لطيفة في سيرة موسى – عليه السلام

31 أكتوبر، 2016 346 عدد الزوار

لقد كثر ذكر نبي الله موسى – عليه السلام – في القرآن الكريم، كما ورد له ذكر في السنة المطهرة، وليس المجال مجال بسط، وإنما هي إشارات. ومن خلال النظر في سيرته – عليه السلام – يتبين أنه من أولي العزم من الرسل، وأنه قد بلغ الكمالَ البشري من جهة القوة، والشجاعة، والثبات، ورباطة الجأش؛ كيف لا، وقد بعث إلى أعظم طاغية ذكر في القرآن الكريم ألا وهو فرعون. كيف لا، وقد عالج من أمة بني إسرائيل ما عالج؛ حيث كانوا على درك سحيق من العناد، والفساد، والخور، واللؤم.

ولعل من أبرز ما جاء في شأن قوته، وشجاعته ما كان منه مِنْ فَقْأ عين المَلَكِ، ومحاجةِ أبيه آدم، وأخذِه برأس أخيه يجره إليه، وَوَكْزِهِ الرجلَ القبطي، ومواقفه العظيمة مع فرعون ومَلَئِه، إلى غير ذلك مما يدل على شجاعته المتناهية المتنوعة.

ومع ذلك فإن المتأمل في سير الأنبياء في القرآن الكريم يرى أنه لم يُذْكَرِ الخوفُ في سيرة نبي كما ذكر في سيرة موسى – عليه السلام -،  حيث ورد ذكر الخوف في سيرته في صيغ متنوعة، وسياقات مختلفة، منها على سبيل المثال قوله – تعالى – عنه: (إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) (طه: 45) وقوله – تعالى -: (لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه:46) وقوله – تعالى -: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) (طه: 67-68) وقوله – تعالى -: (لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى) (طه: 77) وقوله – تعالى -: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) (الشعراء: 21) وقوله – تعالى -: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ) (القصص: 21) وقوله عن صاحب مدين لموسى: (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص: 25) وقوله عن موسى – عليه السلام -: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص: 34).

وهذه السيرة تحتاج إلى مزيد عناية، وتأمل، وتدبر؛ ليتضح من خلالها شيء من الدروس، والعبر. ومما توحيه دلالة تلك السيرة أن الشجاعة لا تقتصر على الإقدام في ميادين الوغى فحسب، بل هي أعم من ذلك، فتشمل الشجاعة الأدبية في التعبير عن الرأي، وبالصدع بالحق، وبالاعتراف بالخطأ، وبالرجوع إلى الصواب إذا تبين. وهذا يتجلى في سيرة موسى غاية التجلي.

ومن الإشارات التي تحملها هداية تلك السيرة العظيمة أنه ليس من شرط الشجاعة ألا يجدَ الرجلُ في نفسه الخوفَ جملةً من الهلاك، أو الإقدام، أو نحو ذلك؛ فذاك شعور يجده كلُّ أحدٍ من نفسه إذا هو همَّ بعمل كبير أو جديد. بل يكفي في شجاعة الرجل ألا يعظم الخوف في نفسه حتى يمنعه من الإقدام، أو يرجع به إلى الانهزام.

قال هشام بن عبد الملك لأخيه مسلمة المسمى بـ”ليث الوغى”: يا أبا سعيد، هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟

قال مسلمة: ما سلمت في ذلك من ذُعْرٍ يُنَبِّه على حيلة، ولم يَغْشَنِي فيها ذُعْرٌ سَلَبَني رأيي.

قال هشام: هذه هي البسالة.

بل إن أشجع الشجعان يجدون في أنفسهم ذلك الشعور إذا هم خاضوا المنازلات، وغشوا ساحات الوغى. لكن ذلك لا يحملهم على الإحجام والانهزام.

فهذا عمرو بن معدي كرب الزبيدي -وحسبك به شجاعة وإقداماً- يصف نفسه، ويصور حالته في ساحة الوغى، ويبين أن الخوف يداخله، ولكن ذلك لا يحمله على الفرار والإحجام؛ فلا ينقص ذلك من قدره، ولا ينزل من مكانته؛ حيث يقول:

ولقد أجْمَعُ رِجْلَيَّ بها   حَذَرَ الموتِ وإني لفرورْ
ولقد أعْطِفُها كارهةً   حين للنفس من الموت هريرْ
كلُّ ما ذلك مني خلقٌ   وبكلٍّ أنا بالروع جديرْ

فالشجاعة – إذاً – هي مواجهة الألم، أو الخطر، أو نحو ذلك عند الحاجة في ثبات، وليست مرادفةً لعدم الخوف كما يظن بعض الناس. فالذي يرى النتائج، ويخاف وقوعها، ثم يواجهها في ثبات – رجل شجاع.

فالقائد الذي يقف على خط النار، فترتعد لذلك فرائصه؛ خشيةً من نزول الموت به، ثم يضبط نفسه، ويؤدي عمله كما ينبغي – هو رجل شجاع. بل هو شجاع -أيضاً- إذا رأى أن خير عمل يعمله أن يتجنب الخطر، وأن الواجب يقضي عليه أن ينسحب بجنوده حيث لا خطر. فإذا هو أضاع في موقفه رشده، أو ترك موقفاً يجب أن يقفه، أَوْ فَرَّ بجنوده من خطر كان عليه أن يقفه – فهو جبان.

فالشجاعة لا تعتمد على الإقدام والإحجام فحسب، ولا على الخوف وعدمه، وإنما تعتمد على ضبط النفس، وعمل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي؛ فتلك هي شجاعة الحكيم.

قال عمرو بن العاص لمعاوية – رضي اللَّه عنهما -: لقد أعياني أن أعلم: أجبان أنت أم شجاع؟ فقال:

شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصةٌ   وإلا تكن لي فرصة فجبان

بل ليس بالمحمود أن يتجرد الإنسان من كل خوف؛ فقد يكون الخوف فضيلة، وعدمه رذيلة؛ فالخوف عند الإقدام على أمر مهم تتعلق به مصالح الأمة، أو يحتاج إلى اتخاذ قرار حاسم – فضيلة وأي فضيلة؛ إذ هو يحمل على الروية، والتأني، والتؤدة، حتى يختمر الرأي، وينضج في الذهن؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب (1) والعرب تقول: « الخطأ زاد العَجُول ».

كما أنها تمدح من يتريث ويتأنى، ويقلب الأمور ظهراً لبطن، وتقول فيه: « إنه لَحُوَّلٌّ قُلَّبٌ ».

ولهذا ما زال الحكماء ينصحون الناس ألا يقدموا على مواقع الخطر إلاَّ أن تكون فائدة الإقدام أكبر من خسارته، قال أبو الطيب المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعانِ   هو أول وهي المحل الثاني
وإذا هما اجتمعا لنفس مِرَّةٍ   بلغت من العلياء كل مكان

وقال:

وكل شجاعة في المرء تغني   ولا مثل الشجاعة في الحكيم

وإنما الجبن المذموم، والخوف المرذول هو ما بالغ صاحبه فيه مبالغة تخرجه عن طوره؛ فهذا هو خوف الجبان الرعديد، الذي يُغَلِّب جانب الشر، ويخشى سوء عواقبه.

أما الشجاع فلا يفكر كثيراً في احتمال الشر، ثم إذا وقع لم يَطِرْ قَلْبُه شَعاعاً، بل يصبر، ويتحمله بثبات؛ إن مرض لم يضاعف مرضه بِوَهْمِه، وإن نزل به مكروه قابله بجأش رابط فخفف شدته؛ فمن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه؛ فإذا حدثت فليقابلها بشجاعة واعتدال، قال أبو علي الشبل:

ودَعِ التوقُّعَ للحوادث إنه   للحي من قبل الممات ممات

وبالجملة فالشجاع ليس بالمتهور الطائش الذي لا يخاف مما ينبغي أن يخاف منه، ولا هو بالجبان الرعديد الذي يَفْرَقُ من ظله، ويخاف مما لا يخاف منه.

ثم إن الشجاعة ليست هي قوةَ البدن؛ فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته. والمحمود منها ما كان بعلم ومعرفة، دون التهور الذي لا يفكر صاحبه، ولا يميز بين المحمود والمذموم. ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح. فأما المغلوب حين غضبه فليس بشجاع ولا شديد، كما يقول ابن تيمية – رحمه الله.

وهكذا يتبين لنا من سيرة موسى -عليه السلام- أن الخوف لا يذم ولا يمدح لذاته، وأن مجرد الشعور الفطري بالخوف لا ينافي الشجاعة.

وأن الإنسان ضعيف بطبعه؛ فمهما بلغ من القوة، والشجاعة، والتمكين – يبقى ضعيفاً لا يملك من شأنه حول ولا طول؛ فهو مربوب مقهور لا يخرج من علم الله، وإحاطته، ولا يستغني عن لطفه وإعانته.

كما أن تلك السيرة العظيمة تحمل في طياتها لفتاتٍ بارعة في التعامل مع الخوف، وأسباب اكتساب الشجاعة؛ فمن ذلك أن الشجاعة -وإن كان الإنسان مفطوراً عليها- تزيد بالدَّرَبة، والمِران، والتعود؛ فإن موسى -عليه السلام- زادت تلك الخصلة عنده بسبب ملاقاة الشدائد، والخطوب؛ فاجتمع عنده الخُلُقُ الجِبِلِّيُّ بالخلق الاكتسابي.

ومن أسباب ذلك توطين النفس على وقوع المكروه، والحذر من تضخيم النتائج؛ فإن موسى كان يتوقع أن يَفْرُطَ عليه فرعون، أو أن يطغى، وكان يتوقع تكذيبه إياه، إلى غير ذلك مما وطن موسى نفسه عليه؛ فكان ذلك سبباً في الاستعداد له، ومقابلة ذلك بكل ثبات وشجاعة.

ومما أخذ به موسى نَفْسَه أنه نظر في العواقب؛ فكان ذلك دافعاً له أن يقدم؛ لأن عاقبة مجابهة فرعون سيسفر عنها بيانُ حَقٍّ، وأن مصير فرعون إلى خسار وبوار؛ لأنه مفسد، والله لا يصلح عمل المفسدين.

كما أن موسى – عليه السلام – يعلم ويوقن أنه على حق، وإحسان، وأن الله – عز وجل – مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

ومن ذلك أن موسى – عليه السلام – علم أنه لا يملك عدة ولا عتاداً، وعرف قوة خصمه الذي بلغ من القوة ما بلغ، فخشي موسى من قوة فرعون، وأدرك أن قوته الظاهرة القليلة لا يمكن أن تقف أمام قوة فرعون وجبروته؛ فلما طَمْأَنه ربه – جلّ وعلا – بقوله: (لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه:46) أقدم موسى غير هياب ولا وجل، فصار قلبه مطوياً على سراج من التوكل على من بيده ملكوت كل شيء؛ فكانت عاقبة أمره رشداً وفلاحاً.

ومما أخذ به موسى – عليه السلام – لزوم التقوى، واستحضار معية الله الخاصة؛ فلقد قال له ربه – جلّ وعلا -: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (يونس: 89). وقال له: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه: 46).

فلما كان كذلك انبعث إلى قوة القلب، واطِّراح كلِّ سبب يؤدي إلى الخورِ، وتعظيمِ شأنِ الخوفِ من غير الله؛ فتقوى الله – عز وجل – هي أعظم باعث للشجاعة؛ فالمؤمنون حقاً لهم الأمن وهم مهتدون، والمرتابون يحسبون كلَّ صيحةٍ عليهم، وكلَّ مكروهٍ قاصداً إليهم.

ومن عرف ربه وقَدَرَه حق قَدْرِه، وعَظُمَ وقارُه وجلاله في قلبه – هانت عليه الدنيا، وزال عن قلبه مهابةُ الخلق، وانقلبت في حقه المخاوف أمناً كحال موسى – عليه السلام. فمن تفقه في التقوى عرف أنها الوسيلة الكبرى للعظمة الصادقة.

ومما أخذ به موسى – عليه السلام – أنه استجاب لأمر ربه لما أمره بالإكثار من ذكره -عز وجل- كما في قوله: (وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) (طه: 42).

فبذكر الله تطمئن القلوب، وتسكن النفوس، ويُغْلَبُ العدو، وتهون الصعاب، ولهذا أرشدنا الله – تبارك وتعالى – إذا لقينا العدو أن نثبت، ونكثر من ذكره – عز وجل – لما في ذكره من الطمأنينة والثبات.

قال – تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال:45).

ومن الأسباب التي أخذ بها موسى – عليه السلام – لجوؤه إلى الله، وسؤاله الإعانة كما في قوله: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (طه).

ثم ختم الدعاء بأدب جميل يعد من أعظم أسباب إجابة الدعاء؛ التي تستجلب بها الإجابة؛ حيث ختم بغرض نبيل عظيم ألا وهو قوله: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً) (طه).

فهذا بعض ما تيسر تقييده من سيرة موسى – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم -.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك