بديهة معلم

12 يناير، 2017 169 عدد الزوار

يذكر لي أحد الأساتذة الفضلاء أنه لما كان طالباً في المرحلة الثانوية كان يدرس لهم مادة الحاسبِ معلم حازم حليم عاقل، يحسن عرض المادة، ويجمع لهم في دروسه ما بين المتعة والفائدة.

ويذكر أنه في يوم من الأيام، والمعلم يكتب بعض عناصر الدرس على السبورة أصدر أحد الطلاب صوتاً يشبه صوت شاة؛ فضحك الطلاب جميعاً، والتفت المعلم إليهم، وقال: من الذي أصدر الصوت؟

فلم يجبه أحد؛ فتوقع الطلاب أن يرفع المعلم صوته باللوم، أو أن يسخر منهم، ويشعرهم بأنهم ليسوا أهلاً للعلم؛ إذ كيف يصدر هذا الصوت من أحدهم، ويضحكون منه، ولا يخبرون عن ذلك الذي أصدره؟

وتوقعوا أن يعاقبوا عقاباً جماعياً، أو أن يُفْتَح التحقيقُ في هذه القضية، أو أن يَسْتدعي مدير المدرسة، أو وكيله؛ لهذا الشأن.

ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث؛ بل لقد تبسم المعلم، وقال: أنا السبب؛ لأنني لم آتِ بالبرسيم؛ لأنني لم أكن أعلم أن من بين الطلاب شاةً.

فلما قال ذلك: انفجر الطلاب ضاحكين إلا الطالب الذي أصدر الصوت؛ حيث وَجَمَ، وتغيَّر لونُ وجهه، وعرف المعلم أنه هو الذي أصدر الصوت.

بعدها واصل المعلمُ إلقاءَ الدرس، وكأن شيئاً لم يكن؛ فصار ذلك الموقف مثار إعجابنا، ومدار حديثنا مدة طويلة، ولا زلنا نتذكره رغم مُضيِّ سنوات عليه. اـ هـ .

تُرى لو أن ذلك المدرس  كعادة الكثيرين وقد لا يلامون  رفع صوته، واستدعى مدير المدرسة، أو وكيلها، أو المرشد الطلابي، أو أنه أَسَفَّ في عبارته، وأمطر على الطلاب وابلاً من الإهانات، ترى هل سيجدي ذلك أكثر مما أجدى ذلك التصرف السهل العفوي؟

أعتقد أنه لن يجدي، وربما صار لذلك عواقب وخيمة.

ولكنه تصرف بهدوء، وعالج الموقف بحكمة، وعاتب الطالب بطريقة تليق بالموقف دون أن يوجه إليه الكلام مباشرة، ودون أن يُدْخل أطرافاً أخرى في القضية، فهذا تصرف ارتآه المعلم، ولا يلزم أن يكون سليماً من كل ناحية، وإنما هو تصرف اقتضاه الحال، وأَمْلَتْهُ البديهة، ولم يكن لدى المعلم وقتٌ للتفكير فيما يمكن أن يقوم به.

ولكنه  على كل حال  تصرف آتى ثمرته، ولم يعطل سير الدرس، أو يُخِلَّ بنظام الفصل.

ولا ريب أن المعلم الفاضل الحكيم الحازم هو ذاك الذي يحرص كل الحرص على حل مشكلات طلابه بنفسه، وهو الذي يبذل قصارى جهده كيلا يَدْخُل أحدٌ بينه وبين طلابه؛ فذلك أنجع في العلاج، وأجدى في التربية، وأعمق أثراً في الطلاب، وأبقى لهيبة الإدارة في نفوسهم؛ لأنهم إذا اعتادوا الخروج إلى الإدارة، أو استدعاء المدير أو المرشد عند كل صغيرة وكبيرة لم يعد لأحد في المدرسة هيبة عندهم؛ فحري بالمعلم ألا يُصَعِّد الأمور إلا إذا أعيته الحيلة، وضاقت به السبل.

ثم إن الطلاب يوجد مِنْ بينهم مَنْ يؤذي بلحن منطقه، ولا يعنيه الدرس بقليل ولا كثير؛ فلربما استثار المعلم، وآذاه بسفالته وسفاهته.

ولهذا كان من الحكمة أن يُعرض المعلم عن هؤلاء وأمثالهم، فلا يجاريهم ولا يمازحهم، ولا يتحدث معهم إلا بقدر ما تدعو إليه الحاجة من سلام، أو رده، أو إجابة لسؤال أو نحو ذلك.

ولا يعني ذلك أن تدع الطالب دون علاج أو عقوبة، وإنما تحرص على ألا يَتَسَفَّه عليك أمام الطلاب.

وإلا فإنه يعالج ويعاقب، إما بالمناصحة الفردية، وإما باستدعائه خارج الفصل، وإما بالتفاهم في شأنه مع الإدارة أو المرشد، أو المشرف، وإما مع ولي أمره، أو ما شاكل ذلك من أنواع العلاج.

بل قد تقتضي الحكمة أن تجازيه في الفصل أمام زملائه إن ظننت أن ذلك سيردعه، ولم تخش مفسدة أكبر تحصل من جراء ذلك.

ثم إنه لا يحسن بالمعلم أن يكون كثير العتاب، مبالغاً في تقريع الطلاب، خصوصاً عند الأخطاء اليسيرة أو غير المقصودة؛ لأن الناس يكرهون من يؤنب في غير مواطن التأنيب، وينفرون ممن يبالغ في التوبيخ دون تروٍّ وتؤدة؛ فلربما استبان له بعدُ أن ثمة اجتهاداً صحيحاً، أو أنه مخطئ في عتابه وتأنيبه.

إن كثرة التأنيب قد تحرج الطالب، وربما أصيب بخيبة أمل، وفقدٍ للثقة بنفسه، وربما قاده ذلك إلى ترك الدراسة إلى غير رجعة.

فعلى المعلم أن يعتدل في توبيخه وعتابه، وألا يوبخ إلا عند الحاجة لذلك. ولا يعني ذلك ألا يبدي الملاحظات، وألا يسعى في إصلاح الأخطاء.

وإنما يعني أن يكون ذا نظرة متوازنة، وأن يكون واقعياً في علاجه، ونظرته للآخرين، وأن يكون منصفاً؛ فما أجمل الإنصاف!

والحاصل أنه يحسن بالمعلم أن يَحْملَ خلال تدريسه شعارين:

الأول: الحزم من غير عسف: لأن في الحزم ضبطاً للطلاب، وكبحاً لما عندهم من جماح، كما أن فيه حفظاً للوقت، وإبقاءً لهيبة المعلم والعلم.

ومما يعين المعلم على الحزم أن يكون حازماً مع نفسه.

ومن حزمه مع نفسه أن يعد الدرس جيداً، وأن يلقيه كما ينبغي؛ فإذا أعد الدرس جيداً، وألَمَّ بكل شاردة وواردة فيه   كان من أثر ذلك عليه وثوقُ الطلاب بما يقول، وظهورُ التجديد فيما يعمل، وتنويع الدرس على ما يحب.

وإذا ألقى الدرس كما ينبغي  كأن يربطه بالدروس السابقة، ويسيرَ فيه خطوةً خطوة، ثم يلخصه بطريقة الأسئلة  ملأ الوقت على الطلاب، فلم يَعُدْ فيه فراغٌ لعبث عابث، ولا تجني سفيه.

وإذا حرك أذهانهم بالتشويق، والتطبيق، والسؤال  لم يُصِبْهُم سأمٌ ولا ضيق.

ومن هنا يُشغل المعلمُ طلابَه عن أنفسهم وعن نفسه، فلا يفرغون لاصطياد نكتة، ولا لالتماس غميزة؛ إذ ليس أعون للمعلم على حفظ نظام الفصل من ملء الوقت بالمفيد الممتع، ولا أضمنُ لجودة شرحه، وحسن استماع التلاميذ من فهم الموضوع وجودة إلقائه.

ومما يعينه على الحزم ألا يسمح لطالب بأن يسيء للفصل، أو لأحد من زملائه.

ومن ذلك أن يتابعهم في واجباتهم، وأن ينجز الوعد إذا وعد أحداً من تلاميذه.

وبالجملة فالحزم مطلوب، وهو من علامات النجاح، ومن مقومات المروءة، بشرط ألا يصل إلى حد التسلط والاستبداد، والشدة المفرطة، والصرامة المتعدية لأطوارها؛ لأن تلك الطريقة تفسد الجيل، وتغرس فيه رذائل مهلكة؛ إذ تسلب من الطالب جميع عزائمه وسائر إرادته، وتحمله على الكذب والنفاق، وتغرس فيه الجبن والخور، وتُبَغِّض إليه العلم والقراءة، كما أنها تحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، وإرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام؛ فيكون ألعوبة بين معاشريه كالكرة المطروحة يتلقفونه رجلاً رجلاً، وآلة يصرفونها كما يشاؤون.

ولئن كانت الشدة مطلوبةً مع بعض النفوس التي لا يَرُدُّ جماحَها غيرُ الشدة   فإن من النفوس ما لا يأسرها إلا الجميل من القول، ولا يُرَدُّ جماحها إلا بزمام الرفق والملاطفة.

الثاني: الحلم من غير ضعف: فكما يحسن الحزم فكذلك يحسن الرفق واللين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله”  (رواه البخاري ومسلم).

وقال: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”  رواه مسلم.

فيجمل بالمعلم أن يكون رفيقاً بطلابه، رحيماً بهم، مشفقاً عليهم، محسناً إليهم، صابراً على بعض ما يصدر من جفائهم وسوء أدبهم.

ولا يعني ذلك ترك الحبل على الغارب للطالب، فلا يؤمر ولا ينهى، ولا يؤدب ولا يعاقب؛ بحجة رحمته، والرفق به.

لا، ليس الأمر كذلك؛ فترك تأديبه وتوجيهه خطل وخلل، وخرق وجهل، وتفريط وإضرار.

وذلك مما ينمي فيه الميوعة، ويقتل منه الرجولة. والحكمة تقتضي أن يكون المعلم حازماً من غير عسف، ليِّناً من غير ضعف؛ فالحزم والرفق رضيعا لبان، يجتمعان ولا يتنافيان.

فالتربية النافعة ما كانت أثراً لمحبة يطفئ البأس شيئاً من حرارتها، وصرامة تلطف الشفقةُ نبذةً من شدتها.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك