من معاني العيد

3 يوليو، 2016 666 عدد الزوار

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام على النعمة المسداة، والرحمة المهداة؛ نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن العيد مظهرٌ من مظاهر الدين، وشعيرةٌ من شعائره المعظمة التي تنطوي على حِكَمٍ عظيمة، ومعانٍ جليلة، وأسرارٍ بديعة لا تعرفها الأممُ في شتى أعيادها.

 فالعيد في معناه الديني: شكرٌ لله على تمام العبادة، لا يقولها المؤمن بلسانه فحسب؛ ولكنها تعتلجُ في سرائره رضاً واطمئناناً، وتنبلج في علانيته فرحاً وابتهاجاً، وتُسْفِر بين نفوس المؤمنين بالبشر والأنس والطلاقة، وتمسح ما بين الفقراء والأغنياء من جفوة.

والعيدُ في معناه الإنساني: يومٌ تلتقي فيه قوةُ الغنيِّ، وضعفُ الفقير على محبةٍ ورحمةٍ وعدالةٍ من وحي السماء، عُنْوانُها الزكاةُ، والإحسانُ، والتَّوسعةُ.

يتجلى العيدُ على الغني المُتْرَف؛ فينسى تَعَلُّقَه بالمال، وينـزل من عليائهِ متواضعاً للحقِّ وللخلق، ويذكرُ أن كلَّ مَنْ حولَه إخوانُه وأعوانهُ؛ فيمحو إساءَة عامٍ بإحسان يومٍ.

ويتجلى العيد على الفقير المُتْرَب؛ فيطرح همومَه، ويسمو من أفق كانت تصوره له أحلامهُ، وينسى مكارهَ العام ومتاعِبَه، وتمحو بشاشةُ العيد آثارَ الحقد والتبرّم من نفسه، وتنهزمُ لديه دواعيْ اليأسِ على حين تنتصر بواعثُ الرجاء.

والعيد في معناه النفسي: حدٌّ فاصلٌ بين تقييدٍ تخضع له النفسُ، وتَسكُنُ إليه الجوارحُ، وبين انطلاقٍ تنفتح له اللهواتُ، وتتنبِّه له الشهوات.

والعيد في معناه الزمني: قطعةٌ من الزمن؛ خُصِّصَت لنسيانِ الهموم، واطِّراحِ الكُلَف، واستجمام القوى الجاهدة في الحياة.

والعيد في معناه الاجتماعي: يومُ الأطفالِ يفيض عليهم بالفرح والمرح، ويوم الفقراءِ يلقاهم باليسر والسعة، ويومُ الأرحامِ يجمعها على البر والصلة، ويومُ المسلمينَ يجمعهم على التسامح والتزاور، ويومُ الأصدقاءِ يجدد فيهم أواصرَ الحب، ودواعي القرب، ويومُ النفوس الكريمة تتناسى أضغانها؛ فتجتمع بعد افتراق، وتتصافى بعد كدر وتتصافح بعد انقباض.

وفي هذا كلِّه تجديدٌ للرابطة الاجتماعية على أقوى ما تكون من الحب، والوفاء، والإخاء، وفيه أروعُ ما يُضْفي على القلوب من الأنس، وعلى النفوس من البهجة، وعلى الأجسام من الراحة، وفيه من المغزى الاجتماعي -أيضاً- تذكيرٌ لأبناء المجتمع بحق الضعفاء والعاجزين؛ حتى تشملَ الفرحةُ بالعيد كلَّ بيتٍ، وتعمَّ النعمةُ كلَّ أسرة، وإلى هذا ا لمعنى الاجتماعي يرمُزُ تشريعُ صدقةِ الفِطْر في عيد الفطر، ونحر الأضاحي في عيد الأضحى؛ فإن في تقديم ذلك قبل العيد، أو في أيامه إطلاقاً للأيدي الخيّرة في مجال الخير؛ فلا تشرق شمسُ العيدِ إلا والبسمةُ تعلو كلَّ شفةٍ، والبهجةُ تَغْمُرُ كلَّ قلبٍ.

في العيد يَسْتَروِحُ الأشقياءُ ريحَ السعادةِ، ويتنفّسُ المختنقون في جوٍّ من السَعة، وفيه يذوق المُعْدَمون طيباتِ الرزق، ويتَنَعَّم الواجدون بأطايبه.

وفي العيد تُسْلِسُ النفوسُ الجامحةُ قيادَها إلى الخير، وتَهُشُّ النفوسُ الكزَّةُ إلى الإحسان.

وفي العيد أحكامٌ تَقْمَعُ الهوى، ومن ورائها حِكَمٌ تُغَذِّي العقل، ومن تحتها أسرارٌ تُصَفِّي النفس، ومن بين يديها ذكرياتٌ تُثمر التأسِّي في الحق والخير، وفي طيِّها عِبَرٌ تُجلِّي الحقائق، وموازينُ تقيم العدل بين الأصناف المتفاوتة من البشر، ومقاصدُ سديدةٌ في حفظ الوَحْدة، وإصلاح الشأن، ودروسٌ تطبيقيةٌ عالية في التضحية، والإيثار، والمحبة.

 في العيد تظهر فضيلةُ الإخلاص مُستَعْلِنَةً للجميع، ويُهْدي الناسُ بعضُهم إلى بعض هدايا القلوبِ المٌخلصَةِ المُحبِّة، وكأنما العيدُ روحُ الأسرةِ الواحدة في الأمة كلها.

وفي العيد تَتَّسِعُ روحُ الجوارِ وتمتد، حتى يرجعَ البلدُ العظيم وكأنه لأهله دارٌ واحدةٌ يتحقق فيها الإخاءُ بمعناه العملي.

في العيد تنطلق السجايا على فطرتها، وتَبْرُز العواطفُ والميول على حقيقتها.

 العيد في الإسلام: سكينةٌ ووقارٌ، وتعظيمٌ للواحد القهار، وبعدٌ عن أسباب الهلكة ودخول النار، والعيد مع ذلك كله ميدانَ استباقٍ إلى الخيرات، ومجال منافسةٍ في المَكْرُمَات.

ومما يدل على عظم شأن العيد أن الإسلام قرن كلَّ واحدٍ من عيديه العظيمين بشعيرة من شعائره العامة التي لها جلالهُا الخطير في الروحانيات، ولها خَطَرُها الجليل في الاجتماعيات، ولها ريحُها الهابَّةُ بالخير، والإحسان، والبر، والرحمة، ولها أثرها العميق في التربية الفردية والجماعية، التي لا تكون الأمةُ صالحةً للوجود نافعةً في الوجود إلا بها.

هاتان الشعيرتان هما: شهر رمضان؛ الذي جاء عيدُ الفطر مِسْكَ ختامِه، وكلمةَ الشكر على تمامه، والحجُّ؛ الذي كان عيدُ الأضحى بعضَ أيامه، والظَّرْفَ الموعِيَ لمعظَمِ أحكامه.

فهذا الربط الإلهي بين العيدين وبين هاتين الشعيرتين كافٍ في الحكـم عليهما، وكاشفٌ عن وجه الحقيقة فيهما، وأنهما عيدان دِينيَّان بكل ما شُرع فيهما من سنن، بل حتى ما نَدَبَ إليه الدينُ فيهما من أمورٍ ظاهرُها أنها دنيويةٌ كالتجمل، والتحلِّي، والتطيُّب، والتوسعة على العيال، وإِلطاف الضيوف، والمرح، واختيار المناعم والأطايب، واللهو مما لا يَخْرُج إلى حدِّ السرف، والتَّغالي، والتفاخـر المذمـوم؛ فهذه الأمور المباحة داخلةٌ في الطاعات إذا حسُنت النية؛ فمن محاسن الإسلام أن المباحات إذا حسُنت فيها النيـةُ، وأُريدَ بها تَحَقُّقُ حِكمةِ الله، أو شُكر نعمته – انقلبت قربات؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- “حتى اللقمة تضعها في فِيِّ امرأتك“.

معاشر الصائمين: كِلا طَرَفَي العيد في معناه الإسلامي جمالٌ، وجلالٌ، وتمامٌ وكمالٌ، وربطٌ واتصـالٌ، وبشاشةٌ تخالط القلوب، واطمئنانٌ يلازم الجنوب، وبسط وانشراح، وهجر للهموم واطَّراح، وكأنه شبابٌ وخَطَتْهُ النُّضْرةُ، أو غُصْنٌ عاوده الربيع؛ فوخَزَتْهُ الخُضْرَةُ.

وليس السرُّ في العيد يومَهُ الذي يبتدئُ بطلوع الشمس وينتهي بغروبها، وإنما السرُّ فيما يَعْمُرُ ذلك اليومَ من أعمال، وما يَغْمُرُه من إحسان وأفضال، وما يغشى النفوسَ المستعدَّةَ للخير فيه من سموِّ وكمال؛ فالعيد إنما هو المعنى الذي يكون في العيد , لا اليومُ نفسُهُ.

هذه بعض معاني العيد كما نفهمها من الإسلام، وكما يحقِّقُها المسلمون الصادقون؛ فأين نحن اليوم من هذه الأعياد؟! وأين هذه الأعياد منا؟! وما نصيبنا من هذه المعاني؟! وأين آثار العبادةِ من آثار العادة في أعيادنا؟!!

إن مما يُؤسَف عليه أن بعض المسلمين جَرَّدوا هذه الأعيادَ من حِليتها الدينية، وعَطلّوها عن معانيها الروحية الفوارة التي كانت تفيض على النفوس بالبهجة، مع تَجَهُّم الأحداث، وبالبشر مع شدة الأحوال؛ فأصبح بعض المسلمين -وإن شئت فقـل: كثير منهم- يَلْقَون أعيادَهم بِهِمَمٍ فاترة، وحسٍّ بليد، وشعور بارد، وأسَرِّةٍ عابسة، حتى لكأنَّ العيدَ عمليةٌ تجاريةٌ تَتْبَعُ الخِصبَ والجَدَّ، وتتأثر بالعسر واليسر، والنَّفاق والكساد، لا صبغةٌ روحيَّةٌ تؤثِّر ولا تتأثر.

ولئن كان من حق العيد أن نَبْهَج به ونفرح، وكان من حقِّنا أن نتبادل به التهاني، ونطّرح الهموم، ونتهادى البشائر – فإن حقوقَ إخواننا المشردين المعذبين شرقاً وغرباً تقتضى أن نحزن لمحنتهم ونغتم، ونُعْنَى بقضاياهم ونهتمّ؛ فالمجتمع السعيد الواعي هو ذلك الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة، ويمتد شعورَه الإنسانيُّ إلى أبعـد مدى، وذلك حين يبدو في العيد متماسكاً متعاوناً متراحماً، حتى لَيَخْفِقُ فيه كل قلب بالحب، والبر، والرحمة، ويذكر فيه أبناؤه مصائب إخوانهم في الأقطار حين تنـزل بهم الكوارث والنكبات.

ولا يراد من ذلك تَذْرافُ الدموع،  ولبسُ ثياب الحداد في العيد.

ولا يراد منه  -أيضاً- أن يعتكف الإنسان كالمرزوء بفقد حبيب أو قريب، ولا أن يمتنع عن الطعام، كما يفعل الصائم.

وإنما يراد من ذلك أن تظهر أعيادُنا بمظهر الأمة الواعية، التي تلزم الاعتدال في سرَّائها وضرَّائها؛ فلا يَحُوْلُ احتفاؤها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فريقٌ من أبنائها.

ويراد من ذلك أن نقتصد في مرحنا وإنفاقنا؛ لنوفِّر من ذلك ما تحتاج إليه أمتنا في صراعها المرير الدامي.

ويراد من ذلك -أيضاً- أن نشعر بالإخـاء قوياً في أيـام العيـد؛ فيبدو علينـا في أحـاديثنا عن نكبات إخواننا وجهادهـم ما يقوي العزائم، ويشحذ الهمم، ويبسط الأيـدي بالبذل، ويطلق الألسنة بالدعاء، فهذا هو الحـزن المجدي، الذي يُترجَم إلـى عمل واقعي.

أيها المسلم المستبشر بالعيد: لا شك أنك تستعد أو قد استعددت للعيد أباً كنت، أو أمّاً، أو شاباً، أو فتاةً، ولا ريب أنك قد أخذت أُهْبَتَك لكل ما يستلزمه العيد من لباس، وطعام ونحوه؛ فأضف إلى ذلك استعداداً تنالُ به شُكوراً، وتزداد به صحيفتُك نوراً: استعداداً هو أكرم عند الله، وأجدر في نظر الأُخوَّة والمروءة.

ألا وهو استعدادك للتفريج عن كربة من حولك من البؤساء والمعدَمِين، من جيران، أو أقربين أو نحوهم؛ فتِّشْ عن هؤلاء، وسَلْ عن حاجاتهم، وبادر في إدخال السرور إلى قلوبهم.

وإن لم يُسْعِدْكَ المال؛ فلا أقل من أن يسعدَك المقالُ بالكلمة الطيبة، والابتسامة الحانية، والخفقة الطاهرة.

وتذكَّر صبيحةَ العيد وأنت تُقْبِلْ على والديك، وتأنس بزوجك، وإخوانك وأولادك، وأحبابك، وأقربائك؛ فيجتمع الشمل على الطعام اللذيذ، والشراب الطيب، تذكَّر يتامى لا يجدون في تلك الصبيحة حنانَ الأب، وأيامى قد فقدن ابتسامةَ الزوج، وآباءًا وأمهاتٍ حُرموا أولادهم، وجموعاً كاثرة من إخوانك شَرَّدَهُم الطغيان، ومزقهم كلَّ ممزق؛ فإذا هم بالعيد يَشْرَقون بالدمع، ويكتوون بالنار، ويفقدون طعم الراحة والاستقرار.

وتذكَّر في العيد وأنت تأوي إلى ظلك الظليل، ومنـزلك الواسع، وفراشك الوثير تذكَّر إخواناً لك يفترشون الغبراء، ويلتحفون الخضراء، ويتضورون في العراء.

واستحضر أنك حين تأسو جراحهم، وتسعى لسدِّ حاجتهم أنك إنما تسدّ حاجتك، وتأسو جراحك (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ)، و”من نفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه“.

و”من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم“، و”مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى لـه سائر الجسد بالحمى والسهر“.

بارك الله للمسلمين عيدهم، ومكَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

التعليقات

عزيز بن الضاد 4 يوليو، 2016

جزاكم الله خيراً، مقالٌ جميل ، تقبل الله من الجميع و كل عام و أنتم بخير، و جزى الله خيرا القائمين على الموقع.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك