المبادرة إلى إكمال الحديث عن المتحدث

26 يونيو، 2016 262 عدد الزوار

فهناك من إذا تحدّث أحد أمامه بحديث، أو قصة، أو خبر، وكان يعلم ذلك من قبل-بادر إلى إكمال ذلك عن المتحدث، إما بقصد الإساءة إليه، وإما بإشعاره وإشعار السامعين بأن حديثه معاد مكرور، وإما ليبين أنه يعلم ذلك من قبل.

وهذا ليس من صفات ذي المروءة؛ إذ المروءة تقتضي أن تنصت للمتحدث ولو كنت تعلم حديثه من قبل.

قال المدائني: “أوصى خالد بن يحي ابنه فقال: يابني، إذا حدَّثك جليسك حديثاً فأقبل عليه، وأصغِ إليه، ولاتقل قد سمعته-وإن كنت أحفظ له-وكأنك لم تسمعه إلا منه-؛ فإن ذلك يكسبك المحبة والميل إليك”.([1])

وقال ابن سعدي: “ومن الآداب الطيبة إذا حدَّثك المحدِّث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لايعرفه، ولم يَمُرَّ عليه، وتريه أنك استفدت منه، كما كان أَلِبَّاءُ الرجال يفعلونه.

وفيه من الفوائد تنشيط المحَدِّث، وإدخال السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك، وسلامتك من سوء الأدب؛ فإن منازعة المحدث في حديثه من سوء الأدب”.([2])

وإلى هذا المعنى الجميل يشير أبوتمام بقوله:

من لي بإنسان إذا أغضبته    

وجهلت كان الحلمُ ردَّ جوابِه
 

وتراه يصغي للحديث بسمعه    

وبقلبه ولعله أدرى به([3])
 

قال ابن المقفع: “وإذا رأيت رجلاً يحدِّث حديثاً قد علمته، أو يخبر خبراً قد سمعته-فلا تشاركْه فيه، ولا تَتَعَقَّبْهُ عليه؛ حرصاً على أن يعلم الناس أنك قد علمته؛ فإن في ذلك خِفَّةً، وسوء أدب، وسخفاً”.([4])

وقال: “ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها-إذا حَدَّث الرجل حديثاً تعرفه ألا تسابقه إليه، وتفتحه عليه، وتشاركه فيه؛ حتى كأنك تظهر للناس أنك تريد أن يعلموا أنك تعلم مثل الذي يعلم.

وما عليك إلا أن تُهنئه بذلك، وتفرده به.

وهذا الباب من أبواب البخل، وأبوابه الغامضة كثيرة”([5])

قال ابن عبدالبر-رحمه الله-: “ومن سوء الأدب في المجالسة أن تقطع على جليسك حديثه، وأن تبتدره إلى تمام ماابتدأ به منه خبراً كان أو شعراً تتم له البيت الذي بدأ به؛ تريه أنك أحفظ له منه، فهذا غاية في سوء المجالسة، بل يجب أن تصغي إليه كأنك لم تسمعه قط إلا منه”.([6])

وقال ابن جريج عن عطاء: “إن الرجل ليحدِّثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد”.([7])


([1]) بهجة المجالس1/43، وانظر تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم لابن جماعة ص156-157.

([2]) الرياض الناضرة ص548.

([3]) أقوال مأثورة ص285 عن طرائق الحكمة 1/73.

([4]) لأدب الكبير والأدب الصغير ص136.

([5]) الأدب الكبير والأدب الصغير ص162.

([6]) بهجة المجالس1/162.

([7]) سير أعلام النبلاء5/86، وتذكرة السامع والمتكلم ص157.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك