كأنه والد

31 أكتوبر، 2016 427 عدد الزوار

قرأت بيتاً للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي ضمن قصيدة في مدح أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب – رضي الله عليه – يقول فيه:

ولم يكن أحدٌ يلهيه عن أحد   كأنه والد والناس أطفال

فلفت نظري شطرُ البيتِ الثاني؛ لأن فيه إشارةً إلى معنى عظيم كبير، ألا وهو معنى الأُبُوَّة؛ فبعض الناس يمتلك شعوراً بالأبوة؛ حيث تراه يَحْدِبُ على إخوانه، وأصدقائه، وزملائه، ويسعى في مصالحهم، ويحمل همومهم دون أن يُحَمِّلَهُمْ أدنى شيء من أمره. وربما لاقى منهم ما لاقى من جهل وكنود.

وهذه الخصلة يهبها الله لمن يشاء من عباده، وقد توهب – في الغالب – للكبير من الإخوة؛ حيث يكون هو المسؤولَ الأول بعد والده من جهة رعايتِه إخوانَه، وتحملِ مسؤولية المنزل؛ فيعتاد المروءة ناشئاً، فتهون عليه كهلاً.

ولا يلزم أن يقتصر ذلك المعنى على الكبار، بل قد يمتلك تلك الخصلة أوسطَ الإخوةِ أو أصغرَهم.

وأعرف رجلاً هو أصغر إخوانه، وقد لا يلام لو كان ذا نفس صغيرة، أو كان ذا دلال، أو كثرة طلبات. ومع ذلك فهو أكبرُ إخوانه نفساً، وأشرفُهم همة، وأكثرهم تحملاً للمسؤولية؛ فلا يكاد إخوانه – وهم كثر – يعرفون إلا القليل من شؤون المنزل، أو رعاية الوالدين.

أما صاحبنا فهو يقوم بذلك بكل جدارة وأريحية؛ فهو الذي يتولى جميع ما يحتاجه والداه من نحو العلاج، أو السفر، أو الرعاية عموماً، ويتولى شؤون مزرعة والده.

بل ويقوم – مع ذلك – بكثيرٍ مِنْ حاجات مَنْ يكبره مِنْ إخوانه، إضافة إلى قيامه بشأن زوجته وأولاده و(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة: 54) والمعونة على قدر المؤونة.

وأعرف معلماً قديراً أمضى ما يزيد على عشرين سنة في التعليم، وهذا المعلم ذو نفس كريمة كبيرة، وذو تَدَفّعٍ في الخدمة، وأريحيةٍ في تقديم المساعدة؛ حيث يقوم بالمبادرات الكثيرة الكبيرة لزملائه وطلابِه وغيرهم دون مِنَّةٍ أو تباطؤ.

بل إن أحد زملائه الأفاضل يحدثني أن بعض الزملاء ممن يصغرون ذلك المعلم بمراحل – يوصونه بالقيام ببعض الأعمال، أو يكلفونه ببعض المهمات، أو هو يبادر إلى ذلك من تلقاء نفسه دون طلبهم؛ فيقوم بذلك، وهو مسرور القلب، قرير العين.

بل إنهم من شدة دَالَتِهم عليه ربما عاتبوه إذا رأوه مشتغلاً بأموره الخاصة عن خدمتهم، وإنجاز أعمالهم الخاصة بهم؛ فلا يتبرم من ذلك، بل يعتذر إليهم، وكأنه مذنب، ولسان حاله:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .   وتذنبون فنأتيكم ونعتذر

وهذا الضرب من الناس نادر قليل، ولكنهم _بحق_ من زينة الحياة الدنيا، وممن يضفون عليها جانباً من الرونق، والروعة، والجلال، والجمال.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك