من منافع الحج ودروسه

29 أكتوبر، 2016 320 عدد الزوار

لقد شرع الله الشعائر والعبادات لِحِكَمٍ عظيمة، ومصالح عديدة لا ليضيق بها على الناس، ولا ليجعل عليهم في الدين من حرج. ولكل عبادة في الإسلام حِكَمٌ بالغة، يظهر بعضها بالنص عليها، أو بأدنى تدبُّر، وقد يخفى بعضها إلا على المتأملين الموفَّقين في الاستجلاء والاستنباط.

والحكمة الجامعة في العبادات هي: تزكية النفوس، وترويضها على الفضائل، وتطهيرها من النقائص، وتصفيتها من الكدُرات، وتحريرها من رقِّ الشهوات، وإعدادها للكمال الإنساني، وتقريبها للملأ الأعلى، وتلطيف كثافتها الحيوانية؛ لتكون رِقَّاً للإنسان، بدلاً من أن تَسْتَرِقَّهُ.

وفي كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، وعقله، وإرادته. هذا وإن للحج أسراراً بديعة، وحكماً متنوعة، وبركاتٍ متعددة، ومنافع مشهودة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة. قال الله -تبارك وتعالى- في محكم التنزيل: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج].

والحديث ههنا سيكون حول بعض المنافع التي تشهد في الحج، والتي وردت مجملة في قوله -تعالى-: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- في الآية السابقة: “أي لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة، والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية من التكسب، وحصول الأرباح الدنيوية، وهذا أمر مشاهد كلٌّ يعرفه” ا-هـ.

وإليكم طرفاً من تلك المنافع والدروس التي تُنال بالحج:

أولاً: تحقيق العبودية والتوحيد لله -تبارك وتعالى-: فكمال المخلوق في تحقيق العبودية لربه، وكل ما ازداد العبد تحقيقاً لها ازداد كماله وعلت درجته، وفي الحج يتجلى هذا المعنى غاية التجلي؛ ففي الحج تذلل لله، وخضوع وانكسار بين يديه؛ فالحاج يخرج من ملاذ الدنيا مهاجراً إلى ربه، تاركاً ماله وأهله ووطنه، متجرداً من ثيابه، لابساً إحرامه، حاسراً عن رأسه، متواضعاً لربه، تاركاً الطيب والنساء، متنقلاً بين المشاعر بقلب خاشع، وعين دامعة، ولسان ذاكر يرجو رحمة ربه، ويخشى عذابه.

ثم إن شعار الحاج منذ إحرامه إلى حين رمي جمرة العقبة والحلق “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”. ومعنى ذلك: أنني خاضعٌ لك، منقادٌ لأمرك، مستعد لما حملتني من الأمانات؛ طاعة لك، واستسلاماً دونما إكراه، أو تردد. وهذه التلبية ترهف شعور الحاج، وتوحي إليه بأنه -منذ فارق أهله- مقبلٌ على ربه، متجردٌ عن عاداته ونعيمه، منسلخ من مفاخره ومزاياه.

ولهذا التواضع والتذلل أعظم المنزلة عند الله – عز وجل – إذ هو كمال العبد، وجماله، وهو مقصود العبودية الأعظم، وبسببه تمحى عن العبد آثارُ الذنوب، وظلمتها؛ فيدخل في حياة جديدة ملؤها الخير، وحشوها السعادة.

وإذا غلبت هذه الحال على الحجاج فملأت عبودية الله قلوبهم، وكانت هي المحرك لهم فيما يأتون، وما يذرون -صنعوا للإنسانية الأعاجيب، وحرروها من الظلم، والشقاء، والبهيمية.

ثانياً: التعود على اغتنام الأوقات؛  فالوقت رأس مال الإنسان، والوقت من أَجَلِّ ما ينبغي أن يصان عن الإضاعة والإهمال. وفي الحج يقوم الحاج بأعمال عظيمة، وفي أماكن مختلفة متباعدة مزدحمة، وفي أيام محددة، قد لا تتجاوز أربعة أيام. وفي هذا دليل على أن في الإنسان طاقةً هائلةً مخزونة لو استثارها لآتت أكلها ضعفين أو أكثر، وهذا درس عظيم يبعث المسلم إلى أن يعتاد اغتنام الأوقات، وأن يحرص على أن لا يضيع منها شيئاً في غير فائدة.

ثالثاً: ارتباط المسلمين بقبلتهم التي يولون وجوههم شطرها في صلواتهم المفروضة خمس مرات في اليوم؛ وفي هذا الارتباط سر بديع يصرف وجوههم عن التوجه إلى غربٍ كافر، أو شرقٍ ملحد؛ فتبقى لهم عزتهم، وكرامتهم.

رابعاً: تحقق الأخوة الإسلامية: فالقبلة واحدة، والرب واحد، والمشاعر واحدة واللباس واحد، والمناسك واحدة، والزمان واحد، فكل هذه الأمور تجتمع في الحج، وهي مدعاة للإحساس بوحدة الشعور، وموجبة للتآخي، والتعارف، والتعاون على مصالح الدين والدنيا.

خامساً: أن الحج فرصة عظيمة للإقبال على الله بشتى القربات: حيث يجتمع في الحج من العبادات ما لا يجتمع في غيره؛ فيشارك الحج غيره من الأوقات بالصلوات وغيرها من العبادات التي تُفعل بالحج وغير الحج، وينفرد بالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، ورمي الجمار، وإراقة الدماء، وغير ذلك من أعمال الحج.

سادساً: الحج وسيلة عظمى لحط السيئات ورفعة الدرجات؛ فالحج يهدم ما كان قبله، قال النبي –صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن العاص –رضي الله عنه-: “أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله” رواه مسلم.

والحج أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد؛ فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سئل النبي –صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله”، قيل: ثم ماذا؟ قال: “جهاد في سبيل الله”، قيل: ثم ماذا؟ قال: “حج مبرور” رواه البخاري.

والحج أفضل الجهاد؛  فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ قال: “لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور” رواه البخاري.

والحج المبرور جزاؤه الجنة، قال –صلى الله عليه وسلم-: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”رواه مسلم.

والحاج يعود من ذنوبه كيوم ولدته أمه إذا كان حجه مبروراً، قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” رواه البخاري، ومسلم.

سابعاً: هياج الذكريات الجميلة، ففي الحج تهيج الذكريات الجميلة: وهذا سر بديع من أسرار الحج العزيزة على كل قلب مسلم، وما أكثر تلك الذكريات، وما أجمل ترددها على الذهن؛ فالحاج على سبيل المثال يتذكر أبانا إبراهيم الخليل -عليه السلام- فيتذكر توحيده لربه، ومُهاجرَه في سبيله، وكمال عبوديته، وتقديمه محابَّ ربِّه على محابِّ نفسه، ويتذكر ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات، والمقامات العالية، ويتذكر أذانه في الحج، ودعاءه لمكة المكرمة، وبركات تلك الدعوات التي ترى آثارها إلى يومنا الحاضر.

ويتذكر الحاج ما كان من أمنا هاجر -عليها السلام- فيتذكر سعيها بين الصفا والمروة؛ بحثاً عن ماءٍ تشربه؛ لتدر باللبن على وليدها أبينا إسماعيل ذلك السعي الذي أصبح سنة ماضية، وركناً من أركان الحج.

ويتذكر أبانا إسماعيل -عليه السلام- فيمر بخاطره مشاركة إسماعيل لأبيه إبراهيم في بناء الكعبة، ويتذكر ما كان من بر إسماعيل بأبيه؛ حيث أطاعه لما أخبره بأن الله يأمره بذبحه، فما كان من إسماعيل إلا أن قال: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102].

ويتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي –صلى الله عليه وسلم- ففيها ولد وشب عن الطوق، وفيها تنزل عليه الوحي، ومنها شعَّ نور الإسلام الذي بدد دياجير الظلمات. ويتذكر من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله، وعباده الصالحين؛ فيشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة، وذلك الركب الميمون. ويتذكر الصحابة -رضي الله عنهم- وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين. ويتذكر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس وأنه مبارك وهدى للعالمين.

بلدة   عظمى   وفي  آثارها   أنفعُ   الذكرى  لقوم  يعقلونْ
شبَّ في بطحائها خيرُ الورى   وشبا  في  أُفِقْها أسمحُ  دينْ

فهذه الذكريات الجميلة تربط المؤمن بأكرم رباط، وتبعث في نفسه حبَّ أسلافه الكرام، والحرصَ على اتباع آثارهم، والسير على منوالهم. ثم إن الحاج إذا عاد من رحلة حجه حمل معه أغلى الذكريات، وأعزَّها على نفسه؛  فتظل نفسُه متلهفةً للعودة إلى تلك البقاع المباركة، ورحم الله الإمام الصنعاني إذ يقول في قصيدته الطويلة في ذكرى الحج ومنافعه:

أيا عذبات البان من أيمن الحِمَى   رعى اللهُ عيشاً في رباك قطعناهُ
سرقناه من شرخ الشباب وروقه   فلما سرقنا الصَّفْوَ منه سُرِقْنَاهُ
وعادت جيوشُ البين يقدمها القضا   فَبَدَّدَ  شملاً في الحجاز نظمناهُ
ونحن  لجيران المُحَصَّب جيرةٌ   نُوفِّي  لهم عهد الودادِ ونرعاهُ
فهاتيك  أيامُ  الحياةِ  وغيرُها   مماتٌ فيا ليت النوى ما شهدناهُ
فيا ليت عنا أغمض البينُ طَرْفَهُ   ويا  ليت  وقتاً  للفراق فقدناهُ
وترجع أيامُ الُمحَصَّب من منى   ويبدو  ثراه  للعيون  وحصباهُ
وتسرح  فيه العِيْسُ بين ثُمامِه   وتستنشق الأرواحُ نَشْرَ خُزاماهُ
نَحِنُّ  إلى  تلك الربوع تشوُّقاً   ففيها  لنا  عَهْدٌ  وعقدٌ  عقدناهُ
وربٍّ  برانا ما نسينا عهودَكم   وما كان من ربع سواكم سلوناهُ
ففي  ربعهم  لله  بيتٌ مباركٌ   إليه قُلوبُ الخَلْقِ تَهْوِي وتهواهُ
يطوف  به الجاني فيُغْفَرُ ذنْبُه   ويسقط  عنه  جرمه  وخطاياهُ
فكم  لذةٍ  كم  فرحةٍ  لطوافه   فللهِ  ما أحلى الطوافَ وأهناهُ
نطوف كأنَّا في الجنان نطوفها   ولا همَّ لا غمٌّ فذاك نفيناهُ
فيا شوقنا نحو الطواف وطِيبه   فذلك  شوقٌ  لا  يحاط بمعناهُ
فمن  لم يَذُقهُ لم يذقْ قطُّ لذةً   فَذُقْهُ تَذُقْ يا صاحِ ما قد أُذِقْنَاهُ

إلى آخر ما قاله من قصيدته الطويلة الماتعة.

ثامناً: اكتساب الأخلاق الجميلة: فالحج ميدان فسيح لمن أراد ذلك؛ فالحاج يتدرب عملياً على الحلم، والصبر، والمداراة، وكظم الغيظ من جراء ما يلقى من الزحام، والتعب، والنصب سواء في الطريق إلى الحج، أو في الطواف، أو في السعي، أو في رمي الجمار، أو غيرها من المناسك؛ فيتحمل الحاج ما يلقاه من ذلك؛ لعلمه بأن الحج أيام معدودة، ولخوفه من فساد حجه إذا هو أطلق لنفسه نوازع الشر، ولإدراكه بأن الحجاج ضيوف الرحمن؛ فإكرامهم، والصبر على ما يصدر من بعضهم دليل على إجلال الله -عز وجل-.

فإذا تحمل الحاج تلك المشاق في أيام الحج صار ذلك دافعاً لأن يتخلق بالأخلاق الجميلة بقية عمره.

ثم إن الحاج يتعلم الكرم، والبذل، والإيثار، والبر، والرحمة، وذلك من خلال ما يراه من المواقف النبيلة الرائعة التي تجسد هذه المعاني؛ فهذا سخي يجود بالإنفاق على المساكين، وذاك كريم بخلقه يعفو عمن أساء إليه، وأخطأ في حقه، وذاك رحيم يعطف على المساكين ويتلطف بهم، وذاك حليم يصبر على ما يلقاه من أذى، وذاك بَرٌّ بوالده يحمله على عاتقه، وذاك يحوط أمه العجوز بلطفه ورعايته.

بل ويكتسب الأخلاق الجميلة إذا رأى من لا يدركون معنى الحج، ممن يغضبون لأدنى سبب، وتطيش أحلامهم عند أتفه الأمور. فإذا رأى العاقلُ البصيرُ سوء فعال هؤلاء انبعث إلى ترك الغضب، وتجافى عن مرذول الأخلاق.

تاسعاً: تذكر الآخرة: فإذا رأى الحاج ازدحام الناس، ورأى بعضهم يموج في بعض، وهم في صعيد واحد، وبلباس واحد، وقد حسروا عن رؤوسهم، وتجردوا من ثيابهم، ولبسوا الأردية والأزر، وتجردوا من ملذات الدنيا، ومتعها – تذكر يوم حشره على ربه؛ فيبعثه ذلك إلى الاستعداد للآخرة، ويقوده إلى استصغار متاع الحياة الدنيا، ويرفعه عن الاستغراق فيها، ويكبر بِهِمَّته عن جعلها قبلة يولي وجهه شطرها حيثما كان.

أيها الحاج الكريم أسأل الله أن يجعل حجك مبروراً، وسعيك مشكوراً، وذنبك مغفوراً، وأن يعيد علينا وعليك وعلى أمة الإسلام من بركات الحج.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك