتصرف حسن، فلا يكاد يضيع عنه الجواب، ولا يكاد يوضع في موقف محرج إلا أحسن التخلص منه.

وله في ذلك الشأن قصص كثيرة جداً يعرفها أولاده، وأقرباؤه، وجلاسه.

ولقد وهبه الله أبناءً بررة، وهم ابنه الأكبر ناصر -رحمه الله- الذي توفي في حياة والده، وعبدالله، ومحمد، وشايع، وعلي، وأولادهم.

ولقد كان أبناء الشيخ عبدالمحسن من أبر الناس؛ فكانوا يحبونه حباً جماً، ويؤثرونه على أنفسهم، ولا يستطيعون فراقه في ليل أو نهار، بل كانوا يأنسون أشد الأنس بخدمته، وملاحظته، وفهم إشاراته، ومعرفة ما يحب.

وإنك -والله- تستفيد منهم دروساً عملية في البر إذا رأيتهم حوله، وهم يتلذذون ببره، فلا تشعر أنهم يؤدون واجباً فحسب، بل تراهم يقومون بعمل يشعرون فيه بالمتعة والسعادة.

ولقد كان -رحمه الله- نعم المعين لأولاده على بره، فلم يكن يكهرهم، أو ينهرهم، أو يزجرهم، أو يكثر عتابهم.

بل كان يعاملهم معاملة الصديق لصديقه، والأخ الشفيق لأخيه، فتراه يسأل عنهم، ويمازحهم، ويناديهم بكناهم، ويكثر الدعاء لهم.

حتى إن أحفاده وأقاربه وصغار الأسرة يحبونه، ويكثرون التردد عليه، بل إن بعضهم يحرص على حضور مجلسه بصورة يومية.

يحدثني الشيخ عبدالله بن حمود المسعر قبل مدة أنه بنى بيتاً جديداً بعيداً عن بيته الأول المجاور لعمه أبي ناصر، ولكن لم تطب نفسه بفراق عمه؛ فآثر جوار عمه، ولم يسكن منزله الجديد إلا بعد انتقال عمه من منزله الأول إلى منزله الجديد.

وبهذا الأدب الجم، والأخلاق العالية، والكرم المتناهي ، والبديهة الحاضرة، والعفة والزهادة هوت إليه الأفئدة، وأجمعت على محبته القلوب، فصار الناس يقصدونه بالزيارة، ويأنسون كل الأنس به وبمجالسته، حتى لقد أصبح علماً من أعلام البلد، بل ومثلاً يحتذى به بكرم الأخلاق وحسن المعاملة.

ولقد كان من فضل الله علي أن عرفته وأنا في الخامسة من عمري تقريباً؛ لكثرة ما أراه في مجلس الوالد، ولما ألقاه من لطفه، وحسن تعامله، وكثرة تحفيزه، ورفعه من شأن الصغار.

ولي معه مواقف كثيرة لا أزال أذكرها إلى اليوم، وهي تدل على تلك النفس الكريمة.

ولعلي في هذا المقام أقتصر على واحد منها.

وهو أنني لما كنتُ في السابعة من عمري أرسلني والدي -رحمه الله- إلى صديقه الوجيه عبدالمحسن المسعر في ضحى أحد الأيام، وقال: اذهب إليه في مزرعته، وقل له: لا بد أن يأتي الآن، وكانت مزرعة أبي ناصر – وهي موجودة إلى الآن – تبعد عن منزلنا قرابة ثلاثة كيلو مترات، وكانت الطريق آنذاك موحشة؛ لقلة من يمشي بها، فذهبت إليه راجلاً، فوجدته مشمراً عن ساعديه؛ يعمل في سقي النخل، والزرع، وبيده مسحاة يَعْدِل بها الماء، فسلمت عليه، وقلت له: إن أبي يدعوك لتأتي إليه، فقال: الآن؟ فقلت: نعم، يقول: لا بد أن تأتي الآن.

فما كان من العم عبدالمحسن إلا أن ألقى المسحاة، وترك العمل، ثم نادى بصوت مرتفع أَحَدَ من كانوا في المزرعة؛ ليقوم مقامه، ولم أدرِ من المنادى آنذاك، وإنما رفع العم عبدالمحسن صوته، وقال: أبا حمود، أبا حمود؛ فظننتُ أن المنادى كبير السن؛ إذ لم أكن أسمع بمن يُكَنَّى إلا من شابت لحاهم؛ فما هي إلا لحظات، ثم أقبل شابٌّ لم يطرَّ شاربه بَعْدُ، فقال: سم يا عم، فقال: واصل العمل، وقم بسقي النخل، والزرع، وأتمم عملي فيه، فقال ذلك الشاب: أبشر يا عم، ثم بدأ بمباشرة المهمة.

فقلت للعم عبدالمحسن: يا أبا ناصر! هل هذا أبو حمود الذي كنت تناديه؟ فقال: نعم.

ثم رآني مستغرباً، فقال: ما لك يا محمد؟ فقلت: كنت أظن أن المنادى رجلٌ كبيرٌ في السن، وإذا به هذا الذي أمامي – وكان من عادات أبي ناصر الجميلة أنه كان يكني أبناءه، وأبناء إخوانه، حتى الصغار منهم – فما كان من أبي ناصر× إلا أن ضحك كثيراً، وقال: نعم هذا أبو حمود.

وأبو حمود هذا هو الصديق الشيخ عبدالله بن حمود المسعر، والشيخ عبدالمحسن عم لوالده.

ثم أتى الشيخ عبدالمحسن إلى والدي، ودار بينهما حديثٌ إلى أذان الظهر.

ولما صلينا الظهر ناداني والدي، وقال: “ماذا قلت اليوم لأبي ناصر؟”.

فأصابني خوفٌ شديد؛ خشيةَ أن أكون أخطأتُ في حقِّ أبي ناصر، ولكنني أعلم يقيناً أن أبا ناصر لن يصدر منه إلا الخير، وزادت طمأنينتي لما رأيتُ والدي يتبسم تبسم الراضي، فقلت: لا أدري؛ عسى ألا أكون أخطأت، فقال: “هل أنت محتقر لولدهم؟ وهل تكاثرت عليه أن يكنى؟”

فقلت: لا، ولكنني ظننت أن المكنى رجل كبير مثلك، أو مثل أبي حمين، أو حمد الذويخ، فتبسم، ثم قال: “أبو ناصر مسرور منك، وأعجبه ذلك الموقف”.

وكان ذلك الموقف في حدود 1391هـ أو 1392هـ، ولم يزل العم عبدالمحسن المسعر يردده عليَّ في كل مناسبةٍ؛ فكل ما زرته وكان عنده ابن أخيه الشيخ عبدالله المسعر، قال وهو يبتسم: يا أبا إبراهيم! هذا أبو حمود، هذا أبو حمود.

وفي آخر مرة زرته، وهو في العناية المركزة، وكنت أظن أنه لا يشعر بأحد، فأشار بطرفه إلى ناحية عبدالله المسعر، وقال: هذا أبو حمود.

ولا يزال الصديق الشيخ عبدالله المسعر يقول: الحمد لله هذا شهادة على أنني شاب صغير، ولست من الكبار.

ولقد كان -رحمه الله- يعاني من مرض منذ زمن بعيد، ولكن المرض اشتد عليه قبل أن يفارق الدنيا بيومين، وبعد ظهر الثلاثاء رأى أبناؤه وجمع من أقاربه ممن كانوا حوله آنذاك -كما يحدث ابنه عبدالله-  رأوا نوراً يشع من وجهه، ورأوا أصبعه السبابة مرفوعة إلى السماء ولاحظوه وكأنه يتمتم بكلمات لا يكاد يبين بها، ولاحظوا رشحاً يعلوا جبينه، وبعد المغرب فاضت روحه إلى بارئها، ولعل هذا من حسن الخاتمة.

وما هي إلا فترة وجيزة حتى انتشر الخبر، وعم الناس الأسى والحزن، وحدد موعد الصلاة عليه ظهر الأربعاء 27 /2 /1421هـ وتوجه الناس إلى المسجد الجامع للصلاة عليه، ثم إلى المقبرة لدفنه، وألسنتهم تلهج بالدعاء له، والثناء عليه، وعيونهم تبكي فراقه، وقلوبهم تعتصر لفقده.

حقاً إن المصاب به لعظيم، وإن الخطب به لجلل، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا والدنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

رحمك الله يا أبا ناصر، وأسكنك الفردوس الأعلى، وأنزل على محبيك الصبر والرضا، والسكينة واليقين، وعوضهم بفقدك خيراً وإيماناً وصلاحاً للأعقاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

محمد بن إبراهيم الحمد

الزلفي 5 /3 /1421هـ

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك