قلة المراعاة لمشاعر الآخرين

26 يونيو، 2016 269 عدد الزوار

فمن الناس من هو غليظ الطبع، كثيف النفس، صفيق الوجه، لايحجزه عن المباذل يقين، ولاتلزمه المكارم مروءة، لايراعي مشاعر الآخرين، ولا يأنف من مواجهتهم بما يكرهون.

فإذا ماحضر مجلساً، وابتدر الكلام، وضعت يدك على قلبك؛ خشيت أن يزل أو يفرط على أحد من الحاضرين.

فإذا ماوجد مجالاً يشبع فيه طبيعته النزقة الجهول-هام على وجهه، لاينتهي له صياح، ولاتنحبس له شِرَّة.

فتارة يذكر الحاضرين بعيوبهم، وتارة يؤذيهم بلحن منطقه، وتارة يذكرهم بأمور يسوؤهم تذكرها.

“أكب رجل من بني مرة على مالك بن أسماء يحدثه في يوم صيف، ويُغِمّه، ويثقل عليه، ثم قال: أتدري من قتلنا منكم في الجاهلية؟.

قال: لا، ولكني أعرف من قتلتم منا في الإسلام.

و قال: من هم؟

قال: أنا قتلتني اليوم بطول حديثك، وكثر ة فضولك”.([1])

وقال ابن القيم -رحمه الله-: “ومنهم من مخالطته حمى الروح، وهو الثقيل البغيض العقل، الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولايعرف نفسه فيضعها في منزلتها.

بل إن تكلم فكلامه كالعصى تنزل على قلوب السامعين مع إعجابه بكلامه وفرحه به؛ فهو يحدث من فيه كلما تحدث، ويظن أنه مسك يطيب به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرّحا العظيمة، التي لايطاق حمله ولاجرها على الأرض.

ويذكر عن الشافعي-رحمه الله- أنه قال: ماجلس إليّ ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر.

ورأيت يوماً عند شيخنا([2])-قدس الله روحه-رجلاً من هذا الضرب، والشيخ يحمله وقد ضعفت القوى عن حمله، فالتفت إليّ وقال: مجالسة الثقيل حمى الربع، ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى، فصارت لها عادة، أو كما قال”.([3])

ولهذا فالرجل النبيل، ذو المروءة والأدب هو من يراعي مشاعر الآخرين، فلا يؤذيهم بكلمة، ولايجرح مشاعرهم بإشارة أو نحوها، بل يحفظ عليهم كرامتهم وماء وجوههم.

خالق الناس بِخُلْقٍ حَسَنٍ   لا تكن كلباً على الناس يَهِرْ([4])
 

“قال بعضهم: صحبت الربيع بن خيثم عشرين عاماً ماسمعت منه كلمة تعاب”.([5])


([1]) عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة لأبي الحسين علي ابن عبد الرحمن بن هذيل ص192.

([2]) يعني شيخه ابن تيمية.

([3]) بدائع الفوائد لابن القيم2/274-275.

([4]) بهجة المجالس2/298.

([5]) سير أعلام النبلاء4/259.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك