فقدان المودة والصفاء، وشيوع الكراهية والبغضاء

26 يونيو، 2016 536 عدد الزوار

فالمجالس التي تجمع الناس، ويكثر أهلها من ارتيادها والاختلاف إليها-يُفْتَرض فيها أن تكون مجالس خير وبركة، وأنس ومودة، تسودها الألفة والإخاء، ويرفرف في أفياءها الصفاء والنقاء، ويجد فيها المرء فيها فرحه وسروره، ويطرح في ساحها همومه وأنكاده وغمومه.

إلا أن المتأمل لكثيرٍ من المجالس لا يجد إلا عكس ما مضى؛ فيكثر فيه الخلاف، ويغلب على مرتاديها سوء الظن، وتشيع فيما بينهم العداوة والبغضاء، ويكثر فيهم الحسد والبغي والاستطالة.

فإذا رأيت أصحابها ظننتهم إخوة متآلفين من كثرة ما يلقى بعضهم بعضاً.

وإذا كشفت عن سالفتهم، وتبَيَّنْتَ حقيقة أمرهم-وجدت قلوباً متنافرة، وضلوعاً على الضغينة مَحْنيَّة؛ فالواحد منهم يحذر جلسائه، ويتحفظ منهم أشد التحفظ، فإذا قال كلمة خشي من تكذيبهم له، أو سخريتهم به، وإذا همَّ بالقيام من المجلس خاف من لمزهم وغيبتهم له بعد فراقه المجلس.

 قال الخطابي-رحمه الله-: “قال بعض الناس: إني لا أُشَبِّه أهل هذا الزمان إذا رأيتهم قد تلاقوا في المحافل، وتدانوا في المجالس، وتحالَّتْ([1]) بهم الرُّكبُ-إلا بقوم تصافُّوا مستعدين لمحاربة أعدائهم، وتضافروا مُتَأَهِّبين لمناصبة أقرانهم، فشهدوا مركز اللقاء بسيوف مشهورة، وأَسِنَّة مطرورة([2])، وقِسِيٍّ مُوَتَّرةٍ([3])، وسهام مُفَوَّقَةٍ([4])؛ فتطاعنوا ضرباً بسيوفهم، ودعساً([5])، برماحهم، وتراشقوا خَصْلاً([6])سهامهم، حتى انْفَلَّت سيوفهم، وكَلَّت أيديهم، ونتلت كنائنهم([7])عن آخر أهزع([8])؛ فأجْلَت المعركة بينهم عن قتيل تشخب أوداجُه، وجريح يفيح عانده([9])، ومُرْتَثٍّ([10])لانهوض به، ومُثْخَنٍ ينوء على ضِلعِه.

فذلك الوجه والمثال فيما شبهته لك من صنيع أهل هذا الزمان إذا ضمتهم المجالس، ولَفَّتْهم الملاقي والمجامعُ؛ فتصور الآن قلوبهم، وماتَجُنُّه ضمائرهم من الغل والحسد، وماتحني عليه ضلوعهم من الإحن والضغائن قِسيّاً موترة، وألسنتهم وما يرْمون به من القول سهاماً مفوقة.

نصبوا أعراض الناس أغراضاً، وافترضوا بها افتراضاً؛ فهم إذا تأملتهم وجدتهم على طبقاتٍ شتى، منهم ذو القحة([11]) الذي يكاشف بالشتم الصريح مكاشفةً، ويجاهر باللفظ القبيح مجاهرة ومعالنة([12])، ومنهم من يعرض بالأذى ويَكْني ويُمرّض([13]) القول به ويورِّى، ومنهم من يؤذي صاحبه بالمسارَّةِ والنجوى والمباثة والشكوى، ومنهم من يشجو أخاه بغمز العينين، وزَيِّ([14]) الحاجبين، ورمز الشفتين([15])، وكرف العرنين([16]).

وأسلمهم جانباً من لايعاجل بالسوء معاجلة، ولا يؤاخذ بالذنب بغتةً، لكن يحصي الأنفاس، ويعد الحروف والألفاظ، ويحفظها ليوم حاجته، وأوان فرصته، فَيُبَكِّت بها، ويُعَيِّر ويطنب فيها أو يُقصّر على شاكلة قول الشاعر:

احذر مودةَ ماذِقٍ([17])    

شاب المرارةَ بالحلاوهْ
 

يحصي العيوب عليك أي   يَام الصداقة للعداوهْ([18])

 


([1]) تحالت: نزلت.

([2]) مطرورة: ذات طرة وهيئة حسنة.

([3]) موترة: مشدودة، وتر القوس أي شد وترها.

([4]) مفوقة: أي وضعت في الوتر؛ ليرمى بها.

([5]) دعسا: طعناً.

([6]) خصلاً: خصل السهم: أي وقع بلزق الهدف.

([7]) كنائنهم: جمع كنانة وهي جعبة السهام.

([8]) أهزع: الأهزع السهم الذي يبقى في أسفل.

([9]) يفيح عانده: يفيح أي ينتصب، والعاند الجرح الذي لا يسيل ولا يجف.

([10]) المرتث: الصريع الذي يثخن في الحرب وبه رمق ثم يموت.

([11]) ذو القحة: قليل الحياء.

([12]) معالنة: المجاهرة.

([13]) يمرض القول: يوهنه.

([14]) زي الجبين: جمعه وقبضه.

([15]) رمز الشفتين: الإشارة والإيماء بهما.

([16]) كرف العرنين: شمه.

([17]) الماذق: من المماذقة في الود وهي ضد المخالصة.

([18]) العزلة للخطابي ص193-194.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك