الخوض فيما لا طائل تحته

26 يونيو، 2016 465 عدد الزوار

فأكثر الناس لايكاد ينقطع لهم كلام، ولا تهدأ لألسنتهم حركة، فإذا ذهبت تحصي ما قالوا وجدت جلَّه لغواً ضائعاً، أو هذراً ضاراً، لا يقدم ولا يؤخر، ولا يسمن ولا يغني من جوع، بل هو إلى الضرر أقرب منه إلى النفع.

فما القضايا التي تطرح، وما الموضوعات التي تطرق؟.

إنك لو أجَلْتَ النظر في مجالس الناس، وأصخت السمع لأحاديثهم-لوجدت أن جُلَّ حديثهم واهتمامهم إنما هو بطرح قضايا باردة، أو بطرق موضوعات تافهة، تَنِمُّ عن همم دانية، وعقول خاوية، ولا تَخْطِبُ المعالي، ولا تنشد الكمالات، بل تدور حول الصغائر والسفاسف والمحقِّرات.

فتارة يتحدثون عن الرياضة ومن فاز، ومن هُزِم، ومن أُصيب من اللاعبين ومن شُفي؟.

وتارة عن الفن وأخبار أهله، وقراءة مذكراتهم، ومتابعة آخر أعمالهم.

وإن سَمَتْ تلك المجالس قليلاً أغرقت بالحديث عن حطام الدنيا، وعن المصالح الخاصة فحسب.

وإلا مُلئت بِتَسَقُّط الأخبار، وتتبع العيوب، ونحو ذلك.

فما لهذا رُكِّبت الألسنة في الأفواه، ولا بهذا تُقدَّر نعمة اللسان وموهبة البيان.

لقد أنعم الله على الإنسان بتلك النعمة، وكَرَّمه بها على سائر المخلوقات.

وعلى قدر جلال النعمة يعظم حقُّها، ويستوجب شُكْرُها، ويستنكر كنودها.([1])

ولقد بين الإسلام كيف يستفيد الناس من هذه النعمة المسداة، وكيف يجعلون كلامهم الذي يتردد على الألسنة طريقاً إلى الخير المنشود، بدلاً من شغله بما لا ينفع أو ربما ضر.

قال الله-تعالى-: [لا خير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً] (النساء: 114).

فأولى ثم أولى لتلك المجالس أن تشغل بما ينفع، ولتلك الألسنة أن تلهج بما يعود على أصحابها بالفائدة، وذلك بالتواصي بالبر والتقوى، وبالأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، أو بالحديث عن مسائل العلم التي يُصَحِّحَ بها الإنسان عقيدته وعمله، أو بالحديث عن أخبار المسلمين في أنحاء المعمورة، وبيان ما يصيبهم من البأساء واللأواء؛ حتى تنبعث القلوب للتعاطف معهم، وبذل ما يستطاع من مال، أو دعاء، أو نحو ذلك مما يعود بالفائدة في الدنيا والآخرة.

أو أن تشتمل على أخبار الكرام، والشجعان، وذوي المروءات، ونحو ذلك مما يجمع إلى جانب المتعةِ الفائدةَ.

قال المهلب: “خير المجالس ما بَعُدَ فيه مدى الطَّرفْ، وكثرت فيه فائدةُ الجليس”.([2])


([1]) انظر خلق المسلم ص77.

([2]) رسائل الإصلاح1/68.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك