الشيخ سليمان السليمان كما عرفته

23 يونيو، 2018 114 عدد الزوار

ودَّعت الزلفي يوم الثلاثاء 5 / 10/ 1439هـ علماً من أعلامها، وعالماً من أكابر من دَرَجوا على أرضها، عاش بهدوء، وفارق الدنيا كما عاش فيها.

ذلكم هو شيخنا الشيخ الجليل الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالعزيز بن صالح آل سليمان.

وكعادة الناس إذا مات علم من الأعلام تتابعوا على ذكر مآثره، ومناقبه – تنابعت الألسن والأقلام على إيراد ما يتيسر لهم من مآثر الشيخ ومناقبه.

ولا تثريب على الناس في ذلك؛ إذ هو من الذكر الحسن، ومن جملة لسان الصدق الذي يهبه الله من شاء من عباده.

ولا ينغص على ذلك ما يُرَدَّدُ من أننا لا نذكر أكابرنا إلا إذا ماتوا، على حدِّ قول الأول:

لا ألفينك بعد الموت تندبني *** وفي حياتي ما زودتني زادي

فالقضاء يحكي الأداء كما يقول الفقهاء.

ولأنْ يذكر أولئك – ولو بعد موتهم – خيرٌ من ألا يذكروا البتة.

بل إن ذكرهم بعد الموت نوع وفاء، وسبيل اهتداء واقتداء.

أقول هذا القول ويعلم الله أنني كثيراً ما أذكر في المجالس ما سأسطره الآن في حق حبيبنا، وشيخنا، وجارنا الفقيد الغالي أبي هشام الذي طافت بي الذكريات معه فور علمي بخبر وفاته.

وقبل وفاته بأيام رأيت رؤيا مفادها أني في حارتنا الأولى عند أحد الجيران في منزل أحد عُبَّاد الحي المشهورين بالعبادة والزهد – وهو العابد الشيخ المعَمَّر محمد بن عبدالله المسعود رحمه الله – المتوفى قبل ثلاثين سنة، ولما جلسنا لتناول القهوة بعد العصر سمعتُ مؤذن المسجد الجامع وكأنه المؤذن السابق الشيخ أحمد العمر- رحمه الله – يؤذِّن بـ: (الصلاة جامعة) مُؤْذِناً بكسوف الشمس.

وقد أخبرتُ بها بعض الأصدقاء، وسألتُ بعض المعبرين، فقال: أخبرك بتأويلها بعد العيد، ولم يخبرني إلى الآن.

وإلا إخالها إلا وفاة الشيخ سليمان – رحمه الله -.

ولن أُفيض في هذا المقال الموجز في ذِكْر مجملاتٍ لسيرة ذلك العلم، بل ولا إلى كثير من التفصيلات التي تحلل تلك الشخصية، وتحدد دقائق معالمها.

وإنما هي إشارات ربما لا يعلمها الكثير ممن لم يعرفوا الشيخ الجليل إلا إبان تقدمه في السن، ووصوله إلى أرقى درجات الأكاديمية، فتراهم يَعْجَبون من هذا العِلْمِ المتين، والموسوعية المبهرة.

وما علموا أن ذلك ثمرة تحصيل طويل، ودأب مستمر، ونَفَسٍ مُستريض.

لقد عرفت الشيخ سليمان منذ أن كنت في الخامسة من عمري تقريباً؛ وذلك بحكم الجوار؛ فمنزلهم مقابل لمنزلنا مباشرة، لا يفصلهما إلا ممر طوله خمسة أمتار تقريباً، وكان الشيخ يكبرني ببضع سنين.

وكانت العلاقة بين والدتي ووالدته وطيدة جداً، وكانتا – رحمة الله عليهما – متعاونتين على تكاليف الحياة، وما تقتضيه حاجات البيوت أنذاك.

وكنت أنا وإخوتي نغدو ونروح كل يوم تقريباً إلى بيت جارنا عبدالعزيز بن سليمان- رحمه الله – إما بحاجة ترسلها أمي إلى أم صالح – أم الشيخ – أو نأتي بها منها.

أو نذهب هكذا بدون حاجة، وإنما نأتي إلى أم صالح؛ فلا نخرج منها إلا بهدية مفرحة إما قطعة حلوى، أو حفنة مكسرات، أو مبلغ مالٍ، أو ما شاكل ذلك وجرى مجراه، مما يعرف عندنا باسم (الشَّرْط).

وكنا نعد الشيخ سليمان بمثابة الأخ الأكبر لنا؛ حيث سبقنا بسنوات للتعليم؛ إذ لما كان في أواخر المتوسطة، أو أوائل الثانوية في المعهد العلمي كنا في بداية الدراسة الابتدائية.

وكان الشيخ منذ صغره متفوقاً في دراسته، شغوفاً بالقراءة والاطلاع، وكان ذلك معروفاً عنه عند جميع أهل الحي.

ولا أذكر منه أدنى إساءة إلى أحد منا طيلة فترة الصبا، بل كنا نلقى منه الإحسان، والتعليم، والإجابة عما نسأله عنه.

ومما أذكره أن البيوت في مطالع التسعينيات الهجرية إلى قريب من الألف بعد الأربعمائة كانت من الطين في أغلبها، وكان بيتهم من الطين، وفي مدخل البيت جداران قد بُنيا من الجص الأبيض.

وكان هذان الجداران بمثابة السبورة، أو وسيلة الإيضاح للشيخ؛ إذ كان يكتب عليهما بخطه الجميل – وهو طالب في أوائل المتوسطة – أسماءَ الطيور، وربما رَسْمَها، فكنا نتهجَّى تلك الحروف، ونعرف أنها تعني ذلك الكائن، أو غيره.

وكانت حارتنا المسماة بالشرقية(1) بالرغم من صغرها مكتظة بالسكان، وفيها عدد من الجنسيات العربية بحكم التدريس، أو العمل، ففيها: المصري، والسوري، والفلسطيني، والأردني، واليمني.

وكان أبناء الحي كغيرهم يلتقون في المسجد، أو المدرسة، أو في داخل الحي، أو في بعض البقالات، أو في ساحات اللعب، أو بعد منتصف العصر؛ انتظاراً لمجيء الغنم إذا جاء بها الراعي من المرعى من الصحراء؛ حيث يخرج بغنم أهل الحي فجراً، ويعود بها قبيل المغرب؛ فكان الناس ينتظرونه ليأخذ كل واحدٍ أغنامه، وبعضها تذهب من نفسها إلى المنزل مباشرة.

وكان من ضمن تلك اللقاءات لقاءات بعد المغرب، أو بعد العشاء؛ حيث كان كبار السن يلتقون في مجالسهم، والأولاد يجلسون معهم، أو يجلسون عند بعض المصابيح الكهربائية في الحي؛ إذ لم تكن الشوارع أنذاك مضاءة، بل هي مظلمة؛ فيضع بعض أهل الحي مصباحاً كهربائياً يضيء بعض شوارع الحي، وكان في الحي ثلاثة أماكن أو تزيد يوجد فيها المصابيح؛ فكان أبناء الحي يلتفون حولها؛ للحديث، والمسامرة.

وسيأتي بيان لسبب ذكر ذلك، وتعلقه بالشيخ سليمان.

وكان في قرب حارتنا المكتبة العامة في الزلفي، وكانت تقع جنوب مصلى العيد المعروف، وكان الشيخ سليمان يذهب إليها كل صباح منذ بداية الدوام إلى أن تغلق المكتبة قبيل أذان الظهر، ثم بعد العصر إلى أذان المغرب.

وكان الشيخان عبدالله بن عبدالرحمن الداود، والشيخ راشد بن سليمان الرومي -رحمهما الله- أمينَي تلك المكتبة.

والذي لا يعرف الشيخ سليمان يظن أنه موظف في المكتبة من كثرة مداومته، وطول مكثه فيها.

وكان قارئاً نهماً، ولا أبالغ إذا قلت: إنه قرأ كل، أو جل ما في تلك المكتبة قبل دخوله الجامعة وبعد دخوله فيها قبل تخرجه منها.

ولا أبالغ – أيضاً – إذا قلت: إنه يكاد يستحضر جميع ما في المكتبة من الكتب، وأماكنها، وتصنيفها، ومحتوياتها.

وكنا صغاراً نصحبه إلى المكتبة؛ لقراءة الصحف، وبعض الكتب خصوصاً كتب القصص، ولأجل أن ننعم بالمكان الظليل في المكتبة، وربما يحصل مع ذلك بعض الشاي.

وكان من أهم ما يجذبنا أن نكتب أسماءنا حال دخول المكتبة في كشف الحضور اليومي ثم نوقع في خانة التوقيع، وكان ذلك يطربنا كثيراً.

ولو رجعت إلى تلك الكشوفات لرأيت كثرة الترداد.

وكنا نرى الشيخ سليمان مكبًّا على القراءة لا يكل، ولا يمل.

وكانت دراسة المعهد العلمي في تلك الفترة قوية في مناهجها، ومع ذلك لم يكن الشيخ يكتفي بها؛ إذ كان يرى أنها لا تروي نهمه، وتعطشه إلى العلم، والمعرفة.

وبعد صلاة العشاء يجتمع بعض شباب الحي حول الأماكن التي يوجد فيها مصباح كهربائي، وأذكر أن أشهرها مصباح على جدار جارنا الكريم عبدالرحمن بن محمد الحمود المسعود، وكنا نجتمع حوله.

ومما كان يدور في تلك المجالس أن يَذْكُرَ من يأتي إلى المكتبة ما قرأه في ذلك اليوم.

وكذلك كانت تُجرى مساجلات شعرية، أو مسابقات ثقافية.

ومن تلك المسابقات أن يُكَوَّنَ فريقان وتجرى مسابقة بينهما من خلال حروف الهجاء، فالفريق الأول يبدأ بالحرف (أ) فيذكر اسم إنسان يبدأ بذلك الحرف، ويذكر اسم حيوان، واسم بلد، وهكذا.

ثم يذكر الفريق الثاني مثل ذلك في الحرف الذي يليه إلى آخر حروف الهجاء، ثم تنتهي المسابقة بفوز أحد الطرفين.

وكان المرجع عند الصعوبات في ذلك الشيخ سليمان- رحمه الله -.

ومما يحضرني أننا في أحد الأيام وصلنا إلى الحرف (ذ) فذكرنا اسم إنسان، واسم حيوان، وعجزنا أن نجد اسم بلد.

ولم يكن في ذلك الوقت محركات بحث لا جوجل ولا أخواته، فرجعنا إلى الشيخ سليمان، وقلنا له: لا يوجد اسم بلد يبدأ بالحرف (ذ) فقال: بلى، يوجد في بلد عربي، ثم ذكر لنا أن في اليمن بلدة يقال لها (ذمار).

وأذكر أنه في يوم من الأيام أجرت إحدى وسائل الإعلام مسابقة في معرفة الصحابة طيلة أيام شهر رمضان، ففي كل يوم يطرح سؤال عن سيرة صحابي، ثم يقال: من هذا الصحابي؟

وكانت بعض الأسئلة معروفة خصوصاً إذا كانت لأحد مشاهير الصحابة -رضي الله عنهم-.

وفي يوم من الأيام ورد سؤال عن صحابي، فَذُكِرَتْ بعضُ أخباره؛ فلم يعرفه أحد في الحي؛ فأتينا الشيخ سليمان وهو جالس في المكتبة العامة، وذكرنا له صيغة السؤال الذي ورد فيه كذا وكذا من سيرة ذلك الصحابي، فقال على الفور: هذا عمير بن الحمام.

ولقد وهب اللهُ الشيخَ سليمانَ ذهناً صافياً، وقريحة وقّادة، وحافظة لاقطة، وذاكرة قوية، وجلداً عجيباً على القراءة والاطلاع؛ فكان ذا ثقافة عالية متنوعة؛ فلقد تسنى له في بواكير عمره قراءة أكثر كتب التراث، من أمهات كتب الشريعة بشتى فروعها، وأمهات الأدب، واللغة، ودواوين الشعر جاهليها، وإسلاميها، وعباسيها، وأندلسيها، ودواوين شعراء الدول المتتابعة، ودواوين شعراء العصر الحديث، وما يقع تحت يده من كتب المعاصرين، وكبار كتاب العربية كالرافعي، والمنفلوطي، والزيات، وطه حسين، والعقاد، وأحمد أمين، وأدباء المهجر كجبران وغيره.

وكذلك كتب الأدب، والقصص العالمية المترجمة، ككتب سومرت موم، وشار ديكنز، وتشيكوف، وديستوفسكي، وغيرهم.

وكذلك سلسلة الكتب التي تصدرها دار العلم للملايين ومنها ما يسمى بـ (الناجحون) وفيها سير متنوعة كسيرة أديسون مخترع الكهرباء، وسيرة هيلين كيلر، وبيتهوفن، ولويس باستير، وغيرهم ممن كانت المكتبة العامة حاوية لكتبهم، أو كان مما يشتريه مما يباع في المكتبات التجارية.

مع كثرة النظر في كتب السير، والتواريخ، والتراجم.

يضاف إلى ذلك قراءة جميع الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية، والدوريات الشهرية المحلية وغير المحلية التي تأتي إلى المكتبة العامة تباعاً.

مع الاطلاع على ما يدور في العالم من شتى الأخبار، والموضوعات، سواء كانت ثقافية، أو فكرية، أو سياسية، أو اجتماعية، بل ورياضية، أو غيرها.

ولم يكن بمعزلٍ عن القضايا العلمية، والفكرية المستجدة، بل كان يحرص على اقتناء الكتب الجديدة في ذلك.

بل أصبحت عادة القراءة أشبه عنده بحالة الإدمان الشديد الذي لا يستطيع أن ينفك عنه حتى آخر لحظات عمره، حتى إنه قبل وفاته بساعة، أو أكثر، وبعد أن أفاق من العملية التي أجريت له طلب من أحد أولاده كتاب قواعد الترجيح عند ابن عاشور في التفسير، وهي رسالة علمية جديدة طبعت حديثاً، فاشترى ذلك الكتاب من إحدى مكتبات بريدة؛ إذ كان منوماً في إحدى مستشفياتها، فقرأ من ذلك ما قرأ، ثم أغلقه ليكمله بعد أن يقوم من النوم؛ فعاجلته المنية.

ولو قدِّر أن يكتب، أو يُستمطر للكتابة أو الحديث عن تجربته في القراء، وطريقته فيها، ونظرته للكتب، ورأيه في أكثر ما قرأ – لكان في ذلك إضافة وأي إضافة.

وكان – مع ذلك – عفيفاً، نزيهاً، محافظاً على الصلوات في المساجد، حريصاً على التبكير إليها.

وأذكر أنه في تلك الفترة في أوائل التسعينيات وهو في مقتبل شبابه يلقي الكلمات الوعظية، ويجذب الحاضرين بصوته العذب الذي يشجي به الحاضرين خصوصاً إذا ألقى القصائد الوعظية، أو رتَّل الخطب.

وكان يصحب الشيخ الداعية عبدالكريم اليوسف المسعود -رحمهما الله- في الأماكن التي تُعقد فيها مجالس الذكر.

وما إن انتهى من دراسته الجامعية إلا وقد ملأ وِطَابَه من شتى العلوم والمعارف، والثقافات؛ فكان بارعاً في سائر فنون الشريعة من تفسير، وعلوم قرآن، وفقه، وأصوله، وحديث، ومصطلحه، وعقائد، ومذاهب، وطوائف.

كما كان آية في العربية، وشتى فنونها، وآدابها من نحو، وصرف، وبلاغة، وفقه لغة، وشعر، وأدب.

وكان ذا منطقٍ عالٍ جزلٍ، فلقد مارس الخطابة في جامع الدريبي سنواتٍ؛ فكان يقضي العجبُ من قوة خطابه، وبلاغة منطقه، ودقة معلومته.

بل كان يبالغ في تتبع ما يورده من أقوال العلماء، وتخريج الأحاديث بتوسع في الخطبة.

وكان – كذلك – ملمًّا بكثير من فروع الثقافة.

لذا كان جديراً بعد تخرجه من الجامعة أن يسلك أي تخصص دون أن يلقى أي عناء في دراسته.

ولكنه آثر القرآن وعلومه، فكان تخصصه الدقيق في ذلك، حيث كانت دراسته في الماجستير، والدكتوراه، وبحوثه للترقية في ذلك المجال، فكان آيةً في تفسير القرآن؛ وذلك لكثرة اطلاعه، وتنوع مصادره، وقراءته العميقة المتأنية لكتب التفسير، وعلوم القرآن قديمها وحديثها.

وكان جارياً في تفسيره على طريقة السلف في العقيدة، منبهاً على ما يقع فيه بعض المفسرين من تأويل، ونحوه مما يقع فيه الخطأ في هذا الباب.

ومما أعانه على ذلك وفرة اطلاعه على كتب السلف في باب الاعتقاد، وخصوصاً ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم؛ إذ هو يستحضر كتب هذين الإمامين، وكثيراً
ما يورد أقوالهما في دروسه من حفظه.

كما كانت له عناية بالغة في كتب دواوين السنة، وشروحها، وكتب الفقه في شتى المذاهب.

كما كان ذا ذوق أدبيٍّ واضح، وحفظ لكثير من أشعار العرب، وكثرةِ استشهادٍ بها، وفهمٍ لمعانيها.

وكان ذلك كله قائداً له لتوظيف تلك المعارف لتفسير الكتاب العزيز، والوقوف على دقائقه، وحلِّ معضلات التفسير، وترجيح ما يراه حال الخلاف.

ولو قدِّر له أن يفسر القرآن كله لكان تفسيراً يعد في مصافِّ التفاسير المعتبرة.

وقد مارس التدريس الجامعي طيلة عمره إلى أن توفاه الله.

كما قام بالتدريس في المساجد عدة سنوات.

وكان يبهر الطلاب بحسن منطقه، وتسلسل أفكاره، وحسن استحضاره للمعلومة والشاهد، وأقوال العلماء؛ فكأنه يقرؤها من كتاب.

وما علم كثير منهم أن ذلك ثمرة علم عتيق، ولم يكن وليد يوم، وليلة.

وكان يشارك في الكلمات التي تلقى في المساجد في رمضان وغيره، وإذا ألقى كلمة في موضوعٍ ما أتى بالعجب.

وأذكر قبل بضع سنوات أنه ألقى كلمة عن ليلة القدر مدتها نصف ساعة؛ فأتى بأقوال أهل العلم، والاختلاف فيها بتفصيل يعز نظيره.

ومع هذه السيرة العلمية الباهرة لا تراه متكبراً، أو متباهياً، أو ممارياً، أو تيَّاهاً، أو كثير الحديث عن نفسه.

بل لا يكاد من يجالسه أن يدرك ما هو عليه من المكانة العلمية، ولكأني بلسان حاله يقول كما قال الشافعي- رحمه الله -:

علي ثياب لو تباع جميعها *** بفلس لكان الفلس منهن أكثرا

وفيهن نفس لو يقاس ببعضها *** نفوس الورى كان أجل وأكبرا

وما ضر نصل السيف إخلاق غمده *** إذا كان عضباً أين وجَّهته فرى

ولقد عرفته منذ أوائل عمري – كما أسلفت – إلى أن زاملته في التدريس بكلية الشريعة وأصول الدين – فرع جامعة الإمام سابقاً، إلى أن تأسست جامعة القصيم، فكنت أصحبه في بعض الأيام حسب الجدول الدراسي.

وطيلة سنوات الزمالة كان هو هو من قبل من ناحية بساطته، وبُعْدُه عن التزيد، والترفع.

بل لقد كان متواضعاً جداً، مؤثراً للعزلة، والخمول؛ فتراه يصاحب بعض العوام، ويجالسهم كثيراً، ومن رآه ظنه واحداً منهم.

ولا أذكر أنه أساء إلى أحد في مطلع شبابه إلى أن فارق الدنيا، بل كان مسالماً بعيداً عن المشاحنات، والمزايدات.

وكان من دأبه – مع علو كعبه في العلم – التواضع لمن هم دونه في العلم، والمسارعة إلى تهنئة من ينال رتبة علمية من معارفه مع قلة اتصاله، ومعذرتهم له لو لم يبادر إلى ذلك.

ومع هذا التواضع هو متصفٌ بعزَّة النفس، والترفع عن الدنايا، وصغائر الأمور.

وكان يستشير مَنْ هُمْ دونه في العلم والسن في بعض المسائل العلمية، وفي جدوى بعض الموضوعات لأن تكون رسائل علمية.

ومع دِقَّته البالغة، وكونه نقادةً بصيراً بمواضع الخلل في الكتب، والمقالات، والخطب – لم يكن يبدي أي احتقار، أو تنقُّصٍ لأحدٍ، وإن سُئِل عن شيء من ذلك أشار إشارةً مقتضبة جداً، وربما سكت، مع كثرة ما يقرؤه لمن هم دونه، وكثرة ما يسمعه من الكلمات التي تلقى أمامه في المساجد في رمضان وغيره.

ومن أعظم صفاته الصبر على البلاء، فلقد ابتلي في سنواته الأخيرة بأمراض عدة، فلم يكن يشكو منها، أو يخبر أحداً بها إلا القلة من أقرب الأقربين من أولاده – كما أخبرني بذلك ابنه الأكبر هشام -.

ومع شدة اشتداد المرض عليه لم يكن يترك صلاة الجماعة، والتبكير إليها، ولا شهود الجنائز.

ولا أدل على ذلك من أنه أصيب بجلطة وهو قائم يصلي مع الناس ليلة السابع والعشرين من رمضان ثم توفي بعدها بعدة أيام.

ومن حميد صفاته ورعه في المكاسب، ومن الأمثلة على ذلك أنه لما صُرِف له بدل الحاسب من قِبَل الجامعة – رَفَضه، وكتب للمسؤولين: أني لا أستحقه؛ لأني لا أحسن التعامل معه إحساناً يستحق أن يصرفَ لي مكافأة عليه.

ومن صفاته الجميلة ثبات الود، والمحبة لجيرانه، وأصحابه الأوائل؛ فبرغم أن الجيران الأوائل تفرقوا، وابتعدت مساكنهم عن بعض، وبرغم ما ناله من المكانة العلمية – لم يتغير أبداً على أحبابه، وأصدقائه، وجيرانه، بل بقي كما عهدوه من قبل.

وكانت والدتي – رحمها الله – تجلُّه كثيراً منذ أن كان صغيراً، فكان يرسل إليها السلام، وترسل إليه السلام بعد أن تفرقت بنا المنازل.

ولا أزال أذكر تعزيته المؤثرة المكتوبة التي أرسلها لي في والدتي لما توفيت في 3 /9 / 1433هـ.

وإن مما يؤسف عليه في سيرته أنه لم يُخْرج كتبه في حياته، وكنت كثيراً ما أتكلم معه حول ذلك، وهو يقول: إن شاء الله سأخرجها، ولكنها تحتاج إلى مزيد تنقيح؛ فكنت أمازحه وأقول: ما وراء هذه الدقة دقة، بل أظنها تحتاج إلى مزيد وسوسة، فكان يضحك من ذلك.

وقبل وفاته بفترة اتصل عليَّ وقال: أريد أن أخرج عدداً من البحوث عندي فما السبيل؟

فقلت: الحمد لله بشَّرك الله بالخير، الأمر يسير، تطبعها دور النشر، أو مركز تفسير سيرحبون بك، ففرح بذلك، واتصلت بمدير المركز الأخ الصديق الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن معاضة الشهري، فسُرَّ بذلك أيما سرور، وقال: نسمع بالشيخ، وبسعة علمه، ونريد أن نطبع رسائله.

وبعدها قال الشيخ سليمان: إن  شاء الله سأعدها للطبع، ثم حالت المنية بينه وبين ذلك.

فلعل الله يبعث همة أولاده ومحبيه لنشر تراثه، ولو ما أعده من رسائل علمية – الماجستير والدكتوراه – أو بحوثه المحكمة، أو ما علَّقه على بعض الكتب، أو ما حرره في بعض المسائل، أو ما أملاه على الطلبة.

وفي ختام هذه الكلمة العجلى أود أن أشير إلى أمرين:

الأمر الأول: آمل من زملاء الشيخ في الأقسام العلمية التي دَرَّس فيها الشيخ سواء في جامعة القصيم أو جامعة المجمعة أو غيرهم أن يُعنوا بعلم الشيخ، ومنهجه، وجهوده في التفسير وعلوم القرآن عموماً، وذلك من خلال رسالة علمية – ماجستير أو دكتوراه -، أو أكثر من رسالة؛ فهو جدير بذلك.

الأمر الثاني: أن الشيخ سليمان – رحمه الله – كان من طبيعته – كما مر – أنه مؤثر للعزلة، قليل المخالطة للناس – مع ما له من مشاركات في التدريس، وإلقاء الكلمات وغيرها.

وهذا راجع إلى فهمه لطبيعة نفسه، وتقديره لما يناسبه، ويلائمه من حال.

لكن لا يعني أن يكون ذلك الأمر – وهو إيثار العزلة والخمول – هو المسلك الأَمَم الراشد الملائم لكل أحد؛ فالناس لا يمكن أن يسيروا على سنة واحدة؛ ولكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناسٍ مشربهم.

يقال ذلك؛ لأن بعض من يتكلمون عن أمثال الشيخ لا يروقهم إلا مسلكه في قلة المخالطة؛ فيوحى للناشئة بطريق غير مباشرة أن ذلك هو المنهج الصحيح، وأن من يتصدون للناس، ويتصدرون لهم على غير هدى.

والحقيقة أن كلا الفريقين على خير.

بل ربما كان المتصدي المتصدر بحق أعظم أجراً، وأخلد أثراً.

هذه كلمات موجزة لا توفي الشيخ حقه، ولعل الله ييسر فرصة أطول لكتابة أوفى.

رحم الله شيخنا سليمان السليمان، وأسكنه فسيح الفردوس الأعلى، وأورثه صحبة النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الزلفي 6 / 10/ 1439هـ

(1) لأنها تقع في شرقي البلد، وهي إلى الآن قائمة، وتقع شرقي جامع الملك عبدالعزيز في محافظة الزلفي.

 

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك