لِتَعَارَفُوا

24 ديسمبر، 2018 529 عدد الزوار

هذا العنوان جزء من آية من سورة الحجرات، وهي سورة مقصودها الإرشاد إلى مكارم الأخلاق؛ حيث احتوت على جملة كبيرة منها.

والآية بتمامها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات: 13.

والمراد بالذَّكر والأنثى: آدم، وحواء -عليهما السلام-.

فالناس جميعاً ينتسبون إلى أصل واحد، ويجمعهم وعاء واحد.

وما دام الأمر كذلك فلا وجه للتفاخر بالأحساب، والأنساب.

والشعوب جمع شعب، وهو العدد الكثير من الناس يجمعهم أصل واحد.

والقبائل جمع قبيلة، وتمثل جزءًا من الشعب؛ إذ الشعب مجموعة قبائل.

ثم بيَّن -عز وجل- الحكمة من ذلك فقال: (لِتَعَارَفُوا): أي ليعرف بعضكم بعضاً، فينتسب كل فرد إلى آبائه، وتتعاونوا على البر والتقوى، لا ليتفاخر بعضكم على بعض بحسبه، أو نسبه، أو جاهه.

ولهذا عقب -جل ثناؤه- بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ): أي أرفعكم منزلة عند الله هو أكثركم تقوى، وخشية من الله -تعالى-.

فإذا تفاخرتم ففاخروا بالتقوى والعمل الصالح.

والحاصل أنه إذا تقرر كونهم متساوين في أصل الخلق – فإن الشأن ألا يَفْضُلَ بعضهم بعضاً إلا بالكمال النفساني الذي يرضاه الله -عز وجل- والذي جعل التقوى وسيلته.

والمقصود في هذا المقام هو الكلام على قوله -تعالى-: (لِتَعَارَفُوا) فالتعارف مقصد شرعي، ومراد اجتماعي؛ إذ الناس لو استقل كل واحد بنفسه لم يحصل ذلك التعارف الذي يترتب عليه ضروب المنافع والمصالح من نحو التناصر، والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، وما جرى مجرى ذلك مما يعين على تكاليف الحياة.

ولو أرجعت البصر في حياة الناس لرأيت أن أكثر مصالح الناس، ومنافعهم إنما كانت بسبب التعارف.

ولو سألت فلاناً أو فلاناً ممن أنعم الله عليهم بشتى النعم من نحو المال، أ و الجاه، أو العلم عن سبب ما هو عليه من ذلك – لربما بادرك بأن ذلك بسبب التعرف على فلان أو فلان.

وهذا مما يؤكد -من حيث الأصل- أهمية التعارف بين الناس أفراداً، وقبائل، وشعوباً، ودُوَلاً.

ثم إن التعارف يقتضي أن يُعَرِّف الناس بعضهم ببعض؛ وهذا الشأن يتفاوت فيه الناس؛ إذ منهم يُعَرِّف فضلاء وأكابر، ونبلاء، وأهل علم على أمثالهم؛ فيترتب على ذلك خير عظيم، ونفع عميم.

ومنهم يعرف أصحاب مصالح على أمثالهم، فيترتب على ذلك تعاون، وتعاضد، وزيادة مال، ونحو ذلك.

وأمثال هذا التعريف إذا أُحضرت فيه النية كان مما تنال به الدرجات العالية؛ إذ هو من قبيل الدلالة على الخير، والدال على الخير كفاعله.

وفي مقابل ذلك تجد من يُعَرِّف الأشرار على الأشرار، والمفسدين على المفسدين، فيترتب على ذلك ما يترتب من الشر والفساد، والآثام التي تجري على أصحابها، يتجدد وزرها عليهم.

وبناءً على ما مضى فإنه يحسن بالعاقل الذي يريد الخير لنفسه، وغيره، ويرجو رحمة ربه، وزيادة أجوره – أن يحرص على أن يكون له نصيب من تعريف من يترتب على تعرفهم ببعض مصالح دينية ودنيوية، وأن ينأى بنفسه عن تعريف من يترتب على تَعَرُّفِ بعضهم ببعض مفاسد، وشرور.

ثم إذا وفق الله الإنسان لأن يعرف شخصاً فاضلاً  على آخر مثله، ثم ترتب على تلك المعرفة ما ترتب من الخيرات والمصالح – فلا يعني ذلك أن يكون ذلك التعريف سبباً للمنة، والإدلال، وربما الإذلال من قبل المُعَرِّف؛ بحيث يقول: أنا الذي عرفت فلاناً على فلان.

أو تراه يريد منهما ألا يزور أحدهما الآخر إلا بإذنه، وبعلمه، وإذا حصل خلاف ذلك غضب، أو هجر.

أو تراه إذا رأى مَنْ عَرَّف بعضهم على بعض وقد توطدت صلتهما، أو عظمت مصالحهما – يَكْبُر عليه ذلك، ويحاول توهين تلك العلاقة، أو بَتِّ حبالها.

وقس على هذه النبذة الكثير الكثير.

والحقيقة أن الأمر أهون من ذلك، وبإمكان من كان هذا شأنه؛ بحيث يوفق لتعريف الأفاضل بعضهم ببعض أن يكون أشرف نفساً، وأبعد همةً، وأطول بالاً.

وذلك بأن يستشعر ما له من الأجر إن هو احتسب ذلك، وأن يفرح بأنه كان سبباً بتلك الصلة الطيبة، وأن يستحضر بأنهما لن ينسيا له ذلك الجميل إن كانا من أهل الفضل.

وإن كانت الأخرى، فصار مناناً مُدِلاَّ فإنه سيضيِّع أجره، ويخسر قيمته، و:

شر المواهب ما تجود به *** من غير محمدةٍ ولا أجر

 ثم إن على من عرَّفه أحد من الناس على آخر، فترتب على تلك المعرفة ما ترتب من الخير الديني والدنيوي ألا ينسى من كان السبب في ذلك؛ بحيث يذكره بالخير، ويعترف له بالفضل، ويفيده بما يستطيع من الفائدة من جاه، أو مالٍ، أو علم خصوصاً إذا كان ما حصل عليه من ذلك الخير بسبب ذلك التعريف، وكان المُعَرِّف بحاجة إلى أي نوع من أنواع البر والإحسان.

ولكن ذلك ليس بحتم لازم، ولكنه نوع تكرُّمٍ، وحفظٍ للجميل.

هذا وإن من الآفات في ذلك الشأن أن ترى بعض من عَرَّف إنساناً على صاحب مالٍ، ثم كان بين المتعارفين ما بينهما من المصالح؛ فيرى ذلك المعرِّف أن له نصيباً مفروضاً من ذلك؛ بحيث إذا باعا بيعةً مَّا، عقاراً كان أو غيره رأى أن من حقه أن يعطى شيئاً من ذلك، وهكذا…

ومن تلك الآفات أن يأتي شخص لزيارة صديق، أو قريب، أو وجيه؛ فيصحب معه إنساناً في تلك الزيارة؛ فيعرِّف مَنْ صحبه بمزوره؛ فترى ذلك الصاحب قد صار يتردد على المزور، وربما طلب منه طلبات محرجة؛ بحجة أنه صاحب لصديقه.

ويزداد الحرج إذا كان الصديق الأول لا يعلم شيئاً من ذلك؛ فترى ذلك الذي تُعُرِّف عليه أخيراً يلبي بعض تلك الطلبات المحرجة؛ تقديراً لصديقه.

ومن الآفات في ذلك قلة المبالاة بالتعرف على من لابد للإنسان من مخالطتهم في عمل، أو دراسة، أو تدريس؛ فترى بعض الناس يزامل طلاباً فضلاء عدة سنوات، ولا يحرص على التعرف عليهم.

وترى بعضهم يدرس طلاباً عدة فصول دراسية، ولا تراه يحاول معرفة أسمائهم.

وذلك نوع جفاء؛ إذ لو تعرف عليهم لتوطدت العلاقة، ولكان درسه أكثر نشاطاً، وفائدةً، ومتعةً.

وترى بعضهم يعمل في دائرةٍ ما، ومعه زملاء كثر، فلا يحرص على التعرف عليهم؛ فيخسر بذلك تعاونهم معه، وتخفيفه من أعباء عمله.

ومن ذلك ما تراه بين الجيران، حيث تستمر الجيرة بين بعضهم سنوات عدة، وربما كان باب أحدهم مقابلاً باب الآخر، أو ملاصقاً له؛ ومع ذلك لا ترى بعضهم يعرف بعضاً؛ فمن الجميل في ذلك أن يحرصوا على تعرف بعضهم على بعض؛ فذلك أعظم لأجورهم، وأعون على القيام بمصالحهم.

وكذلك الحال بالنسبة للتعرف على الضيوف، وتعريف بعضهم على بعض، واستعلامهم عن أسمائهم.

وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ فقد يَجْمُل أن يُعَرَّف الضيوف بعضهم ببعض، وأن يُقرنَ ذلك بذكر بلدانهم، وألقابهم العلمية، أو الوظيفية مع ذكر بعض مآثرهم، وما يُقَرِّب بعضهم من بعض؛ فذلك مما يزيل الوحشة، ويقود إلى التئام مجلس الضيافة.

ولقد كان من أدب نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – أن يستعلم من يقدمون إليه عن أسمائهم، كأن يقول: من القوم؟ أو أن يسأل عن أسمائهم.

جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لقي ركباً بالرَّوحاء، فقال: “من القوم؟” قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: “رسول الله“.

وفي صحيح البخاري عن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: “ما اسمك؟” قال: حَزَن، قال: “أنت سهل“.

قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد.

وفي سنن أبي داود عن أسامة بن أَخْدَرِي- رضي الله عنه – أن رجلاً يقال له: أحدم، كان من النفر الذين أتوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “ما اسمك؟” قال: أنا أحدم، قال: “بل أنت زرعة“.

وجاء في سنن الترمذي عن يزيد بن نعامة الضَّبِّي قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسألْه عن اسمه، واسم أبيه، وممن هو؛ فإنه أوصل للمودة“.

فاستعلام الضيف عن اسمه مما يشعره بالاهتمام، ومما يزيد في الصلة والمودة.

بل مما يزيدها أن يسأله من أين هو، وما بلده؛ فإن في ذلك مزيد قرب، وأنس.

ولا يُعْدَمُ الكريمُ أن يجد من غضون ذلك التعريف ما يكون مادة لزيادة المعرفة، والصلة.

وكان سماحة شيخنا ابن باز – رحمه الله – يستعلم أضيافه عن أسمائهم، ويسألهم عن أخبارهم، وأحوال بلدانهم، ومن وراءهم من أهل العلم والدعوة.

وفي بعض الأحيان قد لا يَحْسُن  تعريف بعض الضيوفِ ببعض؛ إذ قد يكون من بينهم مَنْ هُمْ متناكرون، ولا يعرف بعضهم بعضاً إلا بالذكر، فيخشى إن علم أحدٌ من المتناكرين بوجود الآخر أن يخرج من المجلس، أو يحدث في نظامه خللاً خصوصاً إذا كان أرعن الطبع، ويخشى من سوء بادرته.

وقد تَضْطَر الحالُ الرجلَ أن ينزل ضيفاً على أحدٍ في برية، أو نحوها، وهو يريد طعاماً، أو ماءً، أو مبيتاً؛ فلا يرغب أن يُعرف اسمه، أو أن يرى من الجفاء أن يسأل عنه؛ فيحسن -والحال هذه- ألا يسأل عن اسمه، ومن أين أتى إلا إذا خُشي أن وراءه ما وراءه من الشر، أو الفتنة.

وعلى هذا -أي على ترك الاستعلام من الاسم- يحمل قول الشاعر:

سلي الطارق المعترّ يا أمَّ مالكٍ *** إذا ما أتاني بين قِدْرِي ومجزري
أيسفر وجهي أنه أول القرى *** وأبذل معروفي له دون منكري

قال الخطيب التبريزي في شرح البيتين: “قوله: (بين قِدْري ومجزري): يريد إذا أتاني في موضع الضيافة أعطيه لحماً نيَّاً، وذلك من المجزر، وإما مطبوخاً، وذلك من القدر.

ومعنى قوله: (إنه أول القرى): يريد أن إظهار البشاشة للضيف من أوائل قِراه.

وقال النميري: المعروف هنا: القِرى، والإيناس، وما شاكلهما.

والمنكر ههنا: أن يسأل الضيف عن اسمه، ونسبه، وبلده، ومقعده، وكل هذا مما يجلب عليه حَيَاه”.

ومن جميل التعرف: التعرف بالزيارة، أو عبر الرسالة، أو المهاتفة، أو إرسال السلام، أو الهدية؛ فقد تسمع عن إنسان ولم تره، ولم تَلْقَهُ من قبل؛ لما بلغك من فضله، ونبله، وعلمه؛

………………………………. *** والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وكم من محبٍّ قد أحب وما رأى *** وعشقُ الفتى بالسمع مرتبةٌ أخرى

فترغب بعد ذلك بالتعرف عليه من خلال ما مضى من السبل، فتشعره بمحبتك له، واغتباطك بفضله، وفرحك بما تسمع عنه من مآثر، وما يصدر منه من خير؛ وأن ذلك حملك على الرغبة في التعرف عليه، فذلك من دواعي السرور، ومما ينمي العواطف النبيلة، والصداقات الفاضلة.

ومن جميل ما يذكر في هذا السياق ما حدثني به أحد الأصدقاء أن صديقاً له -وقد سمَّاه لي- كان يسكن الرياض، وأنه حوالي عام 1402هـ كان يسمع بشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين، وذلك قبل أن ينتشر صيته أكثر وأكثر، وأنه رغب في زيارة الشيخ في مدينة عنيزة، وهو لا يعرفه، ولم يره من قبل.

يقول: فذهب إلى مطار الرياض، وركب في الطائرة قاصداً مطار القصيم لزيارة الشيخ، ولما أخذ مكانه في الطائرة جلس بجانبه راكب، ثم تجاذبا أطراف الحديث، وسأله ذلك الراكب عن سبب قدومه إلى القصيم، فقال: إنني لم أذهب لأي عمل سوى أنني أحببت الشيخ ابن عثيمين في الله؛ لما أسمع عنه من الأخبار الطيبة، والحرص على نشر العلم؛ فرغبت في زيارته والسلام عليه.

فقال له ذلك الراكب: وهل تعرفه من قبل؟ فقال: لا.

ثم صارا بعد ذلك يتحدثان إلى أن هبطت الطائرة في مطار القصيم.

ولما هَمَّ ذلك الرجل بتوديع صاحبه قال له ذلك الصاحب: هل تعرف منزل ابن عثيمين؟ فقال: لا، ولكنني سأسأل إلى أن أجده، فقال له: هيا معي؛ لأدلك على منزله.

يقول: ولما وصلنا قال: أنا ابن عثيمين، فتفضل على الرحب والسعة، وأنا شاكر لك هذه الزيارة التي أسعدتني كثيرًا.

ولقد كان من دأب شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – الحرص على التعرف على أهل العلم في شتى البلدان، ويشهد له بذلك المكاتبات الكثيرة بينه وبين العلماء في سائر الأمصار.

ومن الأمثلة على ذلك مكاتبته للشيخ عبدالفتاح الإمام من علماء الشام، حيث كان الشيخ ابن باز يسمع به، فكاتبه، وأبلغه تحياته، وأشواقه، ورغبته بالتعرف عليه.

وهذا نص ذلك الكتاب: “بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالعزيز بن عبدالله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم، والعلامة الفاضل الداعي إلى الله – سبحانه – الشيخ عبدالفتاح الإمام وفقه الله لما يرضيه آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فإني أحمد لكم الله الذي لا إله إلا هو على جميع نعمه، وأسأله -تعالى- أن يوزعني وإياكم شكرها، وأن يمن علينا جميعاً بالفقه في دينه، والقيام بحقه، والنصح له، ولعباده؛ إنه على كل شيء قدير.

ثم إني أشعر أخي المحبوب في الله أن الإخوان القادمين من طرفكم، وهم أبناؤكم محمود الجبَّان، والأخ صالح ضيف الله، والأخ محمد ناصر، والأخ عبدالله علوش وغيرهم – قد بلغوني كثيراً من صفاتكم الحميدة، وجهادكم المبارك؛ فسررت بذلك كثيراً، وشكرت الله عليه، ودَعَوتُه -سبحانه- لكم بالمزيد من التوفيق، والهداية، والنشاط في الدعوة إلى الحق؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ثم قرأت لأول مرة بعض كتابكم الصغير حجماً، الكبير شأناً وقدراً الموسوم “المشكلات وجوابها” وبعض كتابكم الثاني العظيم الشأن الموسوم بـ: “حكم الإسلام” فأعجبت بهما كثيراً، وسرني ما تضمناه من الدعوة إلى الإسلام، وبيان كثير من حكمه، وأسراره، وكثير من قواعده العظيمة، وتحدِّي العالمِ أجمع أن يأتوا بما يناقض ذلك؛ فأسأل الله أن يزيدكم من فضله، ويثبت أقدامكم على الحق، وأن ينفع عباده بكتبكم الجليلة النافعة، وأن يفسح في أجلكم على خير عمل؛ إنه سميع مجيب.

ونحن -يا أخي- في عصر قد استحكمت فيه غربة الإسلام، وقلَّ فيه ناصروه، والدعاة إليه، وكثر فيه أعداؤه والصادُّون عنه؛ فاغتنم يا محبُّ بقية حياتكم في الدعوة إلى الحق، واصبر وصابر، وأبشر بالذكر الجميل، والأجر الجزيل، والعاقبة الحميدة ما دمت على هذا النهج القويم، ثبتني الله وإياك، وسائر إخواننا على دينه حتى نلقاه -سبحانه-.

ولا يخفاكم الحديث الصحيح: “من دل على خير فله مثل أجر فاعله” والحديث الثاني: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً” الحديث، والحديث الثالث: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث” الحديث.

وقد اشتقت كثيراً إلى مؤلفاتكم؛ فأرجو إتحافي بها من كل نوع نسخة، وإذا كان عندكم منها جملة فأخبروني بها وبقيمتها حتى أسعى في تسديد قيمتها، وأخذها من فضيلتكم وتوزيعها بين الطلبة بطرفنا.

وقد أبلغني بعض الإخوان أن فضيلتكم قد جمع تفسيراً مختصراً، وترغبون طبعه؛ لينتفع به المسلمون، وهذا عمل مشكور، أجزل الله مثوبتكم عليه، وإذا كنتم ترغبون طبعه كما بلغني، ورأيتم إرساله إلي؛ للإشراف عليه، والتوسط في طبعه بواسطة الشربتلي، أو الحكومة، أو غيرهما فلا مانع من ذلك، بل أنا أحبذ ذلك؛ لما أرجو في ذلك من النفع لطلبة العلم.

والله المسؤول أن يجعلني وإياكم، وسائر إخواننا من المتعاونين على البر والتقوى، وأن يزيدنا جميعاً من العلم النافع والعمل به، وأن يمنَّ على الجميع بالصدق في معاملته، والاستقامة على دينه، والدعوة إليه على بصيرة؛ إنه جواد كريم.

وأرجو إبلاغ سلامي لمن حولكم من خواصِّ المشايخ والإخوان، وأخص منهـم فضيلة أخينا ومحبوبنا في الله الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، كما منا الأولاد، والمشايخ، والإخوان بخير وعافية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

حرر في 25/5/1377هـ”.

فهذا مثال من صنيع شيخنا المبارك، وأخباره في ذلك كثيرةٌ جداً يطول ذكرها، والمقام لا يتسع لذلك.

وقد ذكرت جملة كبيرة منها في كتاب (الرسائل المتبادلة بين سماحة الشيخ ابن باز وأهل العلم).

ومن جميل التعريف أن إذا تعرفت على فضلاء، وبعضهم لا يعرف بعضاً أن تذكر فضائل بعضهم عند بعض، وأن تحرص على تشويق بعضهم إلى لقاء بعض؛ فإذا سنحت لك الفرصة بتعريف بعضهم ببعض بادرت إلى ذلك؛ فتكون الرابطة بينهم؛ فتنال أجر تلك المعرفة وما يترتب عليها من آثار حميدة.

ومن الأمثلة على ذلك ما جرى بين علامة الشام جمال الدين القاسمي، وعلامة العراق محمود شكري الآلوسي -رحمها الله- حيث انعقدت بينهما محبة ومودة، وحصل من جرائها تعاون على نشر كثير من كتب السلف، وكانت بينهما مكاتبات عدة، وقد أخرجها الشيخ المحقق محمد بن ناصر العجمي -حفظه الله-.

واستمرت تلك العلاقة بين أسرتيهما، وطلابهما بعد وفاتهما مع أنهما لم يريا بعضاً، وإنما كانت تلك العلاقة بسبب تلميذ نجيب من أهل عنيزة اسمه الشيخ عبدالعزيز السناني، وقد مات قبلهما بعد أن وطَّد العلاقة بينهما عبر السلام، والذكر الحسن المتبادل.

ولما مات استمرت العلاقة بين هذين العالمين إلى أن فارق الشيخ القاسمي الحياة عام 1332هـ.

وكان مما يذكرأنه في تلك الرسائلِ ذلك التلميذَ النجيبَ الذي كان سبباً في تلك المعرفة التي ترتب عليها خير عظيم ساقه الله للعلامتين: القاسمي، والآلوسي ببركة ذلك التلميذ النجيب(1).

وبالجملة فإن التعارف حسن مطلوب، تؤيده مقاصد الشريعة، وتقتضيه طبيعة الناس، وله ثماره اليانعة، وآثاره الحميدة إذا كان سالماً من الآفات، والمكدرات.

———————————————————-

(1) وقد كتبت عن تلك العلاقة، وذلك الكتاب مقالاً عنوانه (حمالة الورد) وهو موجود في كتابي (ومضات).

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك