دمعة على الشيخ بكر أبو زيد

12 يناير، 2017 317 عدد الزوار

كنت في مكة يومَ السابع والعشرين من شهر الله المحرم عام 1429هـ.

وقبيل صلاة العصر من ذلك اليوم وصلتني رسالة جوالية من فضيلة الشيخ القاضي العالم سليمان بن عبدالله الماجد -حفظه الله- تفيد أن صاحب المعالي الشيخ العلامة الدكتور بكر أبو زيد قد توفي؛ فاتصلت على الشيخ سليمان؛ لأتأكد من الخبر، فأكده لي، ثم انهالت بعد ذلك الرسائل، والاتصالات تعزي بالشيخ.

حينها استرجعت، وترحمت على شيخنا المبارك، وطافت بي الذكريات التي ارتسمت في ذهني مما جرى بيني وبين الشيخ من اللقاءات الجميلة، والليالي السعيدة التي قُدِّر قضاؤها معه على الود، والصفاء، والعلم، والأدب، والنادرة اللطيفة، والفائدة البديعة، والمسامرة الماتعة؛ فلقد كان (حلو المجالسة، حسن المحاضرة، سريع البديهة، حاضر النكتة، يَسْبِيْكَ في حديثه، ويأخذ بمجامع قلبك.

ولا تكاد تفتح باباً من أبواب الحديث في العلم، أو الأدب، أو المروءات، أو الحياة العامة إلا ويتهدَّر كالبحر إذا اضطرب.

وقد يَسْتَغْرِبُ ذلك بعضُ من لا يعرف الشيخ عن قرب؛ لأنه قد لا ينطلق كثيراً مع من لا يعرفه.

ولكنه إذا عرف أحداً، ووثق بمودته، أو كان في مجلسِ مَنْ يأنس بهم ويأنسون به – رأيت إنساناً آخر قد لا يخطر بالبال؛ من حيث السهولة، والدماثة، والتواضع، والرقة، والسماحة، وصدق العاطفة، وحسن الحديث والاستماع.

ولقد يسَّر الله لي التعرف على معاليه قبل سنوات من وفاته، وحصل من جَرَّاء ذلك لقاءات كثيرة من غير الاتصالات الهاتفية المستمرة، وتشرفت بزيارته في منزله في الرياض والطائف مراراً، وتكرم بزيارتي في منزلي في الزلفي مرتين، ووعدني بزيارات أخرى، ولما قلت له في آخر زيارة عام 1417هـ إن المشايخ وأهل العلم يعتبون علي؛ لعدم علمهم بزيارتك – وعدني بزيارة قادمة لهم، ولكن حال الجريض دون القريض؛ حيث أصيب بمرضه الذي عانى منه طويلاً؛ فأسلمه إلى المنية.

ومما أذكره ويحضرني الآن مما جرى في تلك اللقاءات أنه في يوم من الأيام أراد المجيء إلى الزلفي، وكنت في الرياض؛ فصحبته وكان في صحبته جاره الشيخ الدكتور عبدالوهاب الطريري -حفظه الله- وكان ذلك على سيارة الشيخ بكر، فطلبت منه أن يسمح لي بقيادة السيارة، فأبى، فقلت له: لا يليق بي أن أكون راكباً، وأنت على جلالة قدرك تقودها؛ فأبى، وواصل السير حتى وصلنا الزلفي، وقد انقضى ذلك الطريق الذي يبلغ 280كم دون أن نشعر بالمسافة.

وفي يوم الأربعاء 6/2/1417هـ تكرم فضيلته بزيارتي في منزلي، فألقيت بين يديه تحية فطيرة مرتجلة قلت فيها:

أقبل البِشْرُ والسرورُ أطلاَّ

 

كابتسام الصباح لما تجلى

شَعَّ في أرضنا ضياءٌ موشّى

 

من عبير العلوم ورداً وفُلا

يا قدوماً مباركاً من عظيمٍ

 

أرقص الكونَ فرحةً حين حَلا

ما رأى الدهرُ مثلك اليوم حبراً

 

في ذراع الزمان أصبحت نصلا

أنت للناس روضة ونمير

 

فإذا النفس أجدبت كنت وبلا

أنت في ساحة البيان إمام

 

فهنيئاً لمن وراءك صلّى

فلكم في البَيَان درّ نضيد

 

ولكم في العلوم قِدح مُعلّى

يا أبا عبدالله في القلب ودٌّ

 

كان كالشَّهْدِ فاغتدى منه أحلى

قد كتمنا الغرام دهراً فلما

 

برَّح الشوقُ لم نُطِقْ منه حِمْلا

فاعذر الحرف حين يبدو رويّاً

 

ناحل الجسم فالهوى منه أعلى

لم يخن عهده القصيد ولكن

 

كنت أعلى من القصيد محلا

كلما طرّز اليراع حروفاً

 

ردّدَ الطِّرْسُ فيك أهلاً وسهلا

وكلما انتهيت من بيت ردد آخر كلمة منه، ولعله أراد أن يفرحني، وإن لم يكن لتلك الأبيات رونق البلاغة.

وفي يوم من الأيام زرته في الطائف مع بعض الإخوة في منزله، وكان مما دار من الحديث أن طلبنا منه إلقاء محاضرة في الزلفي، فاعتذر، وقال: (أنا لم يفتح علي في باب الدروس والمحاضرات، ومن فتح عليه ذلك فهو على خير عظيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).

وفي منتصف ربيع الثاني من عام 1420هـ كنت في الطائف، فاتصلت به، وقلت له: هل أنت في الطائف؟ قال: نعم، فقلت: أنا في الطائف وأريد أن أقبل الحجر الأسود قبل مغادرتي -وأعني بذلك رأسه-.

فضحك   كثيراً، وقال: أين أنت؟ فقلت: بل أين أنت؟

فقال: لا، أنا سآتيك، أنا في المنزل وحدي، وسآخذ عشاءً، وآتيك، ونذهب إلى أحد الأماكن نجلس فيه، فجاء، وذهبنا إلى مكان واسع قرب مصلى العيد في الطائف، وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث حتى منتصف الليل دون شعور بالوقت، حيث كان الحديث عفوياً ماتعاً؛ فانظر إلى هذا التواضع الجم.

وكان أغلب الحديث عن سماحة الشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز- رحمه الله- حيث كان الشيخ بكر يُجِلُّهُ كثيراً، ولا يَمَلُّ الحديثَ عنه.

وكان يقول: (إن من أسعد أيام عمري تلك الأيام التي قضيتها في المدينة قرب سماحة الشيخ عبدالعزيز عام 1384هـ، حيث استفدت منه كثيراً).

وكان يقول: (سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز مفتي الدنيا، وشيخ الإسلام).

ويقول عنه: (إنه إذا كان الشيخ في مجلس هيئة كبار العلماء كنا نتكلم فيما بيننا والشيخ مطرقٌ رأسه؛ فإذا رفع رأسه أطرقنا رؤوسنا؛ هيبة له).

وقد قلت للشيخ بكر في يوم من الأيام بعد وفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز: إنني سمعت أن بعض أهل العلم زاروك وأنت في الطائف، فألححت عليهم بالغداء أو العشاء، فاعتذروا فلم تقبل عذرهم، وقلت لهم: لما كان الشيخ عبدالعزيز بن باز حياً كنا نقبل الأعذار؛ لأن مكانه مكان الجميع، أما الآن فلا؛ فهل هذا الكلام صحيح؟ فقال الشيخ بكر: (نعم هذا صحيح).

وكان – رحمه الله- كثيراً ما يذكر حبه للمدينة، ويذكر أول مرة ذهب إليها، وأنه كان -على ما أظن- عام 1378هـ، ويذكر كيف رجع إليها مرة أخرى، وكيف كان يتردد إليها مراراً.

وكان كثيراً ما يذكر شيخه العلامة محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله- ويترحم عليه، ويذكر أخباره.

وذكر لي مرة أنه لما كان في المدينة كان هناك عالم أظنه قال اسمه: فلان الطرابلسي، ويذكر أنه كان بحراً في علوم شتى، وأنه يجيد أربعة عشر فناً من فنون العلم بالتخصص، ومن بينها علم الموسيقى.

يقول الشيخ بكر: (وقد كانت نَفْسُ ذلك العالم لا تُصاد بسهولة؛ لكبر سنه، ولظروف مرت به؛ فكنت أتحيَّن دخوله الحرم من أحد الأبواب، فإذا جلس جلست إليه، فإذا انطلق معي بدأت أسأله، وأفيد منه، وإذا رأيت مزاجه متكدراً مضيت عنه).

وكان -الشيخ بكر- كثيراً ما يذكر بالخير والإجلال المشايخ الثلاثة: العلامة التونسي محمد الخضر حسين 1377هـ، والعلامة التونسي محمد الطاهر ابن عاشور 1394هـ، والعلامة الجزائري محمد البشير الإبراهيمي 1385هـ -رحمهم الله-.

وكان يقول: (ما أفدت من أحد في البيان كفائدتي من هؤلاء).

ومما كان يجري بيني وبينه: الحديث عن الكتب والمؤلفات؛ فكان يهدي إلي مؤلفاته، وأرسل إليه ما أكتب، وأستشيره في ذلك.

وأذكر أنني أهديته كتاب (أخطاء في أدب المحادثة والمجالسة) فقال لي: (لقد قرأته، وأعجبني، وتطبيقه يحتاج إلى إيمان).

وقال لي: (كنت أريد أن أكتب في هذا الشأن، وأزيد عليه الأخطاء في باب الزيارة، ولكني عدلت عن ذلك لما رأيت كتابك؛ فلعلك تضيف الزيارة).

فقلت: هي على بالي، وهممت بالكتابة في ذلك، ولكن خشيت ألا يزورني بعدها أحد؛ فابتسم الشيخ ).

وأذكر أنني كتبت كتاباً عن المعلمين، فاحترت في تسميته، واستشرته، وبعد أيام قال لي: سَمِّه (مع المعلمين) فسميته بذلك، وقلت له مداعباً: هذا على وزن البرنامج الإذاعي القديم (مع الفدائيين).

وكذلك كتاب (التوبة وظيفة العمر) ارتضى هذه التسمية وأعجبته، وكان يتمنى أن يُؤَلَّف عن التوبة بالتدريج، وما يدخل تحت ذلك من أفراد كثيرة.

وبعد: فهذه لُمَعٌ يسيرة من أخبار الشيخ بكر، وهناك الكثير مما لم يذكر، ولعل الله ييسر لذلك فرصة أوسع؛ لأن قامةً عاليةً، وقمة سامقة كالشيخ بكر لا يفي بحقها الحديثُ المقتضب؛ فهو عالم جليل، وأمير من أمراء البيان في هذا العصر الذي قَلَّت فيه الكتابات الرصينة؛ فلقد كان  (كاتباً متمكناً، موسوعياً يستجمع قواه العلمية عند الكتابة، فترى الشمول، والقوة، والجزالة في كتاباته.

وفي نهاية هذه الكلمة العجلى أشير إلى أن هناك من يرى أن انقباض الشيخ عن الناس، وبعده عن الأضواء هو المنهج الرشيد، والمسلك السديد.

كما أن هناك من يرى أن الشيخ لو تصدى للناس، وأقبل عليهم لكان ذلك أدعى لعموم نفعه، وأكثر شحذاً لقريحته؛ إذ الناس بحاجة إلى أمثاله من ذوي العلم والبصيرة.

والحقيقة أن الجمع بين الأقوال هو الأولى؛ فالشيخ لم يكن غائباً عن الأمة، وما تحتاج إليه، بل كان حاضراً بكتاباته التي تعالج كثيراً من القضايا العامة المهمة.

أما قلة مخالطته للناس، وإيثاره البعدَ عن الأضواء فلأنه يرى أن ذلك أنسب لحاله، وقد يكون ذلك هو السببَ في كثرة إنتاجه؛ إذ لو تصدى للناس لربما قل نصيبه من التأليف.

ومع ذلك فإن الشيخ لا يُثَرِّب على من تصدى للناس، بل يرى أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء -كما مر-.

بل إنه من أشد المحبين، والمعجبين بسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز.

ولا يخفى أن الشيخ ابن باز كان أكثر علماء عصره تصدياً للناس، وقياماً بالشؤون العامة والخاصة.

وختاماً أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر للشيخ بكر، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم لأمته، وأن يخلف علينا خيراً إنه سميع قريب.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك