الغفلة عن مغبة الكلام

26 يونيو، 2016 493 عدد الزوار

فهناك من يطلق لسانه بالكلام دونما نظر أو مبالاة في آثاره، أو أبعاده.

فتجده يطلق القول على عواهنه غير عابىء بما يجره عليه من بلاء أو شقاء؛ فلربما كان سبباً في مقتله، ولربما كان سبباً في إذكاء عداوة، أو إشعال حرب، أو نحو ذلك.

قال أكثم بن صيفي: ” مقتل الرجل بين فكيه “([1]) يعني لسانه.

وقال المهلب لبنيه: ” اتقوا زلة اللسان؛ فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته، ويزل لسانه فيكون فيه هلاكه”([2])

قال الشاعر:

يصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه
 

 

  وليس يصاب المرء من عثرة الرّجْلِ
 
وعثرته من فيه ترمي برأسه
 
  وعثرته في الرجل تبرى على مهل([3])

والعرب تقول في أمثالها: “إياك وأن يضرب لسانك عنقك”.

أي إياك أن تلفظ بما فيه هلاكك.([4])

وقال علي -رضي الله عنه-: “اللسان معيار أطاشة الجهل، وأرجه العقل”.([5])

وقال بعض البلغاء: “الزم الصمت؛ فإنه يُكسبك صفوَ المودة، وَيُؤَمِّنُكَ سوءَ المَغَبَّةِ، ويُلْبِسُكَ ثوب الوقار، ويكفيك مؤونة الاعتذار”.([6])

وقال بعضهم: “اعقل لسانك إلا عن حق توضحه، أو باطل تدحضه، أو نعمة تذكرها”.([7])

وقال طرفه بن العبد:

وإن لسان المرء مالم تكن له   حصاة([8]) على عوراته لدليل([9])

يقول إذا لم يكن مع اللسان عقل يحجزه عن بسطه في مالا يحب-دل اللسان على عيبه بما يلفظ به من عور الكلام.([10])

وقال الآخر:

رأيت اللسان على أهله   إذا ساسه الجهل ليثاً مغيرا([11])

وقال عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: “زلَّةُ الرِّجْلِ عَظْمٌٌ يجبر، وزلة اللسان لاتبقي ولاتذر”.([12])

بل إن الإنسان قد يتكلم بكلمة لايلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لايلقي لها بالاً يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لايلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم”.([13])

ولهذا يجب على العاقل أن يخزن لسانه، وأن يزن كلامه؛ حتى لايقع فيما لاتحمد عقباه، فيندم ولات ساعة مندم.

قال ابن المقفع: “اعلم أن لسانك أداة مُصْلتة، يتغالب عليه عقلك، وغضبك، وهواك؛ فكلُّ غالبٍ عليه مُسْتَمْتِعٌ به، وصارفه في محبته.

فإذا غلب عليه عقلك فهو لك، وإن غلب عليه شيءٌ من أشباه ماسميت لك فهو لعدوك.

فإذا استطعت أن تحتفظ به، وتصونه فلا يكون إلا لك، ولا يستولي عليه، أو يشاركك فيه عدوك-فافعل”.([14])

وقال الماوردي -رحمه الله-: “واعلم أن للكلام شروطاً لايسلم المتكلم من الزلل إلا بها، ولايعرى من النقص إلا بعد أن يستوفيها.

وهي أربعة شروط، فالشرط الأول: أن يكون الكلام لداعٍ يدع إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرر.

والشرط الثاني: أن يأتي به في موضعه، ويتوخى به إصابة فرصته.

والشرط الثالث: أن يقتصر فيه على قدر الحاجة.

والشرط الرابع: أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به”.([15])

ثم شرع -رحمه الله-بتفصيل ذلك بكلام جميل.

وقال الزمخشري: ” خير الألسن المخزون، وخير الكلام الموزون؛ فحدِّث إن حدَّثت بأفضل من الصمت، وزين حديثك بالوقار وحسن السمت.

إن الطيش في الكلام يترجم عن خفة الأحلام، ومادخل الرفق بشيء إلا زانه، ومازان المتكلم إلا الرزانة”.([16])

 ([1])المحاسن والمساوئ لإبراهيم البيهقي ص427.

([2]) المحاسن والمساوئ لإبراهيم البيهقي ص427.

  • المحاسن والمساوئ ص428.

 

 ([4] ) الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص41 ومجمع الأمثال للميداني1/808.

 ([5]) أدب الدنيا والدين للماوردي ص275.

 ([6]) أدب الدنيا والدين للماوردي ص275.

 ([7]) أدب الدنيا والدين ص275.

 ([8]) حصاة: عقل.

 ([9]) ديوان طرفة بن العبد ص81، وانظر بهجة المجالس لابن عبد البر1/ 83.

 ([10]) انظر لسان العرب14/183.

([11]) بهجة المجالس1/83.

([12]) بهجة المجالس1/87.

([13]) أخرجه البخاري7/185 عن أبي هريرة.

([14]) الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع ص139.

([15]) أدب الدنيا والدين ص275.

([16]) أقوال مأثورة وكلمات جميلة، د.محمد بن لطفي الصباغ، ص148 عن أطواق الذهب للزمخشري، ص89.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك