وجه طلق

12 يناير، 2017 173 عدد الزوار

أعرف رجلاً تجاوز الخمسين من عمره، أعرفه منذ سنوات طويلة تزيد على الثلاثين سنة. هذا الرجل ليس ذا علم، ولا مال، ولا شهرة، ولا يتميز بأي شيء عن عامة الناس.

وقد رأيت قلوب أقاربه، وزملائه، وأصدقائه، ومعارفه – عموماً – تنجذب بطواعيتها إليه ؛ فإذا جالسوه أَنِسوا به، وإذا ذكروه فرحت قلوبهم لذكره، ولا تكاد تجد له مبغضاً. فما السر في ذلك؟ السر أن الله – عز وجل – أكرمه بطلاقة الوجه، وإشراقة المحيا، ودوام الابتسامة؛ فلا تراه في مجلس، أو طريق، أو مناسبة إلا وهو يبتسم، ويَتَطَلَّق.

وبيني وبين ذلك الرجل قرابة، وعلاقة قديمة، وصلة مستمرة. وأحياناً يشكو لي بعض تقصيره، ويتألم من حاله؛ فيدور بيننا أحاديث في ذلك الفلك.

ومن ضمن ذلك أنني أقول له: كلنا ذلك الرجل، ونحتاج جميعاً إلى مجاهدة، ولكن اشْكُرِ الله أن منَّ عليك بطلاقة وجهك، وإشراقة محياك، وتبسمك في وجوه الناس، واحتسب ما تقوم به من ذلك؛ فإنه من قبيل الحسناتِ، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السيئات.

وكان يستغرب من كونه يؤجر على ذلك العمل الذي لم يخطر بباله؛ لأنه لا يتكلفه، بل يسير فيه على سجيته، ويقول: كيف يكون ذلك؟

فقلت له: إنك بهذا العمل تكسب الأجر والثواب من طرق كثيرة، منها ما يلي:

  1. أن البشاشة والبشر من المعروف الذي ترفع به الدرجات، وتحط به السيئات: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْق ” رواه مسلم.
  2. أن تبسمك في وجه أخيك صدقة: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” تبسمك في وجه أخيك صدقة ” أخرجه الترمذي، وقال: ” هذا حديث حسن غريب “.
  3. أنه اقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم -: قال جرير بن عبدالله البجلي: ” ما حجبني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي ” (رواه البخاري ومسلم).
    فانظر إلى أثر تبسم النبي – صلى الله عليه وسلم – في وجه جرير وكيف كان ذلك من قبيل ما يُحدِّث، ويفاخر به؟
  4. أن ذلك سبب لانشراح الصدور: قال ابن عقيل: ” البشر مؤنس للعقول، ومن دواعي القبول، والعبوس ضده “.
    فإذا لقيت الناس بوجهك الطلق شرحت صدورهم، وأزلت عنهم بعضَ همومِهم، وربما انبعثوا بسبب ذلك إلى مزيد من الجد والعمل، وربما استمر أثر ذلك إلى داخل بيوتهم.
    وكل ذلك داخل في قبيل المعروف، والصدقات. وهب أنك قَطَّبْتَ جبينك، وقابلت الناس بعبوس وكُلُوحٍ؛ فما النتيجة؟
    النتيجة عكس ذلك تماماً؛ فتكون بذلك كسبت الإثم، أو في الأقل خسرت البر.
  5. أن ذلك التبسم سبب لكسب الصداقات، ووأد العداوات، وحسن السمعة، والذكر الطيب.

قيل للعتابي: “إنك تلقى الناس كلَّهم بالبشر!”.

قال: “دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول”.

وقال محمد بن حازم:

وما اكتسب المحامد حامدوها   بمثل البشر والوجه الطليق

وقال أعرابي: “البشر سحر، والهدية سحر، والمساعدة سحر”.

وقال آخر:

ولاقِ ببشرٍ من لقيت تكن له   صديقاً وإن أمسى مغباً على حقد

وكان عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله – يتمثل بهذه الأبيات:

الق بالبشر من لقيت من النا   س جميعاً ولاقهم بالطلاقة
تَجْنِ منهم به جناءَ ثمارٍ   طيباً طَعْمُهُ لذيذَ المذاقة
ودَعِ التيهَ والعبوس عن النا   س فإن العبوس رأس الحماقة
كلما شئت أن تعاديَ عاديـ   ـت صديقاً وقد تعز الصداقة

وقال أبو جعفر المنصور: “إن أحببت أن يكثر عليك الثناء الجميل بغير نائل – فالقهم ببشر حسن”.

فهذا شيء مما أوحت به سيرة ذلك الصديق المبتسم، ذي الوجه الطلق.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك