الشدة في العتاب

26 يونيو، 2016 343 عدد الزوار

فَمِنَ الناس مَنْ يشتد في عتابه إخوانه عند أدنى هفوة أو زلة، إما لِحِدَّةٍ في طبعه، وإما لظنه أن لو لم يفعل ذلك لسقطت منزلته، أو غير ذلك.

فإذا قَصَّرَ أحد من إخوانه في حقه، أو ربما أساء إليه إساءة يسيرة-عاتبه بشدة وغلظة.

وربما تأخر عليه ضيفه عن الموعد المحدد لِعُذر أو نحوه، وبدلاً من أن يعذره ويقضيه حق التكرمة-تجده يشتد عليه في العتاب، ويمطر عليه وابلاً من اللوم والتقريع.

فالشدة في العتاب، وقلة التغاضي عما يصدر من الأخطاء-مما يسبب النفور ممن يتصف به، ومما يوجب الرهبة منه، والرغبة عن مجالسته.

فَدَعِ العتابَ فَرُبَّ شرْ    

رٍ هَاجَ أَوَّلُه العتاب([1])
 

فالعاقل اللبيب لايعاتب إخوانه عند كل صغيرةٍ وكبيرة، بل يلتمس لهم المعاذير، ويحملهم على أحسن المحامل.

ثم إن كان هناك مايستوجب العتاب عاتبهم عتاباً ليناً رقيقاً.

ثم ما أحسن المرء أن يتغاضى ويتغافل؛ فالتغاضي والتغافل من أخلاق الأكابر والعظماء؛ فهو دليل على سمو النفس، وأريحيتها، وشفافيتها، وهو مما يرفع المنزلة، ويعلي المكانة.

ليس الغبي بسيد في قومه   لكن سيد قومه المتغابي
 

قال ابن حبان-رحمه الله-: “من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه، وترك التوقع لما يأتون من المحبوب-كان إلى تكدير عيشه أقرب من أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء”.([2])

وقال ابن الأثير-رحمه الله- عندما تحدث في تاريخه عن صلاح الدين الأيوبي: “وكان-رحمه الله- حليماً حسن الأخلاق، متواضعاً، صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولايعلمه، ولايتغير عليه.

وبلغني أنه كان جالساً وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضاً بسرموز([3]) فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها”.([4])

وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه-:

أُغَمِّضُ عيني عن أمورٍ كثيرةٍ   وإني على ترك الغَمُوضِ قديرُ
وما من عمىً أُغْضِيْ ولكن لربما   تعامى وأغضى المرءُ وهو بصيرُ
وأسكتُ عن أشياءَ لو شئتُ قُلْتُهَا   وليس علينا في المقال أميرُ
أُصَبِّرُ نفسي باجتهادي وطاقتي   وإني بأخلاق الجميعِ خبيرُ([5])

وإذا كان التغاضي والتغافل من أفضل خصال الحمد-فإن أحق الناس بأن تغفر زلاتهم، وتتغاضى عن هفواتهم، وتتجنب كثرة لومهم وتعنيفهم-رجالٌ عرفت عنهم المودة، ولم يقم لديك شاهدٌ على أنهم صرفوا قلوبهم عنها.

فلو أخذت تُعَنِّفُ من إخوانك كلَّ من صدرت منه هفوة لم تلبث أن تفقدهم جميعاً، ولم يبق لك على ظهر الأرض صديقٌ غير نفسك التي بين جنبيك.

والحاصل أن مايصدر من الصديق إن كان من قبيل العثرة التي تقع في حال غفلة، أو كان خطأً في اجتهاد الرأي-فذلك موضع الصفح والتجاوز، ولاينبغي أن يكون له في نقض الصداقة أثر كثير أو قليل.

قال أحدهم:

لا يُزَهِدَنَّك من أخٍ   لك أن تراه زلَّ زلَّهْ([6])

وقال الآخر:

وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ   جاءت محاسُنه بألف شفيعِ

 وقال الآخر:

فإن يكن الفعلُ الذي ساء واحداً   فأفعالهُ اللائي سررنَ ألوفُ

وأما إن كان عن زهدٍ في الصحبة، أو انصرافاً عن الصداقة-فلك أن تزهد به، وتقطع النظر عن صداقته.

وهذا موضع الاستشهاد بمثل قول الكميت:

وما أنا بالنِّكس الدنيء ولا الذي   إذا صدَّ عني ذو المودة يقربُ
ولكنه إن دام دُمْتُ وإن يكن   له مذهب عني فلي فيه مذهبُ
ألا إن خير الودِّ ودٌّ تطوعت   له النفس لا ودٌّ أتى وهو متعبُ

والفرق بين عثرة قد تصدر من ذي صداقة وبين جفاء لا يكون إلا من زاهد في الصداقة-يرجع فيه الرجل إلى الدلائل التي لايبقى فيها ريب.

أما مجرد الظنون فلا يُلتفت إليها، ولا يُعَوَّل عليها.

والتفريط بجانب الصديق ليس بالأمر الهين؛ فلا ينبغي الإقدام عليه دون أن تقوم على قصده لقطع المودة بيّنةٌ واضحة؛ ذلك أن المرء لايخلو-وهو معرض للغفلة والخطأ-أن يُخِلَّ بشيء من واجبات الصداقة.

فإن كنت على ثقة من صفاء مودة صديقك-أقمت له من نفسك عذراً، وسرت في معاملته على أحسن ماتقتضيه الصداقة.

فإذا حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئاً عن التهاون بحق الصداقة-فهذا موضع العتاب؛ فالعتاب يستدعي جواباً، فإن اشتمل الجواب على عذر أو اعتراف بالتقصير فاقبل العذر، وقابل التقصير بصفاء خاطر، وسماحة نفسٍ.

وعلى هذا الوجه يحمل قول الشاعر:

أعاتب ذا المودة من صديق   إذا مارابني منه اغترابُ
إذا ذهب العتابُ فليس ودٌّ   ويبقى الودُّ مابقي العتاب([7])

ومما يدلك على أن صداقة صاحبك قد نبتت في صدرٍ سليم أن يجد في نفسه ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي، وجبينك الطلق-ذهب كل مافي نفسه، ولم يجد للعتاب داعياً، كما قال أحدهم:

أزور محمداً وإذا التقينا    

تكلمتِ الضمائرُ في الصدور
 

فأرجع لَمْ ألُمْهُ ولم يلمني   وقد رضي الضميرُ عن الضميرِ([8])

فإن أكثر صاحبك من الإجحاف في حق الصداقة، ولم تجد له في هذا الإجحاف الكثير عذراً يزيل من نفسك الارتياب في صدق مودته-فذلك موضع قول القائل:

أقْلِلْ عتابَ من اسْتَرَبْتَ بِوِدِّه   ليست تنال مودةٌ بعتاب([9])

 


([1]) عيون الأخبار3/29.

([2]) روضة العقلاء ص72.

([3]) سرموز: لا أدري أهي لفظة أعجمية؟ أم مصحفة وأصلها قشر موز؟ لا أدري.

([4]) الكامل في التاريخ لابن الأثير 9/225.

([5]) ديوان الإمام علي ص106.

([6]) روضة العقلاء ص45.

([7]) بهجة المجالس4/738.

([8]) عيون الأخبار 3/26.

([9]) انظر رسائل الإصلاح، 2/15-16 ففيه تفصيل جميل لهذا الأمر، وانظر سوء الخلق مظاهره- أسبابه- علاجه، للكاتب ص104-106.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك