الشيخ سليمان السليمان كما عرفته (2)

1 يوليو، 2018 995 عدد الزوار

كتبتُ بعد يوم من وفاة شيخنا الجار العزيز الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالعزيز آل سليمان كلمة أبنْتُ فيها بعض ما أعرفه عن الفقيد -رحمه الله- وعن بعض جوانب حياته، وأحواله مع القراءة، والعلم، والدأب، والتحصيل، وما كان عليه في ذلك الشأن.

وكنت متوقعاً أن بعض من يقرؤون تلك الكلمة من معارفه – فضلاً عن غيرهم – قد
لا يتصورون ما كان عليه الشيخ سليمان من الذكاء، وطول الباع، وسعة الاطلاع.

ولكن لم أكن متوقعاً أن يكون بتلك الصورة التي صارت بعد نشر الكلمة؛ حيث توالت الرسائل، والاتصالات من قريب ومن بعيد، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

وكلها تعبر عن إعجابها بالشيخ، ورغبتها بالمزيد من الحديث عن شخصيته، وعلمه، وسيرته، وتضيف بعض ما تعرفه عن الشيخ.

وكان ممن اتصل حول ذلك الشأن أصدقاء لي وله، وأساتذة كبار من زملائه في الجامعة وغيرها، وكثير من معارفه، وطلابه؛ حيث أبدوا أنهم يعرفون الشيخ، ولكنهم لم يتصوروا
ما هو عليه من النبوغ، والتميز، والتفرد.

بل إن أحد أئمة المساجد التي يصلي فيها الشيخ باستمرار قال: إن الشيخ يصلي معي منذ أكثر من عشرين سنة، وما كنت أظنه أنه بهذه المثابة.

ولأجل ذلك، ولكون الكلمة السابقة كتبت على عجل، وجاءت عفو الخاطر، ورغبةً في مزيدٍ من تسليط الضوء على تلك السيرة الغراء أكتب هذه الكلمة المكملة لسابقتها، وسأسير في كتابتها على وَفْقِ الأولى من جهة الانطلاق فيها على السجية؛ آملاً أن توفِّي الفقيد بعض حقه، ولأجل أن تؤخذ العِبَر من تلك السيرة.

ولا ريب أن أخبار العلماء، والأكابر خصوصاً إذا كانوا معاصرين، ثم ماتوا دون أن يُعْلَم عن سيرهم شيء – لا ريب أن ذلك مما ترتاح له الأسماع، وتنشرح له صدور من يَقْدُرون المكارم قَدْرَها.

وعند هبوب الناشرات على الحمى *** تميل غصون البان لا الحجرُ الصلدُ

فكيف إذا كانت سيرهم مغمورة، وأكثر الناس لا يعلمون عنها شيئاً، أو يعلمون القليل منها؟

هذا وإن من أول ما يلفت نظرك في سيرة الشيخ سليمان أنه من فصيلة ما يمكن أن يقال عن الواحد منهم: إنه (كبيرٌ وهو لا يدري).

فمن خالطه، أو تتلمذ عليه في الجامعة، أو غيرها – يعجب من هذه القامة العلمية السامقة، ويعجب مرة أخرى من كونها هادئةً لا تحس لها وجْبَةً، ولا تسمع لها ركزاً؛ إذ كيف لا يُعرف؟ وكيف تراه في غاية ما يكون من البساطة والتواضع وهو على هذا الطراز من الألمعية، والتوقد، والنبوغ.

والسر في ذلك أن الشيخ من تلك الفصيلة المشار إليها؛ إذ هو لا يشعر أنه متميز، ولا أن ما عنده جديرٌ بالحفاوة، والتقدير.

بل يرى أنه معدود من عامة الناس، وأن غيره من زملائه يفوقه بمراحل.

وهكذا يكون الكبير؛ إذ يصل إلى مرحلة من العلم يرى معها أنه لا علم عنده، كما عبَّر عن ذلك الشافعي – رحمه الله – إذ يقول:

كلما أدَّبني الدهـ *** ــر أراني نقص عقلي

وإذا ما زدتُ علماً *** زادني علماً بجهلي

وهذه الحالة تعتري من يدمن قراءة ما رَقَمَتْه يراعة أكابر العلماء من السلف ومن بعدهم؛ حيث يرى أنه لا شيء أمام تلك القامات التي سطرت، وأبدعت، وأَمْلَتْ ما أَمْلَتْ بالرغم من ضيق الإمكانات، وشَظَف العيش، وكثرة تكاليف الحياة؛ فربما هجمت عليه حالة من التصاغر؛ التي تجعله يتضاءل كثيراً؛ خصوصاً إذا كان ذا نفسٍ مطمئنة.

وسِرٌّ ثانٍ وهو طبيعة الشيخ الخجولة، وشخصيته المرهفة التي تحاذر من الوقوع في الخطأ، وتراعي مشاعر الآخرين، ولا ترغب في جرح الإحساسات.

وتلك الخصلة نمت، وزادت عنده مع كرور الأيام.

وسرٌّ ثالثٌ وهو بيئة الشيخ التي عاش فيها، وهي بيئة بَلَدِهِ الزلفي عموماً، وبيئة الحيِّ الذي كان يعيش فيه على وجه الخصوص؛ فتلك البيئةُ يغلب عليها الحياء، وتقدير الإنسان لأكابره؛ فلا تراه يتقدم بين أيديهم مهما بلغ من العلم، والقدر؛ فهي بيئة ناقدة لا تحب التعالي، ولا التفاخر، ولا التقدم ممن ليس أهلاً لذلك.

وهي تشترك مع غيرها من البلدان في ذلك، و لكنها قد تزيد عندها.

وتلك الخصلة لها عيوب، ومزايا؛ أما عيوبها فإنها قد تحبط بعض المواهب، وتصدها عن الترقي، وتورثها قلة الثقة بالنفس.

أما مزاياها فإنها تعلم الصبر، والتواضع، وقلةَ الحرصِ على التصدر، وإبداءِ الرأي في كل شأنٍ من الشؤون، وتنأى بالإنسان عن المعارك الصغيرة التي تأكل وقته وصحته أكلاً.

فإذا جاوز الإنسان تلك القناطر من الصبر، والمداراة، ونحوها، وشهد له أهل الفضل، والعلم، والعقل بالتميز، والتفرد – كان جديراً بالرفعة، والسيادة، والقيام بجلائل الأعمال التي ترضي الله، وتنفع الناس؛ فلا تراه يقوم مقاماً يزري به، ويحط من شأنه، ويجعله أضحوكة للآخرين.

ولا يدرك هذه المعاني الرفيعة الشأن إلا من عَرَكته الأحداث، وحنَّكته التجارب، ووسمته الأيام بميسمها، وكان ذا فطنةٍ مستيقظة تدرك أسرار الاجتماع، وتعتبر بتقلبات الأحوال، و:

إذا لم يكن مرُّ السنين مترجماً *** عن الفضل في الإنسان سميتُه طفلا

والشيخ سليمان – رحمه الله – واحدٌ من أولئك الذين عاشوا في تلك البيئة؛ فكان لها أثرٌ عليه.

وتلك البيئة حافلة بالنوابغ، والأذكياء، والوجهاء، والشعراء، والعباد المذكِّرين بالسلف الصالح، ومن لهم رسوخٌ في سائر الفضائل من عِفَّةٍ، وشجاعةٍ، وكرمٍ، ونخوةٍ، ونحو ذلك.

ومع هذا فلا يشعرك الواحد من أولئك أنه شيء يستحق الذكر، بل ربما استغرب ممن يذكره بشيء من ذلك.

وأعرف – على سبيل المثال – من هم في مصاف أكابر الشعراء في الفصيح وغير الفصيح، ولو ذكرتُ بعض شعره لطال منه العجب.

وتراه في الوقت نفسه لا يرى أنه شاعر، بل ربما احمر وجهه، وعلاه الرحضاء لو ذُكِرَتْ له بعض قصائده التي قالها.

وأكثر هؤلاء لا يحتفظ بقصيدة واحدة له؛ فإن قالها، ثم حُفِظت عنه، أو ظفر بها أحد وهي مكتوبة – بقيت، وإلا طواها النسيان، وصارت كأن لم تكن شيئاً مذكوراً.

أين هذا ممن يرى أن أشعر الشعراء، وهو في وادٍ، والشعرُ في وادٍ آخر.

وأذكر أن واحداً من هذا الصنف الأخير قال مرثية في عَمٍّ له، فعرضها علي؛ فكانت مهلهلةً مكسرة لا يستقيم له وزن، فضلاً عن أن تكون ذات مضمونٍ حسن، أو تجربة شعورية ناضجة، فحاولت صرفَه بالتي هي أحسن؛ غير أنه كان ممنوعاً من الصرف؛ فقال: لعلك تجبِّر بعض كسرها؛ فقلت له ممازحاً: هذه لا تحتاج إلى تجبير، وإنما هي ميتة تنتظر الدفن.

وأعرف من الناس عندنا من لا يطيق سماع صوته مسجلاً، أو عبر المذياع؛ فلا يكاد يكمل سماع كلمة مسجلة له خصوصاً إذا كان بحضرته أحد.

وذلك ليس بمحمود بكل حال، ولا مذموم بكل حال.

ولكن هذا هو الواقع – وإن كان بدأ يخفُّ أثره أخيراً.

ولو لم يأتِ من مزاياه إلا أنه ينزع من الإنسان المبالغة في تقدير ذاته، والوثوقية الزائدة بآرائه.

ولعلي أكتفي بذكر مثالين في ذلك السياق ممن كانوا في حيِّنا في الزلفي، وذلك الحي أو الحارة المعروفة بـ: الشرقية، وهي تقع شرق جامع الملك عبدالعزيز الآن، وكانت هي وسط البلد، شمالاً وجنوباً، وفي الجزء الشرقي من ذلك الوسط.

المثال الأول: الشيخ الوزير عبدالله الطريقي – رحمه الله – أول وزير بترول في المملكة العربية السعودية، تلك العقلية الجبارة النزيهة التي يطول الحديث عن ذكرها.

هذا الوزير بدأ تعلمه للقرآن، ومبادئ الكتاب في ذلك الحي، وعند أول أستاذ له، وهو الشيخ محمد بن عمر – رحمه الله -.

هذا الرجل الذي تدرَّج في العلم، وترقَّى في المناصب إلى أن وصل إلى ما وصل إليه أفاد من بيئته، ولم يستسلم للعقبات التي أمامه، بل استعان بها على ما هو بصدده؛ فكان ما كان من شأنه.

والمثال الثاني: رجل لا يكاد يعرفه أو يسمع به إلا القلة القليلة من الناس عندنا، ومن بعض كبار السن على وجه الخصوص.

وهذا الرجل قد سافر إلى الكويت قبل منتصف القرن الرابع عشر الهجري، ثم عاد إلى مسقط رأسه في الستينيات الهجرية تقريباً، ومكث فيها إلى أن توفي.

وله أولاد في الكويت، وأحد أولاده تولى إحدى الوزارات عام 1400ه تقريباً.

ولما عاد ذلك الرجل إلى الزلفي عاش وحيداً في منزله، وكان يكتب للناس، ويقرأ لهم ما يريدون قراءته، ويعيش بينهم كواحدٍ منهم، أو ربما يرى أنه أقلَّ منهم.

هذا الرجل كان عالماً بارعاً في الفلك، وكان يجيد الألمانية، والأردية، وربما غيرهما من اللغات.

وهو الذي علَّم الفلكي المشهور العجيري بعض دقائق علم الفلك.

ومع ذلك فجيرانه – كما يقول الشيخ المؤرخ ناصر العليوي – ربما تندروا به إذا رأوه يرقب طلوع الشمس، أو غروبها، ويضع الحصى في جهة، ثم يفرق بينها؛ ليصل إلى نتائج ذات قيمة في علم الفلك.

وقد مات منذ ما يزيد على أربعين سنة، ولا يكاد يعرفه الآن أحد إلا بعض من عاصروه.

هذا الرجل هو دخيل الرشيد العمر!

وأكاد أجزم أن أكثر من سيقرأ هذه السطور لم يطرق هذا الاسم سمعه من قبل.

فهذه بعض الأسباب التي آثر من خلالها الشيخ سليمان أن يعيش بين الكتب، وألا يكون له حضورٌ علميٌّ يليق به.

ومع ذلك – كما مر في المقال السابق – لم يكن الشيخ منزوياً كل الانزواء، ولم يكن بعيداً عن الناس كل البعد.

بل كان قريباً منهم، يقابلهم في المسجد، وفي الأسواق، وكان يحضر ما تيسر له من مناسباتهم.

ولا أذكر أنني دعوته إلى مناسبةٍ إلا يجيب، أو يعتذر اعتذاراً سميناً إما شفهياً، أو عبر رسالة جوال.

كما أنه لم ينقطع حتى وفاته عن الدروس، والكلمات.

ولم يكن حاله كحال بعض من يؤثرون العزلة من جهة ما تراهم عليه من التسخط على الناس، ومن قلة معرفتهم لأقدارهم، أو من تراهم يقابلون الناس بالعبوس، وتقطيب الجبين، أو ممن لا يرغبون أن يزورهم أحد، أو يزوروا أحداً.

لا، بل كان هاشًّا، باشًّا، يقابل الناس، ويأخذ معهم ويعطي، ويفيد.

وإذا طُلِب منه كتابٌ، أو فائدةٌ بادر إلى الإجابة.

وإذا زاره أحدٌ في منزله استقبله بكل ترحاب، وسامره، وآنسه.

يحدثني الصديق الزميل الدكتور منصور بن عثمان الضويحي أنه زار الشيخ سليمان قبل وفاته بشهر في منزله، وكان برفقة الدكتور منصور ابن عمه الأستاذ الدكتور أحمد بن عبدالله الضويحي، وأنهما جلسا عند الشيخ من الساعة التاسعة مساءً إلى الثانية عشرة.

ويذكر الدكتور منصور أن تلك الجلسة كانت – كالعادة –ماتعة مُمْرِعة.

ويقول: إننا قلنا للشيخ سليمان: لِـمَ لا تخرج مؤلفاتك التي لا تنقصها الجودة، والتحرير؟

فتبسم الشيخ، وقال: “لقد قال لي فلان – يعنيني -: أنت لا يعجبك العجب، ولا العمرة في رجب”.

ولو قُدِّر للشيخ أن يُـخرج مؤلفاتِه في حياته لكان له نَفْسٌ أخرى، وشأنٌ غيرُ شأنه الذي كان عليه.

ومن طبيعة الشيخ، وحسن معشره أنه كان يحب المزاح، وله تعليقات محببة يدركها من خالطه.

وأحفظ من ذلك العديد من تلك الكلمات التي يعبِّر عنها بنبرة صوتٍ يعرفها خاصة أصحابه، والمقربين منه.

وكان مما يعرف به في الحي، وعند أكثر معارفه إبان شبابه إلى أن مات بـ : (ابن سليمان).

وإن كان يعرف – أيضاً – فيما بعد باسم: (الشيخ سليمان السليمان).

وكان له أصدقاء، وزملاء طفولة، وبعضهم لم يكمل حتى دراسته الابتدائية، ومع ذلك استمرت علاقته بهم إلى أن فارق الحياة، وكان يجالسهم، ويحبهم، ويحبونه، ولا يشعرهم،
ولا يشعرون بأنه العالم الأستاذ الدكتور.

بل كان يزورهم أكثر مما كانوا يزورونه.

ولهذا ترى أن هؤلاء على درجة من الثقافة مع أنهم لم يكملوا دراستهم الابتدائية، وربما كان لكثرة جلوسهم مع الشيخ أثرٌ في ذلك .

وأذكر قبل عشرين سنة تقريباً أنه دار بيني وبين أحد هؤلاء حديث حول الفتوى، وكان ذلك الرجل ممن ليست له دراية في الكتب، ولا هو ممن يحضرون مجالس العلم، بل هو معدود من العامة، ولكنه محب للشيخ، مجالِسٌ له؛ فقال لي: “بعض الناس يتهاون بالفتوى، وما علم أنها توقيع عن رب العالمين”.

ولا ريب أن هذه الكلمة كلمة علميةٌ رصينةٌ رشيدة، وقد استغربتُ صدورها من مثل هذا العامي.

ولكن غرابتي زالت؛ إذ إن تلك الكلمة نفَسٌ من أنفاس الشيخ سليمان، وأن ذلك الصاحب قد قبض قبضة من آثاره.

ومن طبيعة الشيخ – رحمه الله – حياؤه، واقتصاده في إبداء الملحوظات، مع كونه نقَّادةً، بصيراً، دقيقاً.

وأذكر مثالاً لذلك، وهو أن لي كتاباً اسمه (رمضان دروس وعبر – تربية وأسرار) وكان يُقْرَأ في بعض المساجد في رمضان.

وفي يومٍ من الأيام أرسل الشيخ إليَّ رسالةً عبر الجوال تقطر حياءً وأدباً ينبِّه فيها على خطأٍ في عَزْو الحديث، وكان مصيباً في تنبيهه.

وكان من لُطْفه أن إذا قرأ كتاباً لأحد المعاصرين أنه يبدي إعجابه، ولا يخفيه، ولو كان المؤلف ممن يصغره في السن، ولو كان في طبقة طلابه؛ فلم تكن المعاصرة بالنسبة له حجاباً.

ومن أعظم ما تميز به الشيخ سليمان طيلة سنوات تدريسه في الجامعة أنه كان عصيًّا على الاستغراق في الأكاديمية البحتة؛ فبرغم انضباطه الشديد، وقيامه بما يسند إليه من مهام أكاديمية من نحو إلقاء المحاضرات على طلاب البكالوريوس، وطلاب الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه، وبرغم قيامه بالمنهج المسند إليه خير قيام دون تراخٍ أو إهمال، ودون أن يذكر له ما يخلُّ بشيء من هذه الواجبات، برغم ذلك كله لا تراه منطوياً على متطلبات التخصص الدقيق، ولا منزوياً في دهاليز أبحاث الترقية، وأعباء المنهج المقرر، ولا بأعمال مجالس الأقسام العلمية؛ بحيث تستغرقه، وتأكل وقته، وتشغله عما هو بصدده من مواصلة البحث، وكثرة القراءة في بقية المعارف، والتخصصات الأخرى.

وإنما استمر على نهجه الذي رسمه، وارتضاه لنفسه منذ بواكير عمره؛ فكان لذلك أبلغ الأثر في تنوع مصادره، ووفرة معلوماته، وتجدد علمه، واتصافه بما ينبغي أن يكون عليه العالم حقًّا، وأستاذ الجامعة صدقاً.

بخلاف كثيرين ممن إذا مضت عليه سنوات ليست بالكثيرة في التدريس الجامعي تخاذلت معلوماتهم، وربما نسي الواحد منهم ما كان عليه من قبل حتى في مجال تخصصه فضلاً عن بقية العلوم الأخرى المساندة للتخصص؛ فآل أمره إلى جهالة، وربما إلى قريب من العامية.

أما حال الشيخ سليمان فمن نوادر الحالات؛ فلا هو بالغارق في الأكاديمية، ولا بالـمُتَفَلِّت منها، الـمُقَصِّر في حقوقها.

ولا ريب أن الأكاديمية انضباطٌ، ودقةٌ، ومنهجية، وتطور مستمر؛ فإذا جمع الإنسان بين متطلباتها، وبين ما تقتضيه روح العلم كان ذلك نوراً على نور، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهذا ما جعل معلومات الشيخ سليمان حاضرة متجددة منذ بدايات تدريسه، إلى أخرياتها، أو حتى بعد تقاعده، وتعاقد الجامعة معه.

وأذكر أمثلة على ذلك:

يذكر الأستاذ الدكتور صالح بن فريح البهلال موقفاً له إبَّان دراسته في الجامعة مع الشيخ سليمان، فيقول: “كنت طالباً في المستوى الرابع من كلية الشريعة، وفيه يقرر على الطالب البحث العملي، وكانت الكلية قد وضعت بحثاً في هذا المستوى في تخصص التفسير، وعيَّنَت فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور سليمان السليمان – رحمه الله – مشرفاً على جزء من الطلاب، كنت أحدهم، فرأينا من الشيخ جداً في الإشراف، ونصحاً في الإرشاد، ودقة في النقد، وكان البحث أول بحث أكاديمي يمر بي، وكان قبيل خروج البرامج الحاسوبية، فكنت أعاني في جمعه جهداً ناصباً، فلا غرو أن يعتري البحث القصور في جمعه وترتيبه، ومراجعه ومسائله، قد أنهيته مكتوباً بخط يدي في خمس وخمسين ورقة، والورقة فيها ما يقارب (30) سطراً، مرصوفاً بعضها إلى بعض، فأشهد أن الشيخ – رحمه الله – تفحَّص ذلك البحث حرفاً حرفاً، فنبَّه على الهمزة الساقطة، والمد المغفل، وبين الكتب التي رجعت إليها بواسطة، وقلب الفهارس ظهراً لبطن، فبين السقط في أسماء الكتب، وكان من ضمن ملحوظاته أن راوياً مهملاً، أخطأت في تعيينه، فنبهني على الصواب، فأحسب أن الشيخ – رحمه الله – قد وفَّى أمانة الإشراف، وكان هذا البحث باكورة بحوثي، فأفدت من الشيخ – رحمه الله – حسن التحرير، ودقة البحث، ولا زلت محتفظاً بهذا البحث إلى يومنا هذا”.

ويضيف الدكتور صالح قائلاً: “وقد شرفتُ بزمالة الشيخ في قسم  الدراسات الإسلامية في كلية التربية في الزلفي، فذكرتُ له في العام الماضي 1438هـ أي بعد عشرين سنة من قراءته لبحثي الجامعي، وشكرتُ له دِقَّته، واستقراءَه له، فجعل الشيخ يلوذ بالتواضع، ثم قال لي: أذكر الراوي فلاناً – يعني الراوي الذي أخطأتُ في تعيينه؛ فتعجبتُ من هذه الذاكرة الحاضرة”. أ.ه

ويذكر الشيخ القاضي بندر بن محمد القشعمي موقفاً آخر بعد سنوات من الموقف الذي ذكره الدكتور صالح فيقول: أذكر أن الشيخ سليمان السليمان – رحمه الله – درسنا مادة التفسير عام 1422ه في فرع جامعة الإمام في القصيم أنذاك، وكنا في المستوى الرابع في كلية الشريعة، وأذكر أنه استشهد -رحمه الله- في أحد دروسه بقول للعالم (الشنفكي) وكان عدة أسطر، وكتبها كاملةً على السبورة من حفظه، فصار الطلاب – وفيهم طلبة علم متميزون – ينظر بعضهم إلى بعض، ويبتسمون – والشيخ يكتب – وهم متعجِّبون من هذا الاستشهاد، وقائله.

فالتفت الشيخ إلينا واستغرب من ضحك الطلاب!

فسألناه عن هذا الاستشهاد وصاحبه الذي لم يسمع أحدٌ منا باسمه، فقال: هذه مخطوطة للشنفكي لم تحقق بعد”. أ.ه

ويذكر الأستاذ عبدالله بن إبراهيم الرزق المدرس في المعهد العلمي في الغاط مواقف من تدريس الشيخ له في آخر فصلين دراسيين درسهما الشيخ سليمان قبل وفاته بمدَّةٍ يسيرةٍ لطلاب الماجستير، فيقول: “درسني الشيخ في جامعة المجمعة مرحلة الماجستير فصلين دراسيين في العام الدراسي 1438-1439هـ شرح خلالهما سورة الفاتحة، والرعد إلى آية (39) وفصِّلت كاملة، والمجادلة إلى آية (4) وبلغ عدد الصفحات التي أملاها ما يربو على (220) صفحة، وكلها من حفظه.

ومن عجائبه أنه عند تفسيره للآيات تجد جميع العلوم حاضرة في شرحه، مع براعته فيها، فيستطيع الطالب أن يتعلم جميع الفنون من خلال شرحه، فيذكر جميع أوجه الإعراب والاشتقاق اللغوي للكلمة، مع ذكر الشاهد عليها، وأقوال العلماء فيها بأسلوبٍ عالٍ ودقيقٍ، مع عزو الأقوال لأصحابها، ثم يذكر ترجيحه، والدليل عليه، ويقول: الوقت ضيق
وما يمدي نذكر كل ما قيل في الآية.

ومجموع ما حفظه الطلاب من الشواهد الشعرية التي ذكرها في شرحه ما يقارب (100) شاهد.

ولا يستشهد بحديثٍ إلا ويعلق عليه من جهة صحته وضعفه.

ومن شدة تعلقه بالقرآن وتفسيره أنه في أحد المحاضرات جلسنا أربع ساعات متواصلة، فيقول: لا تصيرون مليتوا، عجيب كلام رب العالمين، ما تشعرون باللذة اللي أنا أشعر بها؟” أ.ه

وهذه اللذة التي يجدها في تفسير كلام الله – عز وجل – تدلُّ على حبِّه للقرآن، وتخلله منه مسلك الروح، وقد سبقه إلى ذلك علماء، ومنهم السبكي؛ إذ يقول – رحمه الله -:

لأسرار آيات الكتاب مَعَانِ *** تَدِقُّ فلا تبدو لكل مُعانِ

إذا بارقٌ قد لاحَ منها لخاطري *** هممتُ قرير العينِ بالطيران

إلى أن يقول الأستاذ عبدالله الرزق: “ومما يدل على سعة اطلاعه أنني عرضت عليه خطة البحث، فأتى بها من الغد، وأضاف على الدراسات السابقة ثلاث دراسات لها تعلق بالبحث، مع العلم أن الشيخ لا يستعمل الأجهزة الحديثة في بحثه.

وكان يسأل الطلاب فإذا أجاب الطالب إجابة مجانبة للصواب يعلق عليه مازحاً، ويقول: قرأتُ جميع كتب التفسير التي بين أيديكم، ولم أذكر أن أحداً ذكر القول الذي ذكرت.

ومما يتميز به أن يلزم الطلاب عند كتابة البحث أن يكتبوه بخط اليد يقول: أثبت للمعلومة.

ويقرأ جميع البحوث قراءة فاحصة”. أ.ه

ولا ريب أن هذا الاطرادَ في التدريسِ، والرغبةِ في إفادة الطلاب، مع طولِ العهد، وأن ذلك لم ينل نيلَه من تلك الذاكرة الطَّيِّعة، ولا من المعلومات الوافرة – لا ريب أن تلك الحال حال نادرة جديرة بالتأمل، واستلهام العِبَر؛ إذ يلاحظ أن كثيراً من الناس في أوائل تدريسه قويٌّ في معلوماته، وفي أدائها، ثم لا يلبث أن تتراخى عراه؛ فيقِلُّ حماسه، وتضعف معلوماته.

ومع ذلك التميز الظاهر ترى الشيخ وكأنه واحدٌ من أقل الأساتذة علماً، وحفظاً، وفهماً.

بل إن أكثر من زاملوه في الكلية – كلية الشريعة – لم يكونوا يعرفون عنه هذا الشيء، بل إن بعضهم لا يعرفه حتى باسمه، وبعضهم فوجئ بعد وفاة الشيخ بما قيل عنه، وندم على أن لم يكن عرف عنه ذلك من قبل، وكأن لسان حال الشيخ سليمان يقول:

وإذا أنا أسديتُ يوماً نعمة *** أغضيتُ لم أمنن ولم أتبخترِ

كالعطر يَعْبِق في المجالس نشْرُه *** والفضلُ منسوبٌ إلى المتعطرِ

ومما كان عليه الشيخ – رحمه الله – من السيرة الحميدة – محبته لأهل العلم عموماً، واحترامه لهم، ومحبته لأهل العلم في بلده على وجه الخصوص، سواءً ممن يكبرونه، أو ممن هُمْ في سنِّه، أو من يصغرونه؛ فلا يعرف عنه إساءة، أو تنقُّص لأحد منهم.

وأذكر قبل ما يقرب من خمسٍ وعشرين سنة أن ذهبتُ إلى الرياض مع مجموعة من المشايخ من الزلفي إلى زيارة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – وكان من ضمن الزائرين الشيخ سليمان السليمان.

وقد جلسنا مع الشيخ ابن باز جلسة خاصة بعد العشاء في مكتبته، ثم تناولنا العشاء معه، وكان ذلك اللقاء – أظنه – الأول والأخير الذي التقى فيه الشيخ سليمانُ الشيخَ ابن باز؛ فكانت فرحة الشيخ سليمان بذلك اللقاء غامرة، وسعادته بالشيخ لا توصف ، وحديثه عنه بعد اللقاء شائقاً رائقاً.

ومن أعظم ما يميز الشيخ سليمان أنسه بالكتب، مطبوعها ومخطوطها، وانكبابه على القراءة؛ بحيث شغلته – في أغلب أوقات عمره – عن منادمة الأحباب، ودعة التنعم بمغتسلٍ بارد وشراب؛ فكان لسان حاله مع الكتاب، كما قال الشنفرى – مع الفارق -:

ولي دونكم أهلون سِيْدٌ عَمَلَّسٌ *** وأرقط زهلولٌ وعرفاء جيألُ

أولئك لا مستودع السر ذائع *** لديهم ولا الجاني بما جَرَّ يُخذل

ولم تكن تلك القراءة من نوع التسلية، أو تزجية الفراغ، أو الرجوع لها عند الحاجة إليها سواء في بحث مسألة أو الوقوف على فائدة.

وإنما كانت – مع ذلك – قراءة فاحصة متأنية ناقدة.

وأكاد أجزم أن في بطون كتبه تعليقاتٍ نفيسةً، وفوائد جمَّة، ومقارناتٍ نافعةً؛ إذ كان يقرأ، ويعلق، ويدقق، وينقد، ويحفظ.

بل أكاد أجزم أن كثيراً من أمهات الكتب مما قد لا يستوعبها بعض المتخصصين فيها – قد استوعبها الشيخ دراسةً، وأحاط بها خُبْراً؛ فلا يُعْوِزه استظهارها، وربما شرحها.

لا أقول التفاسير، ولا كتب علوم القرآن، وشروح الحديث، وكتب الرجال، والجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، ولا كتب الفقه وأصوله، وما جرى مجرى ذلك.

وإنما الكتب الأخرى ككتب الغريب، وكتب اللغة: نحوها، وصرفها، وآدابها، وكتب البلاغة، وسائر الفنون.

وكالمعاجم العربية؛ فلا إخاله إلا يعرف مناهج أصحابها، وميزات كل معجم، والمآخذ عليه.

وككتب أكابر العلماء ممن لهم السبق في سائر العلوم، ككتب الشافعي: الأم، والرسالة، وكتاب سيبويه، وكتب عبدالقاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، وكتب ابن جني: كالخصائص، وسر صناعة الإعراب، وكتب ابن فارس: المقاييس والمجمل، والصاحبي في فقه العربية، وسنن العرب في كلامها، وككتب ابن قتيبة كتأويل مختلف الحديث، وتأويل مشكل القرآن، وككتب ابن حزم، والشاطبي فضلاً عن كتب ابن تيمية وابن القيم، وعلى هذه النبذة فَقِسْ.

مع عنايته بالمخطوطات، وما يستجد من الكتب.

هذه نبذة من سيرة الشيخ سليمان السليمان، فلعلي أوفيته بعض حقِّه، ولعل هذه السطور تكون دافعةً لمزيد من دراسته، والعناية به، وإخراج ما لديه من مكنونات.

وإني لآمل من أولاده الكرام – بنين وبنات – وهم محبون له حبًّا جمًّا، وهو – كذلك محبٌّ لهم – أن يحرصوا على نشر علم والدهم، وأن يفتحوا الباب لمن أراد دراسة والدهم، والعناية بعلمه خصوصاً من أصحاب الدراسات الجامعية العلمية الأكاديمية.

وأرى أن هناك مادةً ضخمةً تتمثل في رسالتيه الماجستير والدكتوراه، وبحوثه الجامعية، مع
ما يوجد من تعليقاته على الكتب، وإملاءاته على الطلاب.

وهناك خُطَبُه التي كان يلقيها إبان خطابته في جامع الدريبي في الزلفي؛ فقد كانت خطباً مكتوبة، وكان يطيل فيها، ويعنى بها عنايةً بالغة، وربما تكون تلك العناية خارجة عن الطور من جهة التخريج، والعزو وما جرى مجراه؛ فلعل في ذلك مادة خصبة تليق بالدراسة، والنشر.

وفي الختام أودُّ أن أبوح بِسِرٍّ، وهو أنه لم يخطر ببالي أن أخُطَّ حرفاً عن الشيخ، وإن كنتُ أتحدثُ عنه مراراً في حياته.

ولما انتقل إلى جوار ربه داهمني شعورٌ غريبٌ، ورغبةٌ جامحةٌ في الكتابة عنه.

وقد سألني أحد الأحبة قائلاً: ما الذي دفعك إلى الكتابة عن الشيخ؟ فقلت: خشيتُ أن يكون لا بواكي له.

غفر الله للشيخ سليمان، وأنزله منازل السابقين المقربين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الزلفي 14/10/1439هــ

التعليقات

Tdh 2 يوليو، 2018

وعن أَبي أُمَامَة الباهِليِّ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا، وَببيتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ حديثٌ صحيحٌ، رواه أَبُو داود بإِسنادٍ صحيحٍ.

س. ع 3 يوليو، 2018

أنا ممن تتلمذ على يده في مرحلة الماجستير، وفي أثناء كتابتي للرسالة لنيل الدرجة أشكل علي مسألة في إعراب آية فسألت أهل الاختصاص ممن لهم باع في المجال وكانت المسألة في خلاف بين علماء البصرة والكوفة وكل من سألته يرشد لمصدر أو عالم آخر يقول علك تجدين بغيتك هنا، أو يجيب لا أعلم فلما ضاق بي الأمر قلت في نفسي: لم لا أسأل الشيخ سليمان السليمان فقد كان في شرحه لنا دقيق في كل العلوم، فسألته فأجاب برد لطيف وبين أن الإشكال في فهم كلمة كنت ومن سألته قبله نظن معناها ما شاع فهمها علي.

ومن عجائبه رحمه الله، طلب منا إعداد بحث متعلق بالمادة تدريبا.
فقدمت زميلة لنا بحثا بعد طلبه منا البحث بأيام قليلة.
وأرسلت البحث له في محاضرته وبعد الانتهاء من المحاضرة تواصلت معه سائلة هل وصلك البحث.
قال نعم ولكن هل أنت من بحث-وكنا قد انكرنا عليها ذلك وقالت ان الأمر أيسر مما تظنون واني كتبته ولم يأخذ مني شيء- قالت مجيبة له نعم.
قال لا هذا بحث وجدته ونسقته وطبعته.
قال لا يستحيل ذلك، كيف ستنهين البحث بهذه السرعة. لكن سأسألك كتبت هذه المعلومة وعزوتها إلى الكتاب الفلاني قالت نعم. قال هل الكتاب موجود عندك، قالت لا من المكتبة الشاملة. قال حتى المكتبة الشاملة غير موجود فيها هذا الكتاب نادر الوجود. فسكتت زميلتنا وتغير لون وجهها. فقال أنا لا أريد أن أعطيك درجة على عمل لم تقومي به فإن أردت قدمي بحثا آخر.

وإن كانت معرفتي به قاصرة على تدريسه لنا. لكني رأيته عالما بارعا في شتى العلوم رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى.
وجزاه عني وعن طلابه خير الجزاء فوالله إن مصابنا بفقده عظيم أشعرني بهوان الدنيا.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك