بذاءة اللسان، والتفحش في القول

26 يونيو، 2016 473 عدد الزوار

فبذاءة اللسان، والتفحش في القول-من خوارم المروءة، ومن أمارات القِحَة والصفاقة؛ فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يُنزِّهَ لسانه من الفحش، وأن يُطَهِّره من البذاءة، وأن يُجِلَّه من ذكر العورات؛ فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابىء بمواقعها وآثارها.([1])

والمروءة تحفظ لسان صاحبها من أن يلفظ مثلما يلفظ أهل الخلاعة من سفه القول.

وحذارِ من سَفَهٍ يشينك وصفُه  

إن السفاهَ بذي المروءة زاري([2])

“وعظماء الرجال يلتزمون في أحوالهم جميعاً ألا تبدر منهم لفظة نابية، ويتحرجون مع صنوف الخلق أن يكونوا سفهاء أو متطاولين”.([3])

قال الإمام النووي-رحمه الله-: “ومما ينهى عن الفحشُ، وبذاءة اللسان.

والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة و معروفة.

ومعناه: التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة وإن كانت صحيحةً، والمتكلم بها صادقاً.

ويقع ذلك كثيراً في ألفاظ الوِقَاع ونحوها.

وينبغي أن يستعمل في ذلك الكناياتُ، ويعبر عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض.

وبهذا جاء القرآن العزيز، والسنن الصحيحة المكرمة، قال الله-تعالى-: [وأُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرفثُ إلى نسائكم] (البقرة: 187).

وقال-تعالى-: [وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض] (النساء: 21).

وقال-تعالى-: [وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن] (البقرة: 237)

والآيات، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.

قال العلماء: فينبغي أن يُستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيا من ذكرها بصريح اسمها-الكناياتُ المفهمةُ، فَيُكنَّى عن جماع المرأة بالإفضاء، والدخول، والمعاشرة، والوقاع، ونحوها”.([4])

قال: “وكذلك يُكَنَّى عن البول والتغوّط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة والبول ونحوهما.

وكذلك ذكر العيوب كالبرص، والبخر، والصنان، وغيرها يعبر عنها بعبارات جميلة، يفهم منها الغرض.

ويلحق بما ذكر من الأمثلة ما سواه”.([5])

قال القاسمي: “وإياك وما يستقبح من الكلام؛ فإنه يُنَفِّر عنك الكرام، ويُوَثِّب عليك اللئام”.([6])

وعن عبدالله بن مسعود-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: “ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش البذيء”.([7])

وعن أنس-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: “ماكان الفحش في شيء إلا شانه، وماكان الحياء في شيء إلا زانه”.([8])

ومما يدخل في فحش القول السبُّ، والشتم، واللعن.

ومما يدخل فيه-أيضاً-ماكان مستنكر الظاهر، وإن كان معناه سليماً بعد تدقيق النظر فيه.

وقال الماوردي-رحمه الله-: “ومما يجري مجرى فحش القول وهُجْره في وجوب اجتنابه، ولزوم تنكبه-ماكان شنيع البديهة، مستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليماً، وبعد الكشف والروية مستقيماً”.([9])

ثم ساق أمثلة لذلك-رحمه الله-.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا ينبغي التصريح بالعبارات القبيحة المستكرهة مالم تَدْعُ حاجةٌ-كما مر-.

أما إذا دعت الحاجة للتصريح بصريح الاسم فلا بأس بذلك، بل هو المتعين.

قال النووي بعد أن تحدث عن أنه ينبغي تجنب الفحش وبذاءة اللسان: “واعلم أن هذا كلَّه إذا لم تدعُ حاجةٌ إلى التصريح بصريح اسمه، فإن دعت الحاجة لغرض البيان والتعليم، وخيف أن المخاطب يفهم المجاز، أو يفهم غير المراد-صُرِّح حينئذٍ باسمه الصريح؛ ليحصل الإفهام الحقيقي.

وعلى هذا يحمل ما جاء في الأحاديث من التصريح بمثل هذا؛ فإن ذلك محمول على الحاجة كما ذكرنا؛ فإن تحصيل الإفهام في هذا أولى من مراعاة مجرد الأدب، وبالله التوفيق”.([10])


([1]) انظر خلق المسلم ص81.

([2]) انظر رسائل الإصلاح1/211.

([3]) خلق المسلم ص81.

([4]) الأذكار للنووي ص334.

([5]) الأذكار ص334.

([6]) جوامع الآداب ص6.

([7]) أخرجه أحمد1/404، والترمذي (1977) والبخاري في الأدب المفرد (332) والبغوي في شرح السنة (3555) وابن أبي شيبة11/18 كلهم عن ابن مسعود، وقال الترمذي “حديث حسن غريب ” وصححه أحمد شاكر في شرحه للمسند ( 3839) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ( 237).

([8]) أخرجه أحمد3/165، والترمذي (1974) وابن ماجه ( 4185) والبخاري في الأدب المفرد كلهم عن أنس ( 601) وقال الترمذي ” حسن غريب ” وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ( 469).

([9]) أدب الدنيا والدين ص284.

([10]) الأذكار ص334-335.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك