الحديث بما لا يناسب المقام

26 يونيو، 2016 412 عدد الزوار

فهناك من لا يأبه بمناسبة الحديث للمقام، ولا بملائمته ومطابقته لمقتضى حال السامعين، فتراه يتكلم بالهزل في مواقف الجد، ويحاول إضحاك السامعين في مجلس يسوده الحزن.

قال ابن المقفع: ” ولا تخلطن بالجد هزلاً، ولابالهزل جداً، فإنك إن خلطت بالجد هزلاً هَجَّنْتَه، وإن خلطت بالهزل جداً كَدَّرْتَه.

غير أني قد علمت موطناً واحداً إن قدرت تتقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي وظهرت على الأقران.

وذلك أن يتورَّدَك ([1]) مُتوردٌ بالسفه، والغضب، وسوء اللفظ-تجيبه إجابة الهازل المداعب بِرُحْب من الذرع، وطلاقةٍ من الوجه، وثبات من المنطق”.([2])

وقال: “واتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق، ([3]) ويشكر للمكتئب”.([4])

ومن الناس من يخاطب الأذكياء بخطابٍ لايناسب إلا قاصري العقول، وربما خاطب محدودي الذكاء والإدراك بكلام لاتدركه أفهامهم، وهكذا…

ومن كناك يفقد الكلام قيمته، ويصبح ضرباً من الهذيان، بل ربما عَرَّضَ صاحبه للمز الناس وعيبهم إياه.

وإنَّ كلامَ المرءِ في غير كنهه    

 

لكا النبل تهوي ليس فيها نصالُها
 

بل ربما ألحق بغيره ضرراً من حيث لايشعر؛ فقد يحادث شخصاً ذا نفسٍ متوترة، مغرقة في التشاؤم، فيخاطبه على أنه إنسان سوي، فيزيد هذا الشخص توتراً، وبلاءً.

وقد يزور مريضاً، فيحدّثه بما لايناسب حاله، فيؤثر في نفس المريض، فيزيد الطين بِلَّة، والمرض علة.

ولأسباب وغيرها عني الإسلام عنايةً كبيرة بموضوع الكلام، وأسلوب أدائه؛ ذلك أن الكلام الصادر عن إنسان ما-يشير إلى حقيقة عقله، وطبيعة خلقه، ولأن طرائق الحديث في جماعة ما تحكم على مستواها العام، وتغلغل الفضيلة فيها.([5])

ثم إن طرائق الكلام تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ ولهذا عُرِّفت البلاغة بأنها: مطابقة الكلام لمقتضى حال السامعين.([6])

ومن هن كان من الأهمية بما كان أن يتعرف المرء على أحوال الناس، وأن يراعي عقولهم.

فهذا الأمر دليل على جودة النظر في سياسة الأمور، وعلى حسن التصرف في تقدير وسائل الخير، وهو مما يعين على اكتساب الأخلاق الرفيعة، وعلى استبقاء المودة في قلوب الناس.

فالرجل العاقل الحكيم الحازم يحكم هذا الأمر، وينتفع به عند لقائه بالطبقات المختلفة، فتراه “يَزِنُ عقولَ مَنْ يلاقونه، ويحس ماتُكِنُّ صدورُهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيصاحب الناس، ويشهد مجالسهم، وهو على بصيرةٍ مما وراء ألسنتهم من عقولٍ، وسرائرَ، وعواطفَ.

فيتيسر له أن يسايرهم إلا أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلا أن يتألموا من صوت الحق.

ومراعاة عقول الناس، وطباعِهم، ونزعاتِهم فيما لايُقْعِدُ حقاً، ولايقيم باطلاً-مظهر من مظاهر الإنسانية المهذبة”.([7])

قال ابن المقفع: “لاتجالس امرأً بغير طريقته؛ فإنك إذا أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعيي بالبيان-لم تزد على أن تضيع علمك، وتؤذي جليسك بِحَمْلِكَ عليه ثِقَلَ ما لايعرف، وغَمِّك إياه بمثل ما يغتم به الرجلُ الفصيح في مخالطة الأعجمي الذي لايفقه عنه.

واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عابوه، ونصبوا له، ونقضوه عليك، وحرصوا على أن يجعلوه جهلاً.

حتى إن كثيراً من اللهو واللعب الذي هو أخفُّ الأشياء على الناس-لَيَحْضُرُه من لايعرفه، فيثقل عليه، ويغتم به”.([8])

وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي-رحمه الله-: “ومن الآداب الطيبة الكلام مع كل أحد بما يليق بحاله ومقامه؛ مع العلماء بالتعلم والاستفادة والاحترام، ومع الملوك والرؤساء بالاحترام والكلام اللطيف اللين المناسب لمقامهم، ومع الإخوان والنظراء بالكلام الطيب، ومطارحة الأحاديث الدينية والدنيوية والانبساط الباسط للقلوب، المزيل للوحشة، المزين للمجالس.

ويحسن المزاح أحياناً إذا كان صدقاً، ويحصل فيه هذه المقاصد.

ومع المستفيدين من الطلبة ونحوهم بالإفادة، ومع الصغار والسفهاء بالحكايات والمقالات اللائقة بهم بما يبسطهم ويؤنسهم، ومع الأهل والعيال بالتعليم للمصالح الدينية والدنيوية، والتربية البيتية، وتوجيههم للأعمال التي تنفعهم مع المباسطة والمفاكهة؛ فإنهم أحق الناس بِبِرِّك، ومن أعظم البر حسن المعاشرة.

ومع الفقراء والمساكين بالتواضع، وخفض الجناح، وعدم الترفع والتكبر عليهم.

فكم حصل بهذا من خيرات و بركات، وكم حصل بضده من شر وفوات خير.

ومع من تعرف منه العداوة والبغضاء والحسد بالمجاملة، وعدم الخشونة، وإن أمكنك الوصول إلى أعلى الدرجات، وهي قوله-تعالى- [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم] (فصلت: 34)-فما أكمله من مقام لايوفق له إلا ذو حظ عظيم”.([9])

وكما أن مطابقة الكلام لعقول الناس ومقتضيات أحوالهم عائدٌ إلى الألمعية، التي هي في أصلها موهبة إلهية-فهو كذلك يأتي بالدربة والممارسة، وتدبر سير أعاظم الرجال، والنظر في مجاري الحوادث باعتبار، فهذا مما يقوي هذه الخصلة ويرفع من شأنها.

ولئن كان مقتضى الأحوال حسناً مطلوباً من كل أحد-فهو من الخطيب حال الخطابة أولى وأحرى؛ فمراعاة مقتضى الحال هو لبُّ الخطابة وروحها، فلكل مقام مقال، ولكل جماعة من الناس لسان تُخَاطب فيه؛ فالأغنياء يرضي كبرياءهم نوعٌ من الكلام لايقتضيه مقام الخطبة لمن ليسوا كذلك.

والعلماء يجتذبهم الثناء الحسن، وطيب الأحدوثة، والتوقير، والتعظيم، وأن يكون الكلام الذي يلقى عليهم أقرب إلى العمق والسلامة؛ ليسترعي انتباههم.

ثم إن الجماعة الثائرة تخاطب بعباراتٍ هادئة؛ لتكون برداً وسلاماً على القلوب.

والجماعة الخَنِسَةُ تخاطب بعباراتٍ مثيرةٍ للحمية، موقظة للهمة، حافزة للعزيمة.

والجماعة التي شَطَّتْ وركبت رأسها تخاطب بعباراتٍ فيها قوة العزم، ونورُ الحق، وفيها إرعادة المنذر، ويقظة المنقذ، وفيها روح الرحمة، وحسن الإيثار؛ ليجتمع الترهيب مع الترغيب، ومع سيف النقمة ريحان الرحمة.

لذلك وجب على الخطيب أن يكون قادراً على إدراك حال الجماعة، وما تقتضيه تلك الحال، والإتيان بالأسلوب الذي يلائمها؛ ليصل إلى مواضع التأثير فيها.([10])


([1]) يتورَّدك: يحملك على أن تغتاظ أو تغضب؛ لتتخلى عن اتزانك.

([2]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص133.

([3]) المنطلق: الذي يبدو الفرح على أساريره.

([4]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص159.

([5]) انظر خلق المسلم ص77.

([6]) انظر بغية الإيضاح لتخليص المفتاح لعبد المتعال الصعيدي 1/26.

([7]) رسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين1/95.

([8]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص158.

([9]) الرياض الناضرة ص458-549 ضمن مجموعة ابن سعدي.

([10]) انظر الخطابة لأبي زهرة ص43 و45-46.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك