برود المعاني

12 يناير، 2017 500 عدد الزوار

قبل سنوات زارني طبيب من إحدى البلاد العربية، وكان يعمل في أحد المستشفيات، وقد كان على النصرانية ودخل في الإسلام حديثاً، وكان عمره آنذاك يزيد على الأربعين سنة.

ولاحظت فيه فرحاً، ورِقَّةً، واستشعاراً لعظمة الإسلام، وقناعةً تامة بما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم-.

وكانت لديه مشكلة في علم والديه الكبيرين، وأصحابه الذين يعرفونه؛ فكان يخشى أن يتكدر والداه إذا علما بإسلامه؛ لذا صار متردداً في إخبارهم بذلك، فكان يخفي إسلامه.

وترتب عليه أن هُوِيَّته كانت نصرانية، وكان يرغب في أن تُعَدَّل إلى الإسلام.

كل ذلك من أجل أن يدخل مكة، ويؤدي الحج والعمرة.

وقد دار بيني وبينه حديث طويل حول هذا الشأن، فكان إذا جاء ذكر مكة، والكعبة فاضت عيناه بالدمع، وصار يُرَدِّد: هل يعقل أنني سأذهب إلى مكة؟ وهل أتصور أنني سأرى الكعبة وأطوف حولها؟ هل سيتم ذلك لي؟

حتى إن وجهه ليحمر من شدة ما يعتصره من حرقة، ويحدوه من أمل.

تعجبت من هذا الشعور، وكيف كانت معاني الإسلام، والمشاعر المقدسة حارَّة فوارة في حِسِّه في الوقت التي بردت فيه تلك المعاني عند كثير من المسلمين.

وبعدها بسنوات قابلت بعض المسلمين من فرنسا، وألمانيا، ورأيت عندهم ما يزيد على ما عند صاحبنا الأول من حرارة الأشواق، وصدق المشاعر، وحضور معاني الإسلام، وقوة الاعتزاز به.

بل لقد قابلت قبل تلك المواقف بسنوات في شهر رمضان 1411هـ في الحرم المكي رجلاً أمريكياً يقول: إنه يعمل في إحدى وكالات الأنباء العالمية، قابلته في صحن الحرم، وكان الوقت بعد العصر، ودار الحديث معه في جمع من الإخوة، وكان لا يركز كثيراً في الحديث، بل كان بصره مشدوداً إلى الكعبة لا يكاد يلتفت عنها يمنة أو يسرة.

فلما قال له أحد الحاضرين: ماذا تصنع؟ ما الذي يشدك إلى الكعبة؟

قال: لا أستطيع وصف هذا الشعور، ولو أن الأمريكان جاؤوا إلى هذا المكان، ورأوا الكعبة مباشرة، وما يكسوها من الجلال والروعة – لربما أسلموا دون دعوة.

والأمثلة على ما ذُكِرَ كثيرة جداً، وعند غيري خصوصاً ممن يمارسون دعوة غير المسلمين الشيءُ الكثير من ذلك القبيل.

والشاهد مما مضى حضور معاني القدسية، واستشعار عظمة الله، وحرارة العواطف تجاه الإسلام عند هؤلاء.

تلك المعاني والمشاعر، والعواطف التي بردت في حس أكثر المسلمين، وصارت أشبه بالأمور العادية جداً.

ولعل سبب ذلك أن كثرة الإمساس تقلل الإحساس.

لذا فإن الحاجة شديدة لاستحضار تلك المعاني، وتجديدها في القلوب.

ولعل من أعظم أسباب ذلك: التدبرَ في الآيات التي تدعو إلى تعظيم شعائر الله، واستدعاء الذكريات التي تبعث الأشواق، وتجدد معاني الإيمان؛ فإذا استشعر المسلم -مثلاً- فرضية الصلاة، وأنها فرضت في السماء ليلة عرج بالنبي-صلى الله عليه وسلم- وأنها صلة بين العبد وربه، وأن قَدْر الإسلام عنده كقدر الصلاة في قلبه، إلى غير ذلك من المعاني التي تدور في هذا الفلك – كان ذلك داعياً إلى إحيائها في قلبه وشعوره، وإعطائها حقها من التكميل والخشوع.

وقل مثل ذلك في الحج؛ بحيث يستشعر أن بطاح مكة كانت موطئ أقدام الأنبياء، وأنها أشرف الأماكن، وأحبها إلى الله، وأنه إذا سار فيها متعبداً لله صار امتداداً لتلك السلسلة المباركة، والركب الميمون من خاصة عباد الله من الأنبياء، والصديقين، والصالحين.

وقل مثل ذلك في شأن كثير من العبادات التي تنطوي على الحكم والأسرار.

وكذلك الحال بالنسبة لكثير من الأعمال التطوعية التي يبرد إحساس بعض القائمين بها من جراء طول العهد؛ فلا يكاد يستشعر عظم ما يقوم به، ولا الأجور المترتبة على ذلك.

فما أحوجنا إلى تجديد تلك المعاني، وتحريك تلك المشاعر، وألا يكون طول الأمد سبباً لبرود مشاعرنا، وتبلد إحساساتنا، وقسوة قلوبنا؛ لعلنا بذلك ننبعث إلى زيادة الإيمان، وقوة الإقبال على الله -عز وجل-.

ولعل من أسرار تكرار بعض العبادات يومياً كالصلاة، أو أسبوعياً كالجمعة، أو سنوياً كصيام رمضان، أو عمرياً كالحج – أن يكون المؤمن على ذُكْرٍ من هذا المعنى، ألا وهو تجديد الإيمان، وإقامة ذكر الله، وإحياء تلك المعاني في النفوس؛ لتبقى فوارة حية؛ فإذا كان الأمر كذلك فإنه يعني حياة القلوب.

وإذا كانت الأخرى فإن ذلك يعني خمودَها أو موتَها.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك