وحلَّ بغير جارمه العذاب

12 يناير، 2017 523 عدد الزوار

إكرامُ المحسنِ، وعقابُ المسيء، أو علاجه، ومحاولةُ استصلاحه مطلبٌ شرعي، ومقصد اجتماعي من شأنه إصلاح الأحوال، والارتقاء بالأعمال؛ فإذا أُشْعِرَ المحسنُ بإحسانه، وكُوفئ على ذلك ولو بالكلمة الطيبة كان ذلك دافعاً له للإقبال على العمل، والمزيد من الجد والإبداع.

وكذلك المسيءُ أو المُقَصِّرُ إذا عوتب، أو عوقب – كان ذلك رادعاً له عن التمادي في التقصير؛ فيعان على نفسه، ويكون ذلك سبباً للرقي بأدائه.

ولكنَّ الذي يحصل أحياناً خلافُ ما ذُكِرَ؛ حيث لا يُكْرَم المحسنُ، ولا يُعاقب المسيءُ، بل قد يؤاخذ المحسنُ بجريرة المسيء، فتجد أن المُديرَ، أو المسؤولَ، أو المعلمَ، أو الوالد يَصُبُّ جامَ غَضَبِه على جَمْعٍ ممن هُمْ تحت يده، أو يعاقبهم عقاباً جماعياً، أو يحرمهم مِن امتيازٍ كانوا يتمتعون به بسبب خطأ واحد منهم أو أكثر؛ فيجني البقيةُ عاقبةَ ذلك الخطأ، ويُحْرَمُون مِنْ حَقٍّ كان لهم، مع أنهم لم يرتكبوا ما يوجب ذلك.

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وإليك ذكراً لبعضها.

في كثير من الأحيان يرتكب طالبٌ من الطلاب خطأً، فيكون العقاب على الباقين، وربما أمطر المعلم وابلاً من التقريع عليهم، وقد يكون الجاني غائباً لم يسمع شيئاً من ذلك.

وقد يقوم إمام مسجد بإلقاء كلمة عن التخلف عن الصلاة، ويكون الذين أَمَامَه من أشد الناس محافظة عليها، مع أن الذين دأبهم التخلف عن الصلاة لم يكونوا حاضرين، ولم يسمعوا شيئاً مما قيل.

وقد يكون هناك نظام في مؤسسة أو دائرة حكومية، ويشتمل ذلك النظام على شيء من التيسير؛ فيقوم بعض المنتسبين إلى ذلك القطاع بالمبالغة في استغلال التيسير؛ فيكون على حساب سير العمل؛ فتأتي العقوبة على البقية بإغلاق ذلك الباب.

وهكذا يعاقب المجموع بذنب الواحد.

بل قد يوجد في مؤسسةٍ أو دائرةٍ شخصٌ يقوم بأداء عمله أضعافاً مضاعفة، بل قد لا يستغني العمل عن ذلك الشخص، ولو غاب يوماً لربما أصيب العمل بالشلل.

وقد يوجد زميل له مقصرٌ في عمله، ولا يكاد يقوم بأدنى الواجبات التي أنيطت به.

والنتيجة أن الأول يُحَمَّل فوق طاقته، ويُسْتَكثر منه أيُّ تقصير في أداء ما تجود به نفسه من التطوع، وتراه محروماً من الإجازات، والامتيازات؛ بحجة أن العمل لا يستغني عنه، وقد لا يلاقي أدنى شكر على ما يقوم به.

بينما زميله الكسول، المتواني، المقصر يتمتع بكل ما يمكنه من وسائل الراحة، ولا تراه يُكَلَّف بأدنى عمل؛ رغبة في السلامة منه.

بل الأدهى والأَمَرُّ أنه إذا جاء التقييم الوظيفي قد يزاد في درجات ذلك الكسول؛ حتى يغادر إلى مكان آخر يرغب فيه؛ ليُستراحَ منه.

وقد يُنْقَصُ من حق المبادر المجتهد؛ خشيةَ أن ينقل إلى مكان آخر يريده؛ فتحرم تلك الجهة من شهامته، وتطوعه، ورأيه.

وهكذا يُحْرَمُ مِنْ حَقٍّ له مع اجتهاده، ووجوب إكرامه بما يريد.

ولا ريب أن أداءَ العمل، والاستمتاعَ به، والحرصَ على إبراء الذمة، والتدفُّع لخدمة الزملاء، والقيامَ بالأعمال غير الواجبة – من شيم الكُمَّل من الرجال الذين تَشْرُفُ بهم الأعمال، وتزدان بهم الأوطان، ويأتيهم من راحة الضمير، والثناء الصادق ما هو مشاهد في العاجل.

ولهم -بإذن الله إن احتسبوا ما يقومون به- الثوابُ الجزيلُ، والأجرُ غيرُ المجذوذِ في الآجل.

ولكن يبقى واجباً على من وَلِيَ ولايةً أياً كانت أن يَقْدُر الناسَ قَدْرَهم، وأن يُنْزِلَهم منازِلَهم.

وَيَتَوجَّب عليه ألا يُؤَاخِذَ المحسنَ بذنب المسيء، وإلا كانت الحال كما قال أبو الطيب المتنبي:

وجرم جرَّه سفهاءُ قومٍ

 

وحلَّ بغير جارِمه العذابُ

والمعنى: كَمْ جرمٍ، وربَّ جرمٍ -وهو الذنب والخيانة- جناه سفيهٌ، فنزل بغيره من الأبرياءِ العذابُ.

ولقد توارد على هذا المعنى الشعراء؛ فقد سبق أبا الطيبِ امرؤُ القيس إلى هذا المعنى بقوله:

وقاهم جدّهم ببني أبيهم

 

وبالأشقين ما كان العقاب

وقال آخر:

رأيت الحرب يجنيها رجال

 

 

ويَصْلَى حرَّها قومٌ بَراء

 

وقال آخر:

جنى ابن عمك ذنباً فابتليتَ به

 

إن الفتى بابن عم السوء مأخوذ

وقال آخر:

  نصد حياءً أن نراك بأعين

 

جنى الذنبَ عاصيها فَلِيمَ مطيعها

وقال النابغة:

لكلفتني ذنبَ امرئٍ وتركتَه

 

كذي العُرّ يُكْوى غيرُه وهو راتعُ

وقال البحتري:

ولا عذرَ إلا أَنَّ حِلْمَ حَليمِها

 

يُسَفّه مِنْ شَرٍّ جَنَاهُ خليعُها

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك