الغلظة في الخطاب

26 يونيو، 2016 312 عدد الزوار

فتجد من الناس من هو غليظ القلب، ذو فظاظة، وكزازة، فإذا خاطب الناس أغلظ لهم في القول، وجابههم بالعنف، وواجههم بالشدة.

وتجد من الناس من يذهب في الإنكار على من يراه مبطلاً مذهب الفظاظة في القول، فيرميه باللعن والشتائم.

مما يبذر الشقاق الذي نهينا عنه، بل ربما حمل المبطل على التعصب لرأيه، وقبض عليه باليمين وبالشمال.

وهذا السلوك لا ينبغي؛ وذلك بسبب ما يفضي إليه من شر، وعداوة، ومباغضة.

فالناس يعرفون أن طريقة السباب إنما يسلكها العاجز عن إقامة الحجج الدامغة، ولهذا ترى المقال الذي يحرر في سعة صدر وأدب مع المخالف-يجد من القبول وشد الأثر في النفس مالا يجده المقال الذي يخالط السفه والحماقة.

فالكلام الطيب العفُّ الَّلِّين يجمل مع الأصدقاء والأعداء جميعاً، وله ثماره الحلوة، وظلاله الوارفة.

فأما مع الأصدقاء فهو يحفظ مودتهم، ويستديم صداقتهم، ويمنع كيد الشيطان أن يوهي حبالهم، ويفسد ذات بينهم؛ فالشيطان متربص ببني آدم، يريد أن يوقع بينهم العداوة، والبغضاء، وأن يجعل من النزاع الحقير عراكاً دامياً.

ولن يسد الطريق أمامه كالقول الجميل.

وأما حسن الكلام مع الأعداء فهو يطفئ نار الخصومة، ويكسر حدة العداوة، أو هو على الأقل يوقف تطورَ الشرِّ، واسْتِطَارَ الشَرَر.([1])

فيا لله كم للكلمة الطيبة من أثرٍ في النفس، وكم لها من وقعٍ عظيمٍ في القلب، فكم من مودةٍ استجلبت بها، وكم من عداوةٍ مغراةٍ وئدت بسببها.

قال-تعالى-: [وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً] (الإسراء: 53).

قال ابن كثير-رحمه الله- في تفسير هذه الآية: “يأمر-تبارك وتعالى-عبده ورسوله–صلى الله عليه وسلم-أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلامَ الحسنَ، والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشرُّ، والمخاصمةُ، والمقاتلة؛ فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، وعداوتُه ظاهرة بينه”([2])

وقال-تعالى-: [وقولوا للناس حسناً] (البقرة: 83)

قال ابن سعدي في تفسير هذه الآية: “ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.

ولما كان الإنسان لايسع الناس بماله أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول؛ فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح حتى للكفار”.([3])

وإذا كان لين الكلام يجمل مع كل أحد-فَلَأنْ يجمل مع من له حق، أو جاه، أو رياسة من باب أولى؛ فمخاطبة هؤلاء باللين أمر مطلوب شرعاً، وعقلاً، وفطرةً، وهكذا كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يخاطب رؤساء العشائر والقبائل.([4])

قال-تعالى-لموسى-عليه السلام-عندما بعثه إلى فرعون: [اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى] (طه: 44، 23)

وقال-عز وجل-في الآية الأخرى: [اذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى] (النازعات: 17-19)

قال ابن القيم-رحمه الله-: “وتأمل لامتثال موسى لما أُمِر به كيف قال لفرعون: [هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى] فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لامخرج الأمر، وقال: [إلى أن تزكى] ولم يقل: إلى أن أزكيك، فنسب الفعل إليه هو، وذكر لفظ التزكي دون غيره؛ لما فيه من البركة، والخير، والنماء.

ثم قال: [وأهديك إلى ربك] أكون كالدليل بين يديك، والذي يسير أمامك.

وقال: [إلى ربك] استدعاءً لإيمانه بربه الذي خلقه، ورزقه ورباه بنعمه صغيراً وكبيراً”.([5])

ولولا أن هذه الكلمات النيرات المباركات الطيبات التي تأخذ باللب، وتنفذ إلى شغاف القلب لولا أنها وجدت قلباً قاسياً، عاسياً، مارداً على الكفر والطغيان-لأثّرت به، وقادته إلى الهدى والرشاد.

وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه: [يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا] (مريم: 42-45)

قال ابن القيم-رحمه الله- معلقاً على هذه الآيات: “فابتدأ خطابه بذكر أُبُوّتِهِ الدالة على توقيره، ولم يسمّه باسمه، ثم أخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: [لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا] ولم يقل: ما لا تعبد، ثم قال: [يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك] فلم يقل: إنك جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: [جاءني من العلم ما لم يأتك].

ثم قال: [يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا] فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه.

وقال: “يَمَسّكَ” فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره، ثم نَكّرَ العذاب، ثم ذكر الرحمن، ولم يقل الجبار، ولا القهار، فأي خطاب ألطف وألين من هذا؟”.([6])

وبعد أن تبين لنا ما للكلام اللين من فضل وأثر-لِقَائِلٍ أن يقول: هل اللين هو الأسلوب الذي ينبغي سلوكه مع كل أحد، ولا يُعْدَل عنه إلى غيره؟.

والجواب أن يقال: نعم هذا هو الأصل في الكلام حتى مع المخالفين كما قال-تعالى- [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] (العنكبوت: 46).

ولكن قد يعدل عنه إلى غيره حسب ما تقتضيه الحكمة ومقامات الأحوال.

مثال ذلك أن يجور علينا أثيم، فيتعدى حدوده، ويَلجَّ في عتوه ونفوره، ويتبجح في نفث سمومه وبث شبهاته.

فمثل هذا لاينفع مع اللين، بل يتعين-والحالة هذه-أن يكبح جماحه، وأن يرد عدوانه؛ ولهذا قال-تعالى-في تمام الآية السابقة في شأن مجادلة أهل الكتاب: [وإلا الذين ظلموا منهم] (العنكبوت: 46).

ولهذا كان موسى-عليه السلام-متلطفاً مع فرعون غاية التلطف في بداية الأمر-كما مر قريباً-وعندما رأى موسى من فرعون العناد، والاستكبار، ومحاولة الصد عن الحق بعد أن اتضح له الدليلُ، واستبانت له السبيلُ-أغلظ له في الخطاب كما في قوله-تعالى- [وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً] (الإسراء: 102).

فأين هذا الخطاب من الخطاب الأول؟.

وفي نهاية المطاف، وبعد أن أيس من فرعون دعا عليه بتلك الدعوات العظيمة، التي كانت سبباً في هلاك فرعون ودماره.

 [وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون] (يونس: 88-89)


([1]) انظر خلق المسلم ص80، والدعوة إلى الإصلاح لمحمد الخضر حسين ص54.

([2]) تفسير القرآن العظيم3/45.

([3]) تيسير الكريم الرحمن1/73.

([4]) انظر بدائع الفوائد لابن القيم3/132.

([5]) بدائع الفوائد 3/132-133.

([6]) بدائع الفوائد3/133.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك