سرعة الجواب

26 يونيو، 2016 307 عدد الزوار

فمن العيوب التي تنافي أدب المحادثة أن يتعجل المرء الجواب، فيجيبَ دون أن ينهي السائل كلامه، أو يجيب على سؤال لم يُوَجَّهْ إليه مباشرة، بل طرح في مكان عام دون أن يوجه إلى أحد بعينه.

وأقبح مافي هذا أن يجيب المرء عن سؤال وُجِّهَ إلى غيره.

فهذا كله منافٍ لأدب المحادثة، ودليل على الخِفَّة والطيش، وهو من العجلة المذمومة، التي تزري بصاحبها، وتحط من شأنه، وتورثه الزلل والندم.

قال عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله-: “خصلتان لاتَعْدَمَانك من الجاهل: كثرة الالتفات، وسرعة الجواب”.([1])

وقال ابن المقفع: “وإذا لم يقصد السائل في المسألة لرجلٍ واحد، وعم بها جماعة من عنده-فلا تبادرن بالجواب، ولاتسابق الجلساء، ولاتواثب([2]) بالكلام مواثبةً؛ فإن ذلك يجمع مع شين التكلف والخفة أنك إذا سيقت القوم إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء، فَتَعَقَّبُوه بالعيب والطعن.

وإذا أنت لم تعجل بالجواب، وخليته للقوم-اعترضْت([3]) أقاويلهم على عينك، ثم تدَبَّرْتَهَا وفكرت فيما عندك، ثم هيَّأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جواباً رضيَّاً، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخ إليك الأسماع، ويهدأ عندك الخصوم.

وإذا لم يبلغك الكلام حتى يكتفي بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك-فلا يكون من العيب عندك، ولا من الغبن في نفسك فوتُ مافاتك من الجواب؛ فإن صيانة القول خيرٌ من سوء وضعه، وإن كلمةً واحدةً من الصواب تصيب موضعها خيرٌ من مائة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها.

مع أنَّ كلامَ العجلةِ والبدارِ موكلٌ به الزلل، وسوء التقدير، وإِنْ ظَنَّ صاحبهُ أَنْ قد أتقن وأحكم.

واعلم أن هذه الأمور لاتدرك، فلا تملك إلا بِرُحب الذرع([4]) عندما قيل ومالم يقال، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة ومالم يظهر، وسخاوة النفس عن كثيرٍ من الصواب مخافة الخلاف، والعجلة، والحسد، والمراء”.([5])

([1]) عيون الأخبار2/39.

([2]) لا تواثب: المواثبة التسرع وترك التروي.

([3]) عترضت أقاويلهم على عينك: أي تأملتها، وترويت في فهم أبعادها، وخلصت بذلك إلى حسن الإجابة.

([4]) رحب الذرع: سعة العلم، وسعة الأفق، وقوة التبصر.

([5]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص122-123.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك