كثرة المزاح

26 يونيو، 2016 277 عدد الزوار

وهذا الأمر قريب من سابقه، فبعض الناس يغلب عليه كثرة المزاح، وربما أسفَّ فيه، ومزح مع من لايرغب في المزاح.

وهذا الأمر لاينبغي؛ فالمزاح يسقط الهيبة، ويخل بالمروءة، ويُجَرِّىءُ السفهاء، ويستجلب العداوات.

قيل في بعض منثور الحكم: “المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النارُ الحطب”.([1])

وقال بعض الحكماء: “من كثر مزاحُه زالت هيبتُه”.([2])

وقال الإمام ابن عبدالبر-رحمه الله-: “وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح؛ لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض، واستجلاب الضغائن، وإفساد الإخاء”.([3])

وقال ميمون بن مهران: “إذا كان المزاح أمام الكلام فآخره الشتم واللطام”.([4])

وقال أبو هفان:

مازِحْ صديقَك ما أحبَّ مزاحاً   وتوقَّ منه في المزاح جِماحَا
فلربما مزح الصديقُ بمزحةٍ   كانت لبابِ عداوةٍ مفتاحا([5])

 وقال ابن وكيع:

لاتمزحنَّ فإن مزحت فلا يكن   مزحاً تضافُ به إلى سوء الأدب
واحذر ممازحةً تعود عداوةً    

إن المزاحَ على مقدمة الغضب([6])

 

 ولأبي جعفر محمد بن جرير الطبري:

لي صاحبٌ ليس يخلو   لسانُه عن جراح
يجيد تمزيقَ عرضي   على سبيل المزاحي([7])

وقال مسعر بن كدام الهلالي يوصي ابنه كداماً:

إني مَنَحْتُكَ ياكدامُ نصيحتي   فاسمع لقول أبٍ عليك شفيقِ
أما المزاحةُ والمراءُ فَدَعْهُما   خُلُقَانِ لا أرضاهما لصديقِ
إني بلوتُهما فلم أحَمدْهما   لمجاورٍ جارٍ ولا لصديقِ
والجهل يزري بالفتى في قومه   وعروقُه في الناس أي عروق([8])

وقال محمد الخضر حسين: “والمروء تنادي صاحبها أن يسود مجلسه الجد والحكمة، وأن لا يلم بالمزاح إلا إلماماً مؤنساً في أحوال نادرة.

ووجه ذلك أن الذي يسرف في المزاح يكثر منه الوقوع في لغو الحديث، ولا يخلو أن تصدر منه كلمات تؤذي بعض جلسائه.

وكمال الإنسانية لا يلتقي بلغو الحديث، أو إيذاء بعض الإخوان في مجلس”.([9])

والمقصود أن المزاح لا ينبغي الإكثار منه، ولا الإسفاف فيه.

أما ماعدا ذلك فيحسن؛ لما فيه من إيناس الجليس، وإزالة الوحشة، ونفي السآمة.

وإنما المزاح في الكلام كالملح في الطعام إن عُدِمَ أو زاد على الحد فهو مذموم.

أَفِدْ طَبْعَكَ المكدودَ بالجد راحةً   يَجِمَّ وعَلِّلْه بشيء من المزحِ
ولكن إذا أعطيتَه المزحَ فليكن   بمقدار ماتعطي الطعامَ من الملحِ([10])

 


([1]) أدب الدنيا والدين ص310.

([2]) أدب الدنيا والدين ص310.

([3]) بهجة المجالس2/569.

([4]) الآداب الشرعية لابن مفلح2/223.

([5]) بهجة المجالس2/570.

([6]) بهجة المجالس2/270.

([7]) بهجة المجالس2/270-271.

([8]) بهجة المجالس2/430-431.

([9]) رسائل الإصلاح1/212.

([10]) أدب الدنيا والدين ص311.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك