الندوات والمداخلات

12 يناير، 2017 161 عدد الزوار

شاع في الأزمنة المتأخرة عقد الندوات العلمية، والثقافية، والفكرية، وغيرها. والندوة تبحث في موضوع، أو قضية، وتتكون من مديرٍ لها، واثنين أو أكثر يُلْقُون ما عندهم في ذلك الشأن.

وهذه الندواتُ تلقى أمام جمهور من الناس، أو في وسيلة إعلامية. وغالباً ما يتخلل تلك الندوات مداخلاتٌ تثري الموضوع، وتُكَمِّل ما قد يعْتَوِرُ الندوة من قصور، ويُبْدى من خلالها بعضُ التساؤلات أو الاعتراضات على ما ألقي.

ولا ريب أن تلك الندواتِ والمداخلاتِ مما ينهض بالعلوم، ويوسع الآفاق، ويرتقي بالثقافة، ويقرِّب وجهات النظر، ويعوِّد على الأخذ والرد، والمناقشة. وغالباً ما تسير تلك الندوات على وَفْقِ ما رُسِم لها، فتؤتي أكلها ضعفين.

ولكن ثمت آفات تعتري بعض الندوات، فتعكر صفوها، وتُذْهِبُ بهجتها، وتقلل الفائدة المرجوة منها. ورغبة في الارتقاء بندواتنا، وحواراتنا أحببت تقييد ما أراه من خلل يعتري تلك الندوات؛ فمن ذلك: قلة التخطيط؛ فبعض الندوات يُضْرب لها موعدٌ محددٌ، وموضوعٌ معينٌ، وأناسٌ يلقونها دون تفصيل دقيق لسير تلك الندوات؛ فلا يُحَدَّدُ للمتكلمين وقتٌ لا يتجاوزونه، ولا يحدد وقت الندوة بالساعة والدقيقة المعينة، وإنما يقال: الموعد بعد العشاء أو صبيحة ذلك اليوم، وتبدأ الندوة بكلمة فلان ثم فلان، وهكذا…

ومن هنا يحصل الخلل في حضور الناس للندوة؛ فقد يأتون قبل بدايتها بوقت طويل، وقد يأتون بعد بدايتها، أو في نهايتها. ويحصل الإسهاب، أو الإخلال من قبل المتكلمين.

وقد يدعى للندوة وجهاء، أو علماء؛ فلا يخصص لهم أماكن يجلسون عليها في المقدمة، وإنما تكون الأمور هكذا؛ فمن أتى مبكراً جلس في المكان الذي يطيب له الجلوس فيه. والأولى أن يخصص لبعض الحاضرين مقاعد معروفة؛ حتى لا يقع الحرج.

ومن الآفات التي تعتري الندوات والمداخلات الإطالة، وتجاوز الحد؛ فمن المُلْقِينَ مَنْ يُحَدَّد له وقتٌ، ثم يتجاوزه بمراحل، فَيُضْجِر الحاضرين، ويُثقل عليهم، ويوقِعُ نفسه وغيره في حرج؛ حيث يُحْرِج مدير الندوة، ويضطره إلى إرسال الأوراق الصغيرة، أو أن يبدأ بطرق مكبر الصوت؛ كي يتوقف المتكلم عن الكلام.

وبعد أن يتنبه الملقي يبدأ بالاعتذار من ضيق الوقت، وأن المدة ليست كافية، وأن في جعبته الكثيرَ مما لم يَقُلْه. ولو أنه استعد، وراعى عامل الوقت، وعَصَر موضوعه بما يناسب المقام، وأتى على الذي لم يستطع إلقاءه على عجل – لكان خيراً له، وأسلم لعرضه، وأبقى لأثر كلامه؛ ولأَنْ يقال: ليته واصل خيرٌ من أن يقال: ليته سكت.

وكذلك الحال بالنسبة لبعض المداخلين؛ حيث يطيل في المقدمات، ويتشعب في الحديث، ويخرج عن الموضوع، ويكرر ما قيل. وقد يكون سبب ذلك أنه لم يفهم المراد، أو أنه كان شارد الذهن أثناء إلقاء الندوة، أو أنه أتى متأخراً؛ فحري بمن أراد المداخلة أن يحسن العرض، والاعتراض، وأن تكون مداخلته ذات فائدةٍ، وإضافةٍ للموضوع، وأن تكون بأسلوب مقبول، وأدب جَمٍّ.

وإذا كُفِي من يريد المداخلة بمن سبقه فالأولى له أن يكتفي بذلك؛ فليس المهم أن يداخل، وإنما المهم كيف يداخل؟ وماذا سيقول؟ وما أثر ذلك؟

ومن آفات بعض الندوات والمداخلات أن يُطْرَحَ موضوع معين، أو قضية من القضايا دون أن يحرر محل النزاع؛ فترى بعض الملقين أو المداخلين يتنازعون حول أمور خارجة عن الموضوع. والأولى أن يكون الحوار دائراً في الموضوع، ومحل النزاع.

ومن آفات بعض الملقين ضيق الصدر بالاعتراض؛ فتراه يطرح ما شاء أن يطرح من الآراء، ولا يريد لأحد أن يعترض، أو يصوِّب، أو يستفهم. بل تراه يثور لأدنى اعتراض، أو مخالفة.

وما هكذا تورد الإبل، ولا هكذا يُستقبل الاعتراض أو النقد. وإنما يحسن به أن يستقبل ذلك بصدر رحب، ونَفْسٍ مطمئنة، ونَفَسٍ مُسْتَرِيض كما قال الحكيم:

يحلو النضالُ ولا نضالَ ألذُّ من   تنقاد آراء بغير خِصام
هي كالسحائب هذه وطفاء إن   سنحت وتلك تمرُّ مَرَّ جهام
والرأيُ يَخْلُصُ بالنِّقاش الحرِّ مِنْ   صَدإ الخُمولِ ولُبْسَةِ الإبهام
وجآذرُ الأفكارِ لا تَرِدُ الحمى   ما لم تُسَسْ برويَّة ونظام

وما مضى إنما هي إشارات ربما تسهم – بإذن الله – في إنجاح الندوات والمداخلات، فيكون لها  أحسن الفائدة، وأطيب العائدة.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك