الكعبة: مثابةٌ ومهابة

29 أكتوبر، 2018 158 عدد الزوار

الكعبة

مثابة ومهابة

خواطر بعد دخول الكعبة المشرفة والصلاة فيها

بقلم: محمد بن إبراهيم الحمد

 

الكعبة، وما أدراك ما الكعبة! بيت الله الحرام، وأول بيتٍ وضع للناس.

الكعبة مثابة للناس؛ فهي مرجع لهم، ومَعَادٌ يأتونه كلَّ حينٍ حجًّا، أو عمرة، أو زيارة؛ فلا يقضون منه وَطَراً كما قال ورقة بن نوفل في صفة الحرم:

مثاب لأفناء القبائل كلها *** تخب إليه اليعملات الطلائح

فالناس كلما أتوها، ورجعوا منها – حَنُّوا إليها؛ فاشتاقوا إلى العودة إليها؛ فلا ينصرف المنصرف عنها وهو يرى أنه قضى وطره منها، كما قال الأول:

جعل البيت مثاباً لهمُ *** ليس منه الدهرَ يقضون الوطر

وهي مثابةً – كذلك – من جهة أنه لا ينصرف عنها قوم إلا ويخلفهم آخرون؛ فكأن الذين يَخْلُفونهم قائمون مقامهم بالنسبة للبيت وسكانه.

والكعبة – كذلك – أمن؛ فقد جعلها الله أمناً للناس؛ لأنهم كانوا – في الجاهلية – يؤمِّنون فيها كل أحد، حتى إن الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه لم يُهِجْهُ، ولم يعرض له حتى يخرج من الحرم.

والبيت الحرام يحول بين القوي والضعيف؛ فَيُصَدُّ القوي فيه عن أن يتناول الضعيف.

والكعبة البيت الحرام جعلها الله قياماً للناس؛ فبها يَقُوم أَمْرُ دينهم ودنياهم؛ فطالما أن هذا البيت قائم مُعظَّم، وطالما أن أفئدة من الناس تهوي إليه حجًّا، أو عمرة، أو زيارة، و طالما أنهم يؤمُّونه، ويعظمونه – فإن دنيا الناس باقية، والعكس.

ولهذا إذا كان آخر الزمان، فغزا ذو السويقتين الكعبة؛ فهدمها حجراً حجراً كان ذلك مؤذِناً بخراب العالم، وقيام الساعة.

والكعبة أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين.

فكونه مباركاً؛ لأن الخير نازلٌ فيه، كثير متنوع؛ فمن أجلى صور البركة فيه مغفرة الذنوب، ومضاعفة الثواب، ورفاهية الحال.

وكونه هدىً للناس أنه شاملٌ لجميع العالمين؛ إذ إن شهرته، وتسامع الناس فيه يحملهم على التساؤل عن سبب وضعه، وأنه لتوحيد الله – عز وجل – وتطهيرِ النفوس من خبث الشرك؛ فيهتدي بذلك المهتدي، ويرعوي المتشكك، وتقوم الحجة على الجاحد.

وهذه الكعبة مُهَابة، مُعظمة، موقرة، وما تعظيمها إلا من تعظيم مُعَظِّمها، وما لقيت ذلك إلا لما ألقاه الله – عز وجل – في القلوب من تعظيمها؛ فكما أن المحبة منه – عز وجل – وهو الذي يلقيها على من يشاء من خلقه؛ لحكمة بالغة، كما ألقاها على موسى – عليه السلام – فجعله محبباً إلى عباده – فكذلك التعظيم منه – عز وجل – فهو يلقيه على من شاء من البقاع، والذوات؛ فتصبح القلوب معظمة لذلك دون استرهاب، أو خلابة كما كان ذلك شأن الكعبة، وشأن نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم -.

فالكعبة أحب البقاع، وأعظمها عند الله، ومحمد- صلى الله عليه وسلم – أحب العباد وأعظمهم عنده – عز وجل -.

ولهذا كان له من المحبة والتعظيم ما لم يكن لأحد مع ما كان عليه من التواضع، والبساطة، والبعد عن العوارض التي تصطاد النفوس، وتسترهب العيون؛ فحصل له أعظم إجلالٍ في نفوس أعدائه بَلْه أوليائه؛ فيكون فيه دليل على أن جلاله مستمد من عناية الله -تعالى- وتأييده.

روى أبو داود، والترمذي أن قيلة بنت مَخْرمة جاءت رسول الله في المسجد وهو قاعدٌ القرفصاءَ قالت: “فلما رأيت رسول الله المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق”.([1])

فقولها: المتخشع في الجلسة أَوْمَأَ إلى أن شأن المتخشع في المعتاد ألا يرهب، وهي قد أَرْعَدَتْ منه؛ رهبة.

ووصف كعب بن زهير رسول الله حينما دخل عليه المسجد في أصحابه مؤمناً تائباً، وكان كعب يومئذ أقرب عهداً بالشرك، وأوغل في معرفة مظاهر ملوك العرب وسادتهم؛ إذ هو الشاعر ابن الشاعر؛ فإذا هو يقول بين يدي رسول الله يصف مجلسه:

لقد أقوم مقاماً لو أقوم به *** أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل
لظل يرعد إلا أن يكون له *** من الرسول بإذن الله تنويل

ثم يقول في صفة الرسول:

لذاك أهيبُ عندي إذ أُكَلِّمُه *** وقيل: إنك منسوب ومسؤول
من خادر من ليوث الأسد مسكنه *** من بطن عَثَّرَ غِيلٌ دونه غيلُ([2])

وجاء في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص – رضي الله عنه- -وهو في سياق الموت- أنه قال: “وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أجلَّ في عينِي منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينَيَّ منه؛ إجلالاً له، ولو سُئلتُ أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأُ عينَيَّ منه”.([3])

وهذا التعظيم والإجلال – كما يقول ابن تيمية – قد جعله الله في القلوب قرناً بعد قرن؛ فالناس يشهدون، ويقرُّرون بعظيم منزلته، وعلوِّ درجته من غير مُكرهٍ يكره القلوب على ذلك العلم والمعرفة مع كمال عقول الناظرين في ذلك؛ فهذا كله من أعظم الأمور الخارقة للعادة الخارجة عن طور البشر، الدالة على أن واهب ذلك التعظيم هو الله – عز وجل – وشبيه بذلك ما جعله الله لإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح وغيرهم من الأنبياء – عليهم السلام – من المحبة والتعظيم، وما في قلوب المؤمنين – أيضاً – من البغض الذي جعل للكفار وأتباعهم.

والحاصل أن الله – عز وجل – قد جعل للكعبة خصوصاً، ولمكة عموماً من التعظيم ما لم يجعله لبقعة أخرى إلا ما جعله لبيت المقدس، وما جعله لمدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم – بعد هجرته إليها؛ إذ لم يكن للمدينة قبل الإسلام شأن يذكر إلا بعد ما كان لها بعد الهجرة.

مع أن تعظيم الكعبة ومكة أرفع وأجلُّ من غيرهما، وأن هذا التعظيم باقٍ على تقادم الأزمان، واختلاف الأحوال.

وهذا مما يزداد به إيمان المؤمنين، وتعظم به حيرة الضلال، والمتشككين.

ولقد قرر ذلك كثير من علماء الإسلام، ومنهم ابن تيمية-رحمه الله- في الصفدية في معرض مناقشته للفلاسفة، وردِّه عليهم في إنكارهم للمعجزات، وادعائهم أن معجزات الأنبياء قوىً نفسانيةً؛ حيث ذكر بالتفصيل تسعة أوجه للرد على الفلاسفة، بيَّن من خلالها بطلان قولهم، وأثبت صحة وقوع المعجزات، وضرب أمثلة حسيَّة على أن المعجزات خارجة عن قوى نفوس البشر.

ومن تلك الأمثلة بيانه لما حصل للكعبة البيت الحرام من حين بناه إبراهيم -عليه السلام- إلى هذا الوقت من التعظيم، والتوقير، وانجذاب القلوب إليه، وأن الملوك يبنون الحصون، والمدائن والقصور ثم لا يلبث بنيانهم أن ينهدم، ويهان.

وقرر أن الكعبة بيت مبنيٌّ من حجارة سود بوادٍ غير ذي زرع ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه، وغيره، ولا عنده عسكرٌ يحميه من الأعداء، ولا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس، بل كثيراً ما يكون في طريقه الخوف، والتعب، والعطش، والجوع.

ومع هذا فقد جعل في أفئدة الناس التي تهوي إليه من الحب والتعظيم ما لا يعلمه إلا الله، وجعل له من العز، والشرف، والعظمة ما أذل به رقاب أهل الأرض؛ حتى تقصده عظماء الملوك، ورؤساء الجبابرة؛ فيكونون هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس([4]).

ثم يصل إلى الشاهد من ذلك فيقول: “وهذا مما يُعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر، وقوى نفوسهم، وأبدانهم والذي بناه قد مات من ألوف السنين”([5]).

ثم يبين بعد ذلك أن “أمر البيت مما حير الفلاسفة والمنجمين، والطبائعية؛ لكونه خارجاً عن قياس عقولهم، وقوانين علومهم حتى اختلقوا لذلك من الأكاذيب ما يعلمه كل عاقل لبيب، مثل قولهم: إن تحت الكعبة بيتاً فيه صنم يُبَخَّر، ويَصْرِف وجهه إلى الجهات الأربع؛ ليقبل الناس إلى الحج”([6]).

ثم يعلق على ذلك بقوله: “وهذا مما يَعْلَم كلُّ مَنْ عرف أمرَ مكة أنه من أبين الكذب، وأنه ليس تحت الكعبة شيء من هذا، وأنه لا ينزل أحد من أهل مكة إلى ما تحت الكعبة، ولا يحفره أحد، ولا يبخر أحد شيئاً هناك، ولا هناك صنم ولا غير صنم”([7]).

ثم يذكر بعد ذلك حيرة ابن سبعين([8]) وأمثاله من سر هذا الانجذاب للكعبة، وأنهم ربما قالوا: ليت شعرنا ما هو الطلسم الذي صنعه إبراهيم الخليل حتى صار الأمر هكذا؟.

ثم يقرر أن الطلاسم إنما يقوى تأثيرها إذا ضعف العقل، وهكذا الشياطين كلما ضعفت القوى قوى تأثيرهم([9]).

إلى آخر ما قاله -رحمه الله- في ذلك الشأن.

بل إن ذلك التعظيم للكعبة مما نطقت به بشارات الكتب السابقة؛ فلقد صَرَّحَت بما لا يدع مجالاً للشك باسم مكة، والكعبة المشرفة، وَوَصْفِها بما لا يدع للشك مجالاً بصدق نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم – وبكونه بعث من مكة، ودعا إلى تعظيم الكعبة، وحج البيت الحرام، وما إلى ذلك من الأوصاف.

ومن أجلى ما في ذلك ما جاء في نبوءات أشعياء – عليه السلام – .

وفيما يلي ذكر لنزرٍ يسير مما جاء في ذلك الشأن:

1- قال أشعياء النبي -عليه السلام- مثنياً على مكة: “ارفعي إلى ما حولك بصرك، فستبتهجين, وتفرحين من أجل أن يصير إليك ذخائر البحر, وتحج إليك عساكر الأمم حتى يعم بك قطر الإبل الموبَّلة([10]), وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ([11])، ويسير إليك أغنام فاران, ويخدمك رجال مأرب”([12]) ([13]).

قال ابن تيمية-رحمه الله- معلقا على هذه البشارة: “فهذه الصفات كلها حصلت بمكة, فحملت إليها ذخائر البحرين, وحج إليها عساكر الأمم, وسيقت إليها أغنام فاران – الهدايا والأضاحي- وفاران هي البرية الواسعة التي فيها مكة, وضاقت الأرض عن قطرات الإبل الموبَّلة الحاملة للناس وأزوادهم إليها, وأتاها أهل سبأ, وهم أهل اليمن”([14]).

2- وقال أشعياء النبي -عليه السلام- في مكة: “سيري واهتزي أيتها العاقر التي لم تلد, وانطقي بالتسبيح, وافرحي إذ لم تحبلي؛ فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي”([15]).

قال ابن تيمية -رحمه الله- معلقاً على هذه البشارة: “ويعني بأهله: بيت المقدس, ويعني بالعاقر: مكة – شرفها الله- لأنها لم تلد قبل نبينا- صلى الله عليه وسلم -.

ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت للأنبياء, ومعدن الوحي؛ فلم تزل تلك البقعة ولادة”([16]).

3- وقال أشعياء -والمراد مكة-: “أنا رسمتك على كفي, وسيأتيك أولادك سراعاً, ويخرج عنك من أراد أن يُخيفك ويخونك؛ فارفعي بصرك إلى ما حولك؛ فإنهم سيأتونك, ويجتمعون إليك؛ فتسمي باسمي, إني أنا الحي؛ لتلبسي الحُلل وتزيني بالأكاليل([17]) مثل العروس, ولتضيقن خراباتك([18]) من كثرة سكانك والداعين فيك, وليهابن كل من يناوؤك, وليكثرن أولادك حتى تقولي من رزقني هؤلاء كلهم وأنا وحيدة فريدة؛ يرون رقوب([19]) فمن رّبَّى لي هؤلاء ومن تكفل لي بهم؟”([20]).

قال ابن تيمية-رحمه الله-: “وذلك إيضاح من أشعياء بشأن الكعبة؛ فهي التي ألبسها الله الحلل الديباج الفاخرة, ووكل بخدمتها الخلفاء, والملوك, ومكة  هي التي رَبَّى الله لها الأولاد من حجاجها, والقاطنين بها.

وذلك أن مكة هي التي أخرج عنها كل من أن أراد أن يخيفها ,ويخربها، فلم تزل عزيزة مكرمة محرمة, لم يهنها أحد من البشر قط, بل أصحاب الفيل لما قصدوها عذبهم الله العذاب المشهور, ولم تزل عامرة محجوجة من لدن إبراهيم الخليل.

بخلاف بيت المقدس؛ فإنه قد أُخْربَ مرة بعد مرة, وخلا من السكان, واستولى العدو عليه وعلى أهله.

وكذلك إخباره بإهانة كل من يناويها: هو للكعبة دون بيت المقدس، قال -تعالى-: [وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۢ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ] الحج: 25 .

إلى أن قال: “وأما كثرة أولادها, وهم الذين يحجون إليها, ويستقبلونها في صلاتهم, فهم أضعاف أضعاف أولاد بيت المقدس”([21]).

4- وقال أشعياء -عليه السلام- في كتابه عن الحرم: “إن الذئب والجمل يرتعان فيه معاً”([22]).

قال ابن القيم -رحمه الله- معلقاً على هذه البشارة: “إشارة إلى أمنه([23]) الذي خصه الله به دون بقاع الأرض؛ ولذلك سمّاه البلد الأمين, وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) العنكبوت: 67 .

وقال يعدد نعمه على أهله: (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) قريش”([24]).

هذه هي الكعبة؛ سواد عين الدنيا، وسوداء قلبها؛ الكعبة مهوى الأفئدة، ومغناطيس القلوب، وهَيُوْلَى كلِّ حُسْنٍ.

وكل مسلم أَوْمَضَتْ في قلبه بارقةُ إيمان يَجِدُ نفسه مشدوداً إلى الكعبة حبًّا، وشوقاً، وحنيناً، ومهابةً، وتعظيماً.

وأكثر المسلمين، بل أكثر الأمم السابقة لم يروا الكعبة، ولم يعرفوا وَصْفَها على الحقيقة؛ لأنهم لم يتمكنوا من المجيء إلى مكة، وأداء الحج.

وإنما يعرفونها بحسب ما يَصِفُها لهم من رأوها، أو كتبوا عنها.

وفي العصور المتأخرة، وبعد ظهور التصوير الفوتوغرافي أضحى تصورُ الكعبة أَمْكَنَ من ذي قبل.

ثم لما جاء التصوير المتحرك بتطوُّره المتسارع صار تصورها أجلى، وأوضح حتى لكأن الإنسان يراها رأي العين.

ولكن الخبر ليس كالعيان؛ فرؤيتها عبر الصور الثابتة أو المتحركة شيء، ورؤيتها مباشرة شيء آخر.

والمسلم على وجه الخصوص مرتبط بالكعبة ارتباطاً لا ينفك؛ فمنذ أن يشبَّ عن الطوق، ويبدأ بتعلم ما يجب عليه من أمر دينه – تكون الصلاة أهم ما يتعلمه بعد الشهادتين.

ومن أول ما يتبادر إلى ذهنه سؤال يتردد عن سبب الصلاة إلى جهة القبلة، فما هذه القبلة؟ وما سرُّ التوجه إليها؟ ولماذا لا تصح الصلاة إلا باستقبالها؟.

فمن هنا تبدأ تلك العلاقة التي تزيد وثاقة مع مرورِ الأيام، وكرورِ الأعوام، وزيادة العلم، والإيمان.

ولما كنا صغاراً لم نكن نعرف الكعبة إلا من خلال صورتها التي توجد في بعض المقررات الدراسية، أو من خلال رؤيتها في الصحف، أو النظر في جهاز صغير يأتي به الحجاج من ضمن هداياهم، وهو بحجمٍ أقل من ثلاثة أصابع طولاً وعرضاً، فتضغط على أسفله مرة إثر أخرى، فترى صورة الكعبة والمسجد الحرام من جهات عدة.

فهذا هو منتهى ما نعرفه عن الكعبة؛ إذ لم يكن عندنا في تلك الفترة تلفاز، ولم يكن البث يصل إلينا.

وكان مما نسمعه عن الكعبة ما يزودنا به من يذهبون إليها من الجيران، والأصدقاء؛ بحيث يصفون الحرم، ومكة بحسب ما يتيسر لهم من دقة الوصف، ومصداقيته.

وكلما سمعنا عن وصفها ازداد شوقنا إليها.

وكان من ضمن أولئك الجيران فتىً كان في الثالثة عشرة من عمره، وكان يذهب إلى مكة مع أخواله كثيراً، وكان ذلك الفتى مولعاً بالغرائب، ونسج الأساطير؛ فكان مما يحدثنا به عن الكعبة، والحرم عموماً أنه يقول: إن المسجد الحرام هو آخر الدنيا، وأن أحد جهاته نهاية العالم؛ فلا يوجد شيء بعده، فارتسم في خيالي صورة ذهنية عن ذلك المشهد، وتصورت أن آخر الدنيا هوَّةً سحيقة مَن اقترب منها سقط، ولم يرجع مرة أخرى إلى هذه الدنيا.

ولما يسَّر الله لي الحج عام 1402هـ وكنت في بداية المرحلة الثانوية – كان أول ما خطر في بالي رؤية الحرم، والكعبة، ورؤية ذلك المكان الذي تصورت أنه حافَّة الدنيا، ونهايتها؛ بناءً على رواية صاحبنا ذي الخيال الواسع.

ولكني فوجئت بأن نهاية الحرم من كل جهة نهاية لا تتوافق مع ما رواه لنا صاحبنا الآنف الذكر.

وكانت تلك الحجة مليئة بالأخبار، والمواقف؛ إذ كانت بصحبة جمع من الأقارب، واستمرت من اليوم الثاني إلى اليوم السادس عشر من ذي الحجة، وليس هذا مقام الحديث عن تلك الحجة.

ثم توالى – ولله الحمد – القدوم إلى مكة، حَجًّا، أو عمرةً، أو زيارة.

وكل يوم يزداد الشوق، ويتضاعف الحب، فمن ذا الذي تغيب عن باله الكعبة؟ وكيف تغيب عن بالِ أي مسلم وهي تتمثل له بكل سبيل، ويتوجه إليها في ليله ونهاره؟

ثم إن الإنسان في كل طواف يحاول القرب من الكعبة، واستلام الركن اليماني، وتقبيل الحجر الأسود.

ولكن الأغلب أن ذلك لا يتسنى خصوصاً تقبيل الحجر، حتى صار تقبيله قريباً من اليأس.

أما دخول الكعبة فكثيراً ما أسمع بعض أخبار من دخلوها، وكان ذلك بالنسبة لي حلماً في الكرى؛ إذ لم يخطر ببالي أن أدخلها، بل لم أحاول ذلك أبداً.

وفي يوم الأحد الموافق للسادس من شهر الله المحرم عام 1440هـ عزمت على الذهاب إلى مكة؛ لأداء العمرة، فاتصلت بأحد أَعِزَّة الأصدقاء من مكة، وأخبرته أني سآتي في ذلك اليوم؛ فقال لي: ليتك تؤجل عمرتك إلى الأسبوع القادم.

فقلت له: ولِمَ؟ فقال: لأجل أن توافق يوم غسيل الكعبة الموافق للخامس عشر من شهر الله المحرم.

فقلت: وما شأني بذلك؟ فقال: لعله يتيسر لك دخول الكعبة.

فقلت له: وهل يمكن ذلك؟ فقال: الوقت متأخر، ولكن لعلنا نحاول في إيجاد تصريح دخول، فَأَرْسِلْ لي بطاقتك، وأنا سأحاول؛ فإن يسَّر الله ذلك فتلك نعمةٌ كبرى، وفرصة عظمى، وإن لم يتيسر – فالحمد لله؛ تأتي وتؤدي العمرة.

فقلت له: على بركة الله، وألغيت حجزي السابق.

ولما كان يوم الاثنين 14/1/1440هـ توجهت من الزلفي إلى مطار القصيم، وكان موعد الإقلاع إلى جدة الساعة الواحدة وخمساً وأربعين دقيقة ظهراً، ولما وصلت إلى جدة توجهتُ إلى مكة، وأديت العمرة، ثم ذهبت إلى مقر صاحبي، وبعد المغرب زرت أنا وإياه أحد الأصدقاء، وبعد العشاء زرنا أحد المرضى، ثم عدنا إلى مقر صاحبي، وسمرنا تلك الليلة، وهو يتابع إجراءات التصريح مع صاحبٍ آخر لنا، ولكن تلك المحاولات لم تسفر عن شيء مؤكد.

ولما انتصف الليل اتصل بنا أحد الأصدقاء ممن يتابعون الأمر، فقال: صلوا الفجر في الحرم، ولعل الله ييسر الأمر.

وفي تلك الأثناء جاء أحد الأصدقاء، وقد حصل على تصريحٍ بالدخول من قبل.

وقبيل أذان الفجر حضر صاحبنا الذي يتابع إذن الدخول؛ فَكُنَّا أربعة: اثنان منا معهم تصريح، والثالث قد دخل الكعبة قبل ذلك، وبقيت أنا أنتظر التصريح.

ولما أُذِّن بالفجر توجهنا إلى الحرم، فدخلنا قصر الصفا، وصلينا الفجر فيه، وبدأت مراسم تغسيل الكعبة بعد الفجر، وصار الناس ممن معهم إذن بالدخول يتوافدون إلى المسجد الحرام؛ فيدخلون الكعبة عن طريق خاص، وعبر عدد من نقاط التفتيش التي تسأل، وتتأكد من وجود التصريح، وكونه مطابقاً لحامله.

وكانت الأفواج الأولى كثيرة، ومتتابعة، وكانوا لا يطيلون المكث، وإنما يأتون بعد فترة وجيزة؛ نظراً لكثرة الآتين.

ومن ضمن هؤلاء اثنان ممن جاؤوا معنا؛ حيث دخلوا المسجد، ودخلوا الكعبة.

أما أحدهما فقد تيسر له قبل ذلك دخول الكعبة عدة مرات.

وأما الآخر فكانت المرة الأولى له، وهو من أعزِّ الأصدقاء، وأقدمهم.

وقد انتظرتهم حتى أتوا؛ فصرت أرقب صاحبي الذي دخل الكعبة أول مرة؛ فأرى أنه قد جاء بغير الوجه الذي ذهب به؛ إذ رأيت التأثر البالغ بادياً على وجهه، وعينيه، ولم يتكلم كثيراً من شدة التأثر.

ولكن الفرح، والغبطة، والبشر بادية على وجهه.

أما أنا فلا زلت أنتظر التصريح في الدخول، وأنظر في أعين الغادين والرائحين ممن تيسر لهم دخول الكعبة.

واستمر الوضع على تلك الحال إلى أن أشرقت الشمس، وارتفعت، ومضى أكثر من ساعة ونصف على طلوعها.

ولا زلت أنتظر تلك الفرصة، وأملي بالله تحيى به المنى، وثقتي به أن يكرمني بدخول بيته المحرم لا حدود لها.

كما أن توطيني لنفسي أن الأمر قد لا يتيسر كان حاضراً؛ فلم أكن – ولله الحمد – لأجزع مما سيكون لو جاء على خلاف ما أريد.

وكلما طال الوقت ترادفت الأشواق، واضطرم الحشا، فصرت أتماسك كلما زعزعني الشوق؛ فأحاول مغالبته، ولكنه كان أغلب، وإلى دخول الكعبة أرغب.

وفي تلك المدة التي زادت على الساعتين هاجت بي الذكريات، وطافت بي كل مطاف، فحضر في خاطري مُعْظَمُ ما أعلمه وما قرأته عن مكة، والكعبة؛ فتذكرت أبانا إبراهيم الخليل -عليه السلام – فتذكرت توحيده لربه، ومُهاجرَه في سبيله، وكمال عبوديته، وتقديمه محابَّ ربِّه على محابِّ نفسه، وتذكرت ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات، والمقامات العالية، وتذكرت أذانه في الحج، ودعاءه لمكة المكرمة، وبركاتِ تلك الدعوات التي ترى آثارها إلى يومنا الحاضر.

وتذكرت ما كان من أمنا هاجر – عليها السلام – وما كان من سعيها بين الصفا والمروة؛ بحثاً عن ماءٍ تشربه؛  لتدر باللبن على وليدها أبينا إسماعيل ذلك السعي الذي أصبح سنة ماضية، وركناً من أركان الحج.

وتذكرت أبانا إسماعيل – عليه السلام – فَمَرَّ بخاطري مشاركته لأبيه إبراهيم في بناء الكعبة، وما كان من بر إسماعيل بأبيه؛ حيث أطاعه لما أخبره بأن الله يأمره بذبحه، فما كان من إسماعيل إلا أن قال: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102].

وتذكرت أن مكة هي موطن النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلى ثراها الطاهر وُلِد، وشَبَّ عن الطوق، وفيها تنزل عليه الوحي، ومنها شعَّ نور الإسلام الذي بدد دياجير الظلمات.

وتذكرت من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله، وعباده الصالحين .

وتذكرت الصحابة – رضي الله عنهم – وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين.

وتذكرت أن هذا البيت أول بيت وضع للناس وأنه مبارك، وهدى للعالمين.

بلدة عظمى وفي آثارها *** أنفعُ الذكرى لقوم يعقلونْ
شبَّ في بطحائها خيرُ الورى *** وشبا في أُفْقِها أسمحُ دينْ

وتذكرت علماء الإسلام على مرِّ العصور ممن كادت أكبادهم تتقطع شوقاً إلى الحج، ورؤية البيت العتيق، وبقية المشاعر، ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ فكانوا يصفون الحج، ويبينون أحكامه، وهم لم يتصوروا ذلك على الحقيقة كابن عبدالبر، وابن حزم وغيرهم من علماء الإسلام – رحمهم الله -.

وتذكرت من حج من أولئك الأعلام العلماء، فدونوا رحلات حجهم شعراً أو نثراً، فتذكرت الإمام الصنعاني-رحمه الله- الذي وصف رحلته للحج في قصيدته الماتعة، الموسومة بـ: (مثير الغرام إلى طيبة والبلد الحرام) والتي منها قوله:

أيا عذبات البان من أيمن الحِمَى *** رعى اللهُ عيشاً في رباك قطعناهُ
سرقناه من شرخ الشباب وروقه *** فلما سرقنا الصَّفْوَ منه سُرِقْنَاهُ
وعادت جيوشُ البين يقدمها القضا *** فَبَدَّدَ شملاً في الحجاز نظمناهُ
ونحن لجيران المُحَصَّب جيرةٌ *** نُوفِّي لهم عهد الودادِ ونرعاهُ
فهاتيك أيامُ الحياةِ وغيرُها *** مماتٌ  فيا ليت النوى ما شهدناهُ
فيا ليت عنا أغمض البينُ طَرْفَهُ *** ويا ليت وقتاً للفراق فقدناهُ
وترجع أيامُ الُمحَصَّب من منى *** ويبدو ثراه للعيون وحصباهُ
وتسرح فيه العِيْسُ بين ثُمامِه *** وتستنشق الأرواحُ نَشْرَ خُزاماهُ
نَحِنُّ إلى تلك الربوع تشوُّقاً *** ففيها لنا عَهْدٌ وعقدٌ عقدناهُ
وربٍّ برانا ما نسينا عهودَكم *** وما كان من ربع سواكم سلوناهُ
ففي ربعهم لله بيتٌ مباركٌ *** إليه قُلوبُ الخَلْقِ تَهْوِي وتهواهُ
يطوف به الجاني فيُغْفَرُ ذنْبُه *** ويسقط عنه جرمه وخطاياهُ
فكم لذةٍ كم فرحةٍ لطوافه *** فللهِ ما أحلى الطوافَ وأهناهُ
نطوف كأنَّا في الجنان نطوفها *** ولا همَّ لا غمٌّ فذاك نفيناهُ
فيا شوقنا نحو الطواف وطِيبه *** فذلك شوقٌ لا يحاط بمعناهُ
فمن لم يَذُقهُ لم يذقْ قطُّ لذةً *** فَذُقْهُ تَذُقْ يا صاحِ ما قد أُذِقْنَاهُ

إلى آخر ما قاله في قصيدته الطويلة الماتعة.

وتذكرت رحلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي-رحمه الله- إلى الحج، وما دوَّنه في تلك الرحلة من مشاهد، وذكريات.

وتذكرت رحلة الحج للشيخ محمد الخضر حسين – علامة الزيتونة، وشيخ الجامع الأزهر – والتي دوَّنها في بعض كتاباته، وصاغها في قصيدته (مشاهداتي في الحجاز)، والتي يقول طالعها:

المجد لا ينال القاطنين *** ودّعَ الصحب وحيَّا الظاعنين

والتي منها قوله:

سار شوطاً وهو لا يدري أفي*** حُلُمٍ أم في زمانٍ لا يخون
ذكر الخضر وموسى إذ أتى *** مجمع البحرين مرتاد السفين

إلى أن قال:

دخلوا في جنح ليل وأتوا *** مكة الغراءَ من نحو الحجون
في رضا الله خُطاً خاضوا بها *** في حصىً يغبطه الدرُّ المصون
دخلوا بيتاً حراماً يستوي *** فيه ذو التاج ومغبر الجبين
شاهدوا الكعبة وهناً([25]) فَجَرَتْ *** عبرات البشر من بعض الجفون
مثلة الدنيا فإن أبصرتها *** في سواد فعيون الغيد جون
لثموا من ركنها الأيمنِ ما *** لثمته شفتا طه الأمين
هي بيت الله إن طافوا بها *** وَهُمُ أضيافُ رب العالمين
وَرَدُوا زمرم يشفون بها *** ظمأ الأكبادِ حيناً بعد حين
لو شفى عمرو بن كلثومٍ بها *** غُلَّهُ عاف خمور الأندرين

وتذكرت ما أودعه خطاط الحرم الشيخ محمد طاهر الكردي-رحمه الله- في كتابه الماتع (مقام إبراهيم) من تاريخ الكعبة، والمقام، والمسجد الحرام، ووصفه ذلك بأبدع ما يكون.

وتذكرت ما خطته يراعة شكيب أرسلان في ارتساماته اللطاف، وذلك لما حج عام 1348هـ، وما عبر به من دخلوا الإسلام حديثاً من غير المسلمين لما حجّوا، وشاهدوا الكعبة أول مرة كعبدالكريم جرمانوس، ومحمد أسد، ومالكوم إكس، وغيرهم.

ثم رجعت إلى نفسي، وصرت أتساءل: هل حقًّا سأدخل الكعبة؟ هل سأصلي في داخلها، وفي أي ناحيةٍ اتجهت دون أن أحدد موضع القبلة فيها؟.

هل سيتيسر لي في هذا اليوم أن أكون في المكان المحدد الذي هو أول بيت وضع للناس؟ وهل ستقع قدمي على موطئ قدمي إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام -؟ وهل سأصلي في أقدس بقعةٍ على وجه الأرض، وفي نفس الموضع الذي صلَّى فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم -؟.

هل حقًّا سأرى الكعبة من داخلها رأي العين وهي التي يصفها أكثر العلماء دون أن يروها من خارجها فضلاً عن أن يروها من داخلها؟.

وهكذا بدأت الخواطر تتداعى، وتزداد، وكلما زاد تداعيها زاد الشوق.

وفي تلك الأثناء، وبعد أن خفَّ الزحام، ودخل أكثر الناس، ولم يبق إلا القليل ممن أذن لهم بالدخول، وصاروا ينتظرون مجيء أمير مكة، ومن معه من الضيوف ممن سيشاركون في تغسيل الكعبة – جاء البشير بتصريح الدخول باسمي؛ فلا تتصور تلك الفرحة التي غمرتني، ولا الأنس الذي هجم علي.

ولم أتذكر أنني فرحت بشيء تسلمته في هذه الدنيا كتلك الفرحة؛ بتسلم إذن الدخول إلى الكعبة.

ولم أتذكر إلا فرحة من يستلم كتابه بيمينه يوم يلقى ربه راضياً مرضيًّا.

والحقيقة – والله يشهد على ما أقول – أن تنظيم الدخول، وترتيب مراسيمه، وطريقته كان على أحسن ما يكون سواء كان من قبل إمارة مكة، أو رئاسة شؤون الحرمين، أو سائر الجهات الأمنية.

وما إن استلمت بطاقة التصريح الخاصة إلا وسار معي أحد من يقومون على ذلك الشأن؛ فمشيت من قصر الصفا، وتوجهت إلى المسجد الحرام.

وأبرح ما يكون الشوق يوماً
إذا دنت الخيامُ من الخيامِ

وصرت أتساءل! هل ستقلني رجلاي؟ هل سأتمالك نفسي؟

وهكذا سرتُ من نقطةٍ إلى أخرى حتى دخلت المسجد الحرام، فرأيته، ورأيت الكعبة من بعيد، وكأني أدخل المسجد الحرام أول مرة، وكأني أرى الكعبة بعينٍ لم أرها بها قبل.

وكان من فضل الله علي أن لم يكن هناك زحامٌ عند الدخول؛ إذ كان وقت الدخول برزخٌ بين الفوج الأول والفوج الذي يأتي في مقدمته أمير مكة، ومن معه من الضيوف.

بل لم يكن أحدٌ وقت الدخول إلا أنا، وعند دخول المسجد الحرام لم أجد من سيدخل إلا إمام المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالله بن عواد الجهني – حفظه الله – حيث التقينا قدراً دون موعد سابق.

فلما دخلت المسجد رأيت الكعبة، ورأيت ما يقرب منها من المطاف خالياً، والناس يطوفون بعيداً عنها بما يقرب من عشرين متراً.

ورأيت الحجر الأسود وليس عنده أحد، ورأيت جموع الناس من الطائفين وغيرهم ينظرون إلى هذا المشهد العظيم، ورأيت رجال الأمن على اختلاف رتبهم وأعمالهم، وقد أحاطوا بالكعبة من جميع جوانبها، وهم على غاية ما يمكن من النظام، والسكون، والسكينة، وكأن على رؤوسهم الطير؛ فلا تسمع منهم أو ترى إلا الهمس، أو إشارة الخرس لما لا بُدَّ لهم منه؛ تعظيماً لهذا المكان، وإجلالاً له، وهم ينظرون إلى الكعبة نَظَر الـمَشُوْق المستهام لا نظر الذي كلِّف بعملٍ، وهو يريد الخلاص منه؛ فترى الواحد منهم يرمق الكعبة، ويحرص على حمايتها حرصه على حماية عينيه.

فلما رأيت ذلك المشهد ازددت هيبة، وإجلالاً، وحمدتُ الله أن قيَّض لهذا البيت من يقوم على رعايته، ويتشرف بخدمته، ويعظِّم مقامه، ويقوم على تطهيره من الأقذار، وأوضار الشرك الحسِّيَّة.

وما إن تقدمت قليلاً إلا وزادت السكينة، ورأيت من السكون ما لم أَرَه قبل ذلك.

وما إن تجاوزت آخر نقطة للإذن بالدخول إلا وتوجهت نحو الحجر الأسود، الذي طال عهدي بتقبيله من كثرة الزحام في سائر الأيام، فأقبلت عليه، وقبَّلته دون مضايقة من أحد، أو لأحد.

ولما وصلت إلى باب الكعبة لم أكد أصدق عيني، وصرت أتساءل: أأنا صاحٍ أم وسنان؟ أأنا في حلم، أم في علم؟.

ثم صعدت درج الكعبة، ورجلاي لا تكاد تقلاني من الفرحة، وما إن دخلت باب الكعبة إلا ورأيت السدنة وبعض رجال الأمن يستقبلون الناس بالبشر والترحاب؛ فأخذت ذات اليمين، واستجمعت خواطري، وتذكرت والداي، وأهل بيتي من زوجةٍ، وأولاد، وتذكرت إخوتي وأخواتي، وأجدادي وجداتي، وأعمامي وعماتي، وأخوالي، وخالاتي، وأقاربي، وأحبتي، وأصدقائي من مات منهم ومن هو على قيد الحياة منهم، ومن لهم حقٌّ علي من ولاةٍ، وأساتذةٍ، ومشايخ، وزملاء.

ثم صليت ما شاء الله لي أن أصلي، ثم انتقلت إلى الجهة الأخرى فصليت ما شاء الله أن أصلي، ثم إلى الجهة الأخرى وهكذا.

والناس من حولي يصلون، ويدعون، ويشكرون، ويتضرعون، ويبكون.

ومن فضل الله أن الكعبة في ذلك الوقت ليس فيها عددٌ كبير؛ فلم أضايق أحداً، ولم أجد مضايقةً من أحد.

ورجال الأمن يراعون الداخلين، ولا يستعجلونهم طالما أن الزحام قليل؛ فمكثت ولله الحمد ما يقرب من نصف الساعة أو يزيد.

وكنت أرى الناس يمسحون الكعبة بالمناديل المبللة بماء زمزم، وماء الورد، وكل من أتى أخذ منديلاً؛ فصار يمسح الكعبة، وربما مسحها بعضهم بغترته.

ولكوني أدخل الكعبة أول مرة، وفي يوم تغسيلها لم أعلم أن ذلك هو تغسيل الكعبة، بل ظننت أن تغسيلها إنما يكون إذا قدم أمير مكة؛ فيغسلها نيابة عن خادم الحرمين؛ ففاتني ذلك الشرف العظيم، ولعل الله ييسر فرصة أخرى لذلك.

أما شعوري داخل الكعبة فلا يكاد يوصف من الفرحة، والسكينة، والأنس.

ووالله إن تلك الصلوات التي صليتها في جوف الكعبة لمن أَلَذِّ وأحلى الصلوات في حياتي، ولم يكن بودِّي أن أخرج إلا لما بدأت الوفود تأتي إلى الكعبة مرة أخرى.

حينها تلطف أحد رجال الأمن بابتسامة طاهرة، وكأنه يشير بها إلى أن نعطي الفرصة لغيرنا؛ فخرجت من الكعبة، وبودِّي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعها.

ثم نزلت قليلاً، ورأيت أمامها بأمتار بعض الأحبة جالسين، وكان من ضمنهم الصديق المذيع الأستاذ عبدالرزاق العليوي، وكنت قد رأيته قبل الدخول بساعة، واتفقت معه بعد دخول الكعبة على إجراء لقاءٍ إذاعي حول الكعبة، وتغسيلها، فقال لي: لقد تأخرت علي، وانتهى وقت البرنامج، فقلت له: وهل تلومني؟ فقال: لا، وقلت له: أعلم أن برنامجكم مباشر، فوعدته بأن أشاركه في حلقة حول الكعبة؛ فكانت المشاركة فيما بعد في حلقة مستقلة.

وبعد أن جلست قليلاً خرجت من المسجد الحرام، والتفت إلى الكعبة، وألقيت عليها نظرة، ولسان حالي يقول:

ومما شجاني أنها يوم ودَّعت *** تولت وماء العين في الجفن حائر
ولما أعادت من بعيد بنظرةٍ *** إلي التفاتاً أَسْلَمَتْه المحاجر

ثم ذهبتُ إلى أصحابي، وصرنا نتحدث عن ذلك اليوم السعيد، وصار بي من النشاط، والفرح الشيء الكثير بالرغم من قلة النوم قبل ذلك اليوم وبعده.

فلله ما أحلى تلك الأصبوحة، وما أجملها، ولله ما أروع تلك البَنِيَّة القوراء، وما أجملها، وما أشد حبَّ المسلمين لها، وارتباطهم بها.

وما أحرانا أن نستحضر تلك المعاني، وأن تكون حاضرة في أذهاننا، فوَّارة بها مشاعرنا؛ حتى لا تبرد جذوتُها؛ فتخبو، أو تهمد، أو تموت؛ [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ].

وأذكر في هذا السياق أنني كتبتُ مقالاً عنوانه (برود المعاني)؛ إذ باعثه الحث على ألا تبرد في النفوس شعائر الإسلام، ومشاعره العظام.

وقد ذكرتُ فيه أنه قد زارني قبل سنوات طبيب من إحدى البلاد العربية، وكان يعمل في أحد المستشفيات، وقد كان على النصرانية ودخل في الإسلام حديثاً، وكان عمره آنذاك يزيد على الأربعين سنة.

ولاحظت فيه فرحاً، ورِقَّةً، واستشعاراً لعظمة الإسلام، وقناعةً تامة بما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم -.

وكانت لديه مشكلة في علم والديه الكبيرين، وأصحابه الذين يعرفونه؛ فكان يخشى أن يتكدر والداه إذا علما بإسلامه؛ لذا صار متردداً في إخبارهم بذلك، فكان يخفي إسلامه.

وترتب عليه أن هُوِيَّته كانت نصرانية، وكان يرغب في أن تُعَدَّل إلى الإسلام.

كل ذلك من أجل أن يدخل مكة، ويؤدي الحج والعمرة.

وقد دار بيني وبينه حديث طويل حول هذا الشأن، فكان إذا جاء ذكر مكة، والكعبة فاضت عيناه بالدمع، وصار يُرَدِّد: هل يعقل أنني سأذهب إلى مكة؟ وهل أتصور أنني سأرى الكعبة وأطوف حولها؟ هل سيتم ذلك لي؟

حتى إن وجهه ليحمر من شدة ما يعتصره من حرقة، ويحدوه من أمل.

تعجبت من هذا الشعور، وكيف كانت معاني الإسلام، والمشاعر المقدسة حارَّة فوارة في حِسِّه في الوقت الذي بردت فيه تلك المعاني عند كثير من المسلمين.

وبعدها بسنوات قابلت بعض المسلمين من فرنسا، وألمانيا، ورأيت عندهم ما يزيد على ما عند صاحبنا الأول من حرارة الأشواق، وصدق المشاعر، وحضور معاني الإسلام، وقوة الاعتزاز به.

بل لقد قابلت قبل تلك المواقف بسنوات في شهر رمضان 1411هـ في الحرم المكي رجلاً أمريكياً يقول: إنه يعمل في إحدى وكالات الأنباء العالمية، قابلته في صحن الحرم، وكان الوقت بعد العصر، ودار الحديث معه في جمع من الإخوة، وكان لا يركز كثيراً في الحديث، بل كان بصره مشدوداً إلى الكعبة لا يكاد يلتفت عنها يمنة أو يسرة.

فلما قال له أحد الحاضرين: ماذا تصنع؟ ما الذي يشدك إلى الكعبة؟

قال: لا أستطيع وصف هذا الشعور، ولو أن الأمريكان جاؤوا إلى هذا المكان، ورأوا الكعبة مباشرة، وما يكسوها من الجلال والروعة – لربما أسلموا دون دعوة.

والأمثلة على ما ذُكِرَ كثيرة جداً، وعند غيري خصوصاً ممن يمارسون دعوة غير المسلمين الشيءُ الكثير من ذلك القبيل.

والشاهد مما مضى حضور معاني القدسية، واستشعار عظمة الله، وحرارة العواطف تجاه الإسلام عند هؤلاء.

تلك المعاني والمشاعر، والعواطف التي بردت في حس أكثر المسلمين، وصارت أشبه بالأمور العادية جداً.

ولعل سبب ذلك أن كثرة الإمساس تقلل الإحساس.

لذا فإن الحاجة شديدة لاستحضار تلك المعاني، وتجديدها في القلوب.

ولعل من أعظم أسباب ذلك: التدبرَ في الآيات التي تدعو إلى تعظيم شعائر الله، واستدعاء الذكريات التي تبعث الأشواق، وتجدد معاني الإيمان؛ فإذا استشعر المسلم -مثلاً- فرضية الصلاة، وأنها فرضت في السماء ليلة عرج بالنبي- صلى الله عليه وسلم – وأنها صلة بين العبد وربه، وأن قَدْر الإسلام عنده كقدر الصلاة في قلبه، إلى غير ذلك من المعاني التي تدور في هذا الفلك – كان ذلك داعياً إلى إحيائها في قلبه وشعوره، وإعطائها حقها من التكميل والخشوع.

وقل مثل ذلك في الحج؛ بحيث يستشعر أن بطاح مكة كانت موطئ أقدام الأنبياء، وأنها أشرف الأماكن، وأحبها إلى الله، وأنه إذا سار فيها متعبداً لله صار امتداداً لتلك السلسلة المباركة، والركب الميمون من خاصة عباد الله من الأنبياء، والصديقين، والصالحين.

وقل مثل ذلك في شأن كثير من العبادات التي تنطوي على الحكم والأسرار.

وكذلك الحال بالنسبة لكثير من الأعمال التطوعية التي يبرد إحساس بعض القائمين بها من جراء طول العهد؛ فلا يكاد يستشعر عظم ما يقوم به، ولا الأجور المترتبة على ذلك.

فما أحوجنا إلى تجديد تلك المعاني، وتحريك تلك المشاعر، وألا يكون طول الأمد سبباً لبرود مشاعرنا، وتبلد إحساساتنا، وقسوة قلوبنا؛ لعلنا بذلك ننبعث إلى زيادة الإيمان، وقوة الإقبال على الله -عز وجل-.

ولعل من أسرار تكرار بعض العبادات يومياً كالصلاة، أو أسبوعياً كالجمعة، أو سنوياً كصيام رمضان، أو عمرياً كالحج – أن يكون المؤمن على ذُكْرٍ من هذا المعنى، ألا وهو تجديد الإيمان، وإقامة ذكر الله، وإحياء تلك المعاني في النفوس؛ لتبقى فوارة حية؛ فإذا كان الأمر كذلك فإنه يعني حياة القلوب.

وإذا كانت الأخرى فإن ذلك يعني خمودَها أو موتَها.

هذا ما أوحى به دخول الكعبة المشرفة، والصلاة فيها.

والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الزلفي 8/2/1440هـ

 

 

 

[1] _ أبو داود (4847) والترمذي في سننه (2814) وفي الشمائل (120).

[2] _ عثَّر: مكان مشهور بكثرة السباع، والغيل: الشجر الكثير الملتف. انظر السيرة النبوية لابن هشام 4/114_115.

[3] _ أخرجه مسلم (121).

([4]) انظر الرسالة الصفدية 226_227.

([5]) الرسالة الصفدية ص227.

([6]) الرسالة الصفدية 227.

([7]) الرسالة الصفدية ص227، وانظر النبوات 1/510.

([8]) هو أبو محمد عبدالحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الرقوطي الأندلسي؛ نسبة إلى بلدة رقوطة، وهي قريبة من مرسية، المشهور بابن سبعين، وهو من الصوفية الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود، ولد سنة 614هـ، وكان في الأندلس ثم نزل مكة، وتوفي سنة 669. انظر العبر في خبر من غبر للذهبي، 5/391_392، ولسان الميزان 3/392.

([9]) انظر الرسالة الصفدية  227.

[10] _ الموبَّلة: المثقلة

[11] _ سبأ: أرض باليمن

[12]  _ رجال مأرب: هم سدنة الكعبة, وهم أولاد مأرب بن إسماعيل

[13] _ انظر الجواب الصحيح 5/255, ونحو ذلك في سفر أشعياء الإصحاح الستون 4_7 والعهد القديم 840

[14] _ الجواب الصحيح 5/ 256, وانظر هداية الحيارى ص 155

[15]_ لجواب الصحيح 5/259, وانظر نحو ذلك في الترجمة الحالية لهذه البشارة في سفر أشعياء الإصحاح الرابع والخمسون1_3 والعهد القديم 835

[16]_  الجواب الصحيح 5/259, وانظر هداية الحيارى ص 156

[17]_  الأكاليل: شبه عصابة للرأس تزين بالجواهر, ويسمى التاج إكليلاً. انظر مختار الصحاح 577

[18] _ الخرابات: المواضع. انظر مختار الصحاح 171

[19] _ الرقوب: الذي لا ولد له. انظر المصباح المنير ص 234

[20] _ انظر الجواب الصحيح 5/263

[21]_ الجواب الصحيح 5/ 263_265

[22] _ هداية الحيارى ص 157, وانظر الإصحاح الحادي والستين من سفر أشعياء

[23] _ يعني أمن الحرم المكي.

[24] _ هداية الحيارى ص 157

 [25]_ الوهن: نحو منتصف الليل.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك