تناجي الاثنين دون الواحد

26 يونيو، 2016 270 عدد الزوار

فليس من الأدب إذا ضم مجلس ثلاثة أن يتهامس اثنان دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه، ويوحشه، ويجرح شعوره، ويصيبه بالضيق من جَرَّاء جلوسه ساكتاً وحده.

وقد تخالجه الرِّيَبُ، وتساوره الظنون، فيظن أنهما ينهشان في عرضه، أو يحطان من قدره، أو يكيدان له مكيدة، فيقوم من المجلس مُوْغَرَ الصدر، محزون القلب.

فللإبقاء على المودة، والمحافظة على الألفة مُنَعَت مناجاة الاثنين دون الثالث إلا أن يستأذناه فيأذن، فلا حرج إذاً؛ لأن المنعَ حَقُّه، فيستباح بإذنه.

وكذلك الحكم لو تناجى ثلاثة دون رابع، أو أربعة من دون خامس، أو خمسة من دون سادس أو أكثر من ذلك؛ لتحقق علة النهي في ذلك كله.

بل العلة هنا أشد تحققاً؛ فإن انفراد جَمْعٍ بالمناجاة من دون واحد أشدُّ إيغاراً لصدره؛ فبدل أن يكون النفور من شخصين يكون من أكثر؛ فالأمر إذاً أعظم، فكان بالمنع أجدر.

ويقاس على ذلك ما إذا كان الحديث بين اثنين دون الثالث بِلُغَةٍ لا يفهمها الثالث.([1])

خصوصاً إذا كان الاثنان يستطيعان الكلام بلغة يفهمها الثالث.

عن ابن مسعود-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: “إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ أجل إن ذلك يحزنه”.([2])

قال ابن حجر-رحمه الله-: “قال الخطابي: وإنما قال: يحزنه؛ لأنه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه، أو لدسيسة غائلة له”.([3])

وقال ابن حجر: “وقد نقل ابن بطال عن أشهب عن مالك قال: لا يتناجى ثلاثة دون واحد، ولا عشرة؛ لأنه قد نُهي أن يترك واحداً.

قال ابن بطال: وهذا مستنبط من حديث الباب؛ لأن المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين للواحد.

قال: وهذا من حسن الأدب لئلا يتقاطعوا”.([4])

قال ابن حجر: “قال المازري ومن تبعه: لا فرق في المعنى بين الاثنين والجماعة؛ لوجود المعنى في حق الواحد.

زاد القرطبي: بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد؛ فليكن المنع أولى.

وإنما خص الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى، فمهما وجد المعنى فيه ألحق به في الحكم”.([5])

 

([1]) انظر الأدب النبوي لمحمد الخولي ص176-177، وأدب المسلم لمحمد مبيض ص54.

([2]) رواه البخاري7/142.

([3]) فتح الباري11/86.

([4]) فتح الباري11/86.

([5]) فتح الباري11/86.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك