ندمانا جذيمة – صالح وعبدالله الحمد –

10 أكتوبر، 2019 464 عدد الزوار

هذا العنوان جزء من بيت لمتمم نويرة يرثي أخاه مالكاً، وتمام البيت، قوله:

وكنا كندماني جذيمة حِقْبَةً *** من الدهر حتى قيل لن يتصدَّعا

وبعده قوله:

فلما تفرقنا كأنِّيْ ومالكاً *** لطول اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا

ويعني بذلك: نديمي جذيمة الأبرش الملك المعروف.

ونديما جذيمة هما مالك وعقيل ابنا فارح بن مالك بن كعب بن القين بن جزء من قضاعة، وقد نادما جذيمة الأبرش مدة أربعين سنة، وبهما يضرب المثل في طول الصحبة في قصة تطول.

ولما رثى الشاعر الكبير متمم نويرة أخاه مالكاً بقصيدته العينية الدامعة الباكية ضمنها تلك القصة المشهورة، وأراد: أن حالي أنا وأخي مالك من طول العهد والصحبة على المحبة والصفاء كحال ندماني جذيمة المذكورين آنفاً.

ولي قريبان صديقان فاضلان كريمان من أبناء العم، وهما الأستاذان: صالح وعبدالله ابنا الشيخ محمد بن صالح بن عبدالله الحمد.

وهما من أشد ما يُذكِّر بهذين البيتين.

وقبل أن أدخل في تفصيل الكلام حولهما أود أن أُعَرِّف بأبيهما وأجدادهما -رحمهم الله-.

أما جدهما الأعلى حمد فهو جد والدي، وهو من وجهاء الزلفي، والوثائق الكثيرة الموجودة تشهد له بذلك.

أما جدهما عبدالله؛ فهو شقيق جدي أحمد، وعم والدي.

وعبدالله المذكور كان من أكابر أعيان أهل الزلفي، وعلى رأس الذين اجتمعوا، واتفقوا على بناء سور مدينتهم عام 1347هـ.

وابنه صالح كان من ذوي الفضل، والرأي، والبصيرة، وكان خِرِّيتاً ماهراً عارفاً بمسالك الطرق.

وكان ممن شارك في معركة جراب مع أخيه عبدالرحمن الذي توفي في تلك المعركة.

ويذكر لي الشيخ المعمَّر عبدالله بن عبدالمحسن القشعمي أنهم سافروا إلى الحج مع وفد من أهل الزلفي على الإبل، وكان صالح الحمد هو دليلهم، وهو الذي يحدد لهم القبلة.

ويذكر لي حفيده الأستاذ عبدالله بن محمد بن صالح الحمد أن جدَّه صالحاً كان حافظاً للقرآن، كثير التلاوة، وأنه ربما صلى عن إمام الجامع إذا غاب.

ويذكر -أيضاً- أنه كان سمحاً، كريماً، قريباً من الناس.

ولم أقف على تاريخ وفاته، ولكنه ربما توفي في حدود عام 1365هـ.

أما والدهما فهو الشيخ الجليل محمد بن صالح بن عبدالله الحمد، وقد ولد عام 1355هـ.

وكان معروفاً بالكرم، والصلة، وتفقد الفقراء.

وله مواقف كثيرة من هذا القبيل.

وكان من أوائل من عملوا في رئاسة تعليم البنات؛ حيث كان مدير إدارة كليات البنات في الرياض، ثم مدير إدارة كليات البنات في جدة.

وكان له جهد كبير في النهوض بالرئاسة، وكان مثالاً للنزاهة والصدق، يشهد له بذلك كل من زامله في فترة عمله.

وقد توفي رحمه الله في 2 /12 /1419هـ.

وأما والدتهما فهي العنود بنت ناصر بن عبدالله الحمد، وأمها فاطمة بنت عبدالعزيز البداح، وابنة شقيقة والدي حصة بنت أحمد الحمد -رحمهم الله-.

وبعد هذه النبذة اليسيرة عن أبيهما وأجدادهما -رحمهم الله- أَصِلُ إلى بيت القصيد من هذا المقال ألا وهو العلاقة العجيبة الحميمة الوطيدة بين ابني العم الأستاذين: صالح وعبدالله ابني الشيخ محمد بن صالح بن عبدالله الحمد.

أما الأستاذ صالح فولد عام 1380هـ، وأما الأستاذ عبدالله ففي عام 1382هـ.

ومنذ أن عرفت الدنيا، وشببت عن الطوق وأنا وغيري من الأقارب، والأصدقاء نعرف عمق العلاقة بين هذين الأخوين؛ إذ كان بينهما من المودة، والرابطة، والدَّالَّةِ وجميل المزاح أشد مما بين أعز الأصدقاء، وأحب الإخوان.

وكانا من أمتع من يُجلَس معهما من ناحية إسعاد الحاضرين، وإيناسهم، ومباسطتهم.

وكانا على درجة عالية من سلامة الصدر، وشهامة الخاطر، وصلاح النفس.

وكانا طيلة عمرهما لا يكادان يفترقان ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً سواء كانا في المنزل، أو في المناسبات، أو كانا وحدهما، أو في محضر مجمع من الناس.

ولا يكاد أحدهما يجلس في مجلس إلا والآخر بجانبه، ولا تكاد تنظر إلى أحدهما إلا وترى الآخر بجانبه.

ولم يكن ذلك في صباهما، وقبل زواجهما وفي حياة والديهما فحسب.

بل استمرا على هذا المنوال إلى ما بعد الزواج، وبعد أن رزقا بالذرية، واستقلا في بيتين متجاورين، بل كان البيتان مثل بعضهما في التخطيط.

ولم يكن أحدهما يذهب إلى مناسبة، أو صلاة في مسجد بعيد عن مسجد الحي إلا والآخر برفقته.

وفي الحالات النادرة إذا جاء أحدهما بمفرده دون الآخر شعر الحاضرون من الأصدقاء والأقارب أن هناك شيئاً ناقصاً.

وكانوا يأتون دائماً إلى استراحتهما في الزلفي معاً.

وفي بعض الأحيان النادرة يأتي أحدهما دون الآخر؛ لظرف من الظروف؛ فلا يطيق الآتي منهما البقاء إلى المدة التي قرر أن يمكث فيها.

بل سرعان ما يتكدر، ويتضايق، ويرجع مرة أخرى.

بخلاف ما إذا كانا معاً؛ فلا ترى كدراً، ولا مللاً من أحدهما.

ولا بأس عندهما من تمديد المدة ولو كانت محددة من قبل.

وإذا رأيتهما تذكرت -أيضاً- مقولة الحكيم العربي لما سئل: “أيهما أحبُّ إليك: أخوك، أو صديقك؟

قال: “أخي إذا كان صديقي”.

ولا أذكر أنهما اختلفا في يوم من الأيام حول أمرٍ ما خلافاً يوغر الصدور، أو يغير النفوس.

بل كان كل واحد منهما أشدَّ مواتاةً لصاحبه.

وكان من عادتهما وهما يسكنان في حي الروابي في الرياض أن يذهبا إلى جامع الراجحي في حي الجزيرة عصر بعض الأيام؛ ليدركا الصلاة على الجنائز.

وكانا -كما يخبرني الأخ الأستاذ صالح- يقولان لبعض: نحن نصلي على الجنائز؛ فيا ترى متى يصلى علينا؟

وكان من عادتهما صيام يوم الاثنين، والحرص على الذهاب إلى جامع الراجحي في ذلك اليوم.

وفي يوم الاثنين 2 / 2 / 1441هـ ذهبا كالعادة إلى جامع الراجحي عصراً، فصليا فيه العصر، ثم صليا على الجنائز، ومكثا في المسجد ثم خرجا.

ولما قرب صالح من السيارة، وعبدالله خلفه بأربعين متر تقريباً رأى الأستاذ صالح رجلاً لا يعرفه من قبل(1)  وقد أقبل عليه رافعاً صوته، وعليه -كما يقول الأخ الأستاذ صالح- علامات الغضب، فاقترب من صالح، وضيَّق عليه المكان، وبدأ يصرخ في وجهه.

وصالح المعروف بالسكينة والوقار يحاول إبعاده، فما كان من ذلك العادي إلا أن أخرج من جيبه سكيناً، وطعن بها صالحاً طعنة أعلى من قلبه بقليل، فسقط والدماء تسيل منه، ولكنه كان في وعيه ولم تؤثر فيه الضربة تأثيراً بالغاً.

فلما أقبل عبدالله، ورأى حبيبه، وشقيق روحه، وصفي قلبه على هذا الحال انطلق نحو الجاني، فولى الجاني هارباً، فلما قرب منه عبدالله التفت إليه الجاني، وعاجل عبدالله بطعنة في يده اليمنى، ثم بثانية مجرورة في قلبه، فسقط عبدالله على الأرض، وجاء إليه أخوه صالح، وأحد الأصدقاء وبعض الحاضرين وانطلقوا به -وهو غير شاعر بشيء- إلى المستشفى؛ فأجريت له في الحال عملية جراحية، ولكن قد فات الأوان، وفارق الحياة؛ فرحل إلى جوار ربه طاهراً مصلياً العصر، ومشاركاً إخوانه المسلمين في الصلاة على الجنائز، شهيداً بإذن الله على حسن خاتمة.

وذهب صالح إلى المستشفى، وتلقى العلاج، فزال عنه الخطر -بحمد الله-.

ثم شاع الخبر، فكنا ما بين مصدق ومكذب، وصرنا نتساءل عن حبيبنا صالح كيف ستكون حاله بعد هذا المصاب الجلل، وخشينا على عقله، وصوابه.

ولكن الذي حصل كان لطفاً من الله -عز وجل- حيث وجدناه صابراً محتسباً راضيا ًحامداً شاكراً، فجاء وقَبَّل أخاه، وودَّعَه، وصلى عليه، وحضر جنازته، وتلقى العزاء فيه، ثم وقف على قبره ملياً، ودعا له، ثم انصرفت وإياه إلى المنزل، فلا ترى إلا علامات الرضا تلوح من على جبينه الطاهر مستحضراً أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، وأن في الله عوضاً من كل شيء، وأن هناك لقاءً آخر لا فراق بعده عند مليك مقتدر برحمة أرحم الراحمين.

وهذا ما هوَّن على القرابة والمحبين جلل المصاب.

ولسان حالهم يقول لحبيبهم صالح: ما قاله أحد من عزى ابن عباس بأبيه -رضي الله عنهما-:

اصبر نكن بك صابرين فإنما *** صبر الرعية عند صبر الراس
خيرٌ من العباس صبرك بعده *** والله خيرٌ منك للعباس

وهوَّن علينا المصاب قبل ذلك عند التغسيل رؤيتنا لحبيبنا عبدالله والبشر يتهلل من أساريره، والنور يشع من على جبينه.

وهوَّن علينا -كذلك- ما رأيناه وسمعناه من الناس من الثناء، والذكر الحسن، والدعاء الصادق.

وهوَّن المصاب أكثر ما رأيناه من أولاده البررة، وإخوانه الكرام، وأخواته الكريمات، ووالدتهم الكريمة العاقلة النجيبة الصالحة الذين تربوا على الصلاح، ومائدة القرآن، والعلم؛ إذ كانوا على أحسن حال من الرضا، والحمد والاسترجاع مع هول المصاب، وعظم الفجيعة؛ إذ كان أبو أنس عبدالله ملء أسماعهم وأبصارهم، وكان لهم الأب الحاني بعد أبيهم، والكهف الذين يأوون إلى طرافه السامي؛ فيقيهم حر الهجير، وبرد الزمهرير.

ولكنه أمر الله النافذ، وحكمه الذي لا راد له؛ فليس ههنا إلا التسليم والرضا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].

فما نقول: إلا إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا أبا أنس لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

اللهم اغفر لعبدك عبدالله، وارحمه، وأكرم وفادته، وألحقه بالشهداء، واخلفه في عقبه، واجعلهم هداة مهتدين مباركين أينما كانوا.

والحمد لله أولاً وآخر.

محمد إبراهيم الحمد

6 / 2 / 1441هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد سألت الأستاذ صالح مراراً: هل تعرف ذلك الرجل؟ فأكد مراراً أنه لا يعرفه.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك