سماحةٌ نادرة

6 نوفمبر، 2018 224 عدد الزوار

السماحة في البيع والشراء، والتجارة، والمعاملات عموماً – خصلةٌ حميدة، وشعبةٌ إيمانيةٌ، ومروءةٌ ضافية.
والناس يتفاوتون في سماحتهم تفاوتَهم في المعاني السالفة الذكر.
والحديث ههنا عن سماحةٍ نادرةٍ عجيبةٍ قَلَّ نظيرُها.
وهي لإنسانٍ معاصرٍ توفي عام 1421هـ عن عمرٍ يناهز الخامسة والتسعين، ألا وهو عبدالعزيز بن محمد بن سلامة السلامة من أهالي الزلفي.
يحدثني ابنه الأستاذ عبدالمحسن في يوم الخميس 2 / 2 / 1440هـ قائلاً: كان أبي- رحمه الله – من عامة الناس، ومن متوسطي الحال.
وكان في مقتبل عمره – كغيره من معاصريه – يسافر، ويتقلب في البلاد؛ لطلب الرزق.
وكان من ضمن ذلك اشتغاله جَمَّالاً في طريق الأحساء – الرياض ينقل التمر، والعيش من الأحساء إلى الرياض على الجِمَال.
وكان ربما أقرض بعض من يعرف، أو وضع بعض ما يحصل عليه من مال عند أحد معارفه؛ لينمِّيه له.
وكان عنده دفتر فيه أسماء من له عندهم ديون.
وفي يومٍ من الأيام بعد أن كبرت سنُّه أمرنا بإحضار ذلك الدفتر، وقال لنا: اقرؤوا عليَّ أسماء من أريد منهم مالاً، فقرأنا عليه، وصار كلما قرأنا عليه شيئاً يقول: اطمس على اسمه؛ لقد سامحته، وهو في حلٍّ مني، إلى أن انتهينا، فقال: أحرقوا هذا الدفتر، فأحرقناه.
وكان من ضمن معارف والدي، وممن يقرضهم، وله عنده بعض المال رجلٌ ليس من أهل الزلفي، وإنما كان يعرفه لما كان يعمل في الأحساء.
واسم ذلك الرجل بندر أبو لسان، ولا نعرف عنه إلا اسمه، وأن له زوجة تعمل في بيع بعض الأشياء اليسيرة.
وكان والدي قد وضع بضاعةً عند زوجة ذلك الرجل؛ كي تبيعها، ثم لم يَعُدْ لهم بعد ذلك.
ويواصل الأستاذ عبدالمحسن السلامة حديثه قائلاً: “وفي حدود عام 1409هـ قابلت عبدالرحمن الغنام من كبار السن من أهل الزلفي، وممن يسافر إلى الكويت وغيرها، فقال لي- رحمه الله -: لقد قابلت أولاداً لبندر أبو لسان، وسألوني عن والدك، وقالوا: إننا منذ مدة طويلة، ونحن نبحث عنه.
فقلت له: وماذا يريدون؟
فقال: إنهم يقولون: إن لعبدالعزيز السلامة مالاً عند والدتنا، وقد نمَّته، فَكَثُر، وتنوَّع، فصار منه الغنم، والإبل، ثم انتقلوا إلى الكويت؛ فصارت تنمي ذلك المال في العقار، فأصبح لوالدك أموالٌ، وماشيةٌ، وعقاراتٌ من جراء ذلك، وهم سألوني عن والدك؛ ليعطوه حقه.
فقلت لعبدالرحمن الغنام: سوف أذهب إلى والدي، وأخبره بذلك، وأَرُدُّ عليك.
فجئتُ إلى والدي، وأبلغته بالخبر.
فما كان من والدي إلا أن قال لي: ” قُلْ لعبدالرحمن الغنام: قُلْ لهم: إنني سلمت والدتهم مالاً يسيراً لا يستحق الذكر، وأنا قد سامحت من لي مبالغ مالية عنده، وهذا المال الذي نمَّته هو تعبها، وعرق جبينها، ونتيجة جهدها؛ فليس لي فيه شيء، ولا أريد منه شيئاً”.
ثم التفت إلينا، وقال: “إياكم أن تأخذوا منها شيئاً”.
فما كان منا إلا أن قلنا له: سمعاً وطاعةً؛ فهذا مالك، وأنت تتصرف فيه كما تشاء”.
يقول الأستاذ عبدالمحسن: “ولا أدري هل أخبر عبدالرحمن الغنام أبناء أبو لسان بذلك أو لم يخبرهم.
ولكن المهم عندنا أن المال لم يعد يعنينا بشيء منذ أن قال والدي ما قال”.
فهذه حادثة غريبة تريناً وجهاً من وجوه الحياة المشرقة، ولوناً من ألوان السماحة، والتكرم، والإيثار، وتذكِّرنا بحديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فدعوا بصالح أعمالهم، وكان منهم من نمى المال لصاحب له.
فكانت تلك المرأة مثالاً للوفاء، والأمانة، والصدق.
وكان صاحبنا عبدالعزيز السلامة- رحمه الله – مثالاً أروعَ في التكرم، وسخاوة النفس، وإيثار الآجل على العاجل.

التعليقات

د محمد رمضان 7 نوفمبر، 2018

ما شاء الله
قصة ترفع الهمة فى التسامح و الترفع عن الدنيا
جزاك الله خيرا على النقل و نسال الله ان يصلح فساد قلوبنا ولا يجعل الدنيا اكبر همنا

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك