موقف شيخ الأزهر محمد الخضر حسين التونسي 1293-1377هـ من ابن تيمية

31 أغسطس، 2016 842 عدد الزوار

كان لشيخ الأزهر العلامة محمد الخضر حسين موقف من ابن تيمية يتجلى فيه عدله، وإنصافه، وإيثاره للحق؛ إذ كان ممن اطلع على آثار ابن تيمية، وخَبَرها، وأدرك ما تضمنته من نفائس العلم؛ مما كان له أبلغ الأثر في منهج الشيخ الخضر.

والشيخ الخضر-رحمه الله- إمام في المعقول، والمنقول قد شهد له بعلو كعبه، وتفننه في العلوم كلُّ من اطلع على آثاره بعدلٍ وإنصاف.

أما عبقريته الفذة فتتجلى في ردوده، ونقائضه، وتعقيباته.

وكان من أعظم من لهم أثر عليه في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فلقد تأثر الشيخ الخضر به تأثراً بالغاً في ردوده؛ حيث أكثر من النقل عنه، وأفاد من طريقته في الرد؛ إذ استعمل كلمة (نقض) في رده على علي عبدالرازق وطه حسين.

ولعله أفاد ذلك من ابن تيمية في استعماله هذه الكلمة في كتابه (نقض المنطق) وكتاب (نقض أساس التأسيس والتقديس).

فكانت طريقة ابن تيمية هي نقض الشيء من أساسه وهكذا كانت  طريقة الخضر.

ومن تأثره به كثرة رجوعه إليه؛ فهو أكثر من رجع إليه من العلماء في ردوده، وسائر آثاره.

وقد رجع في كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) إلى ابن تيمية في أكثر من أربعة عشر موضعاً([1]).

وأكثر ما يرجع إليه من كتب ابن تيمية كتابه العظيم (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية).

وكان يعظم ابن تيمية كثيراً، ويصفه بـ: شيخ الإسلام([2])، والحافظ([3]).

بل إذا أطلق لقب شيخ الإسلام فإنما يريد به ابن تيمية([4]).

أما طريقة العزو إليه فتارة يقول: “قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة”([5]).

وتارة يقول: “قال شيخ الإسلام في منهاج السنة”([6]).

وتارة يقول: “وعلى هذا جرى شيخ الإسلام في منهاج السنة”([7]).

وتارة يذكره دون أن يحيل على كتاب كما في قوله: “قال شيخ الإسلام ابن تيمية”([8]).

وتارة يقول: “قال الحافظ ابن تيمية”([9]).

وتارة بمثل قوله: “وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن الجوزي قد نقدا صاحب الأغاني…” ([10]).

وقال مرة: “وقال الشيخ ابن تيمية -وهو من فقهاء الحنابلة- في الرسالة الملقبة بـ (السبعينية)…” ([11]).

ومن شدة إعجابه بابن تيمية أنه يعد كتابه (الرد على المنطقيين) ([12]) أحسن كتب المنطق على الإطلاق([13]).

وكان منافحاً عنه، معتداً بأقواله، وأحكامه، واختياراته.

ومن شواهد ذلك ما جاء في بحث له عنوانه: “مَنْ وثِّق من علماء العربية ومَنْ طُعِن فيه” قال-رحمه الله-: “ولا يقدح خطأ رأي العالم في الثقة بروايته؛ فابن تيمية -مثلاً- يصحح رواية سيبويه، ويخطئه في التطبيق، وقد رُوي: أن أبا حيان كان رفيقاً لابن تيمية، فَرَدَّ ابن تيمية على سيبويه، فقال له أبو حيان: أترد على سيبويه؟ فقال: هل سيبويه نبي النحو؟ لقد أخطأ في ثلاثين موضعاً من كتابه، فهجره أبو حيان.

وكان شأن أبي حيان أن يقول له: بيِّن لنا الخطأ الذي وقع في الثلاثين موضعاً ويردها أو يسلِّم بها، ولا يكون قول ابن تيمية وحده سبباً لهجره”([14]).

ولا ريب أن إعجابه بابن تيمية، ووروده عنه – محل غرابة وإعجاب؛ إذ كيف يكون كذلك وهو في بيئة لا تُعنى كثيراً بابن تيمية، بل ربما يوجد في ذلك العصر من يناصبه، ويناصب منهج السلفِ العداءَ؟!

ولعل السر في ذلك -والله أعلم- أن رحلة الشيخ الخضر إلى المشرق مَكَّنته من الاطلاع على تراث ابن تيمية خصوصاً مرحلته السورية، وقيامه مقامَ علامة الشام القاسمي في التعليم بعد وفاته 1332هـ.

وكان القاسمي-رحمه الله- من أشد الناس عناية بتراث ابن تيمية وابن القيم([15]).

وسبب آخر ألا وهو تأثير خاله العلامة محمد المكي بن عزوز الذي اهتدى إلى منهج السلف الصالح في الاعتقاد، وكان محباً لابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

حتى قال في رسالة كاتَبَ بها الشيخ عبدالعزيز الرشيد: “ولكني أعنى بالعلم والدين علم السنة، وما الدين إلا اتباعُها، وإيثارُها على عصارات الآراء، وهجومه المتفقهة.

وما التوحيد إلا توحيد السلف الصالح، وأما غير ذلك فأشبه بالضلالات، وزلقات الهفوات”([16]).

إلى أن قال في معرض كلامٍ له عن طريقة التفقه في الدين: “وأما الاعتقادي فهو -أي طالب العلم- معذور في الابتداء من كتب المتكلمين، ثم يترقى بطريقة السلف، ولا تؤخذ حقيقتهما إلا من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وصاحبه الذي هو نسخة صحيحة لا تحريف فيها: الشمس ابن القيم؛ فيعتقد ما هناك بأدلة متينة، وإيمان راسخ؛ فيصبح من الفرقة الناجية التي عرَّفها النبي-صلى الله عليه وسلم- بأنهم على ما كان عليه المصطفى-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه”([17]).

ثم إن إخلاصَ الشيخ الخضر، ونبذَه للتعصب، وبحثه عن الحق – من أعظم ما قاده إلى الإفادة من شيخ الإسلام ابن تيمية، وجعله مصدراً من مصادره في الردود وغيرها.

ولا ريب أن ذلك من أعظم مناقب الشيخ الخضر.

[1] – انظر نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ص26 و65 و79 و81 و132 و136 و146 و152 و199 و241 و258 و271 و281 و290 ، وانظر نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص49، وبلاغة القرآن ص16، ودراسات في الشريعة الإسلامية ص105.

[2] – انظر نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم ص26 و152 و199 و241 و258 و271 و281 و290.

[3] – انظر المرجع السابق ص132 و146.

[4] – انظر المرجع السابق ص290 .

[5] – انظر المرجع السابق ص152 و199 و241 .

[6] – انظر المرجع السابق ص258 .

[7] – انظر المرجع السابق ص281 .

[8] – انظر المرجع السابق ص271 .

[9] – المرجع السابق ص32 و146.

[10] – انظر نقض كتاب في الشعر الجاهلي ص49 .

[11] – بلاغة القرآن ص16.

[12] – انظر الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبع ونشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان، ط2، 1396هـ – 1976م .

[13] – انظر أحاديث في رحاب الأزهر ص160.

[14] – دراسات في اللغة ص22 .

[15] – يشهد بذلك: المكاتبات التي كانت بينه وبين علامة العراق الألوسي التي اعتنى بها الشيخ محمد بن ناصر العجمي.

[16] – رسائل ابن عزوز ص16 .

[17] – المرجع السابق ص17، بل إن للشيخ ابن عزوز رسالة عنوانها (القول القيم في حال ابن تيمية وابن القيم) ولكن لم أطلع عليها. انظر رسائل ابن عزوز ص428 .

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك