الحرص على إبداء الرأي في كل صغيرة وكبيرة

26 يونيو، 2016 271 عدد الزوار

فمن الناس من يحرص على إبراز نفسه، وإظهار قدرته وخبرته، وإشعار الآخرين بحنكته وجودة رأية، فتراه يحرص على إبداء رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ويتعجل ذلك فيقول به بمناسبة وبغير مناسبة، وسواء سُئل عن ذلك أم لم يُسأل.

كل ذلك دونما نظر في العواقب، أو مراعاة المصلحة.

وهذا الصنيع مما يتنافى مع الحزم، ومما يعرض صاحبه للزلل والخطل؛ فلا خير في الرأي الفطير، ولا الكلام القضيب([1])، فالعرب تقول: “الخطأ زاد العجول”.([2])

فليس من الحكمة أن يتعجل الإنسان إبداء الرأي؛ لأنه ربما جانب الصواب، وخالف الحقيقة، بل ربما قاده ذلك إلى أن يتعصب لرأيه ولو كان غير مصيب؛ كيلا يوصم بالعجلة والزلل.

بخلاف ما إذا تريث وتأنى؛ فإن ذلك أدعى لصفاء القريحة، وأحرى لأن يختمر الرأي في الذهن، وأخلق بالسلامة من الخطأ.

والعرب تمدح من يَتَرَيَّثُ، ويتأنى، ويُقلِّب الأمور ظهراً لبطن، وتقول فيه: “إنه لَحُوَّلٌ قُلَّبٌ”.([3])

بل ليس من الحكمة أن يبدي الإنسان رأيه في كل مايعلم حتى ولو كان متأنياً في حكمه، مصيباً في رأيه؛ فما كل رأي يُجهر به، ولاكل مايعلم يقال.

بل الحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه لنفسه إلا إذا استدعى المقام لذلك، واقتضته الحكمة والمصلحة؛ فآراء المرء له، وأقواله عليه؛ فإذا صرح بآرائه صار أسيراً لها، مكبلاً في أغلالها، له غنمها، وعليه غرمها.

قال أحد الحكماء: “إن لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجدَّةً تعجب؛ فإذا سكنت القريحةُ، وعدل التأملُ، وصفت النفس-فَلْيُعِدِ النظر، وليكن فرحُه بإحسانه مساوياً لغمه بإساءته”.([4])

وقال أحد الشعراء:

وزِنِ الكلام إذا نطقت فإنما    

 

يبدي العقولَ أو العيوبَ المنطقُ([5])

 

 

 

وقال ابن حبان -رحمه الله-: “الرافق لايكاد يُسبق، والعَجِلُ لايكاد يَلْحق.

وكما أن من سكت لايكاد يندم كذلك من نطق لايكاد يسلم.

والعجل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يُجَرِّبُ، ويذم بعد مايحمد.

يعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم.

والعَجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تسمي العجلة أم الندامات”.([6])


([1]) الرأي الفطير: هو الذي لم ينضج، والكلام القضيب: هو المرتجل.انظر زهر الآداب للحصري القيرواني1/154.

([2]) مجمع الأمثال للميداني1/431.

([3]) الأمثال لأبي عبيد ص100.

([4]) زهر الآداب1/154.

([5]) روضة العقلاء ص216.

([6]) روضة العقلاء ص216.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك