الجدال والمراء والخصومة

26 يونيو، 2016 264 عدد الزوار

وهذا دأب كثير من الناس سواء في أحاديثهم ومنتدياتهم، أو في مطالباتهم وخصوماتهم، فتراهم يتجادلون ويتمارون عند كل صغيرة وكبيرة.

لا لجلب مصلحة، ولا لدرء مفسدة، ولا لهدف الوصول إلى الحق والأخذ به، وإنما رغبةً في اللدد والخصومة، وحبّاً في التشفي من الطرف الآخر.

ولهذا تجد الواحد من هؤلاء يُسَفِّه صاحبه، ويرذل رأيه، ويرد قوله.

فلا يمكن-والحالة هذه-أن يصل المتجادلون إلى نتيجة طالما أن الحق ليس رائدَهم ومقصودَهم.

وإذا الخصمان لم يهتديا   سُنَّةَ البحثِ عن الحق غبر([1])

فالجدال والمراء على هذا النحو مجلبة للعداوة، ومدعاة للتعصب، ومطية لاتباع الهوى.

بل هو ذريعة للكذب، والقولِ على الله بغير علم خصوصاً إذا كان ذلك في مسائل الدين، وهذا أقبح شيء في هذا الباب.

قال الإمام النووي-رحمه الله-: “مما يذم من الألفاظ المراء، والجدال، والخصومة.

قال الإمام أبو حامد الغزالي: المراء طعنك في كلام الغير لإظهار خلل فيه؛ لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه.

قال: وأما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها.

قال: وأما الخصومة فلجاج في الكلام؛ ليستوفي به مقصوده من مال أو غيره.

وتارة يكون ابتداءً، وتارة يكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً هذا كلام الغزالي”.([2])

ثم قال الإمام النووي-رحمه الله-: “واعلم أن الجدال قد يكون بحق، وقد يكون بباطل، قال الله-تعالى-: [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] (العنكبوت:46).

وقال-تعالى-: [ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا] (غافر: 4).

فإن كان الجدالُ الوقوفَ على الحق وتقريره كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحق، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً.

وعلى هذا التفصيل تنزيل النصوص الواردة في إباحته وذمه”([3]).

ثم قال-رحمه الله-: “قال بعضهم: ما رأيت شيئاً أذهب للدين، ولا أنقصَ للمروءة، ولا أضيع لِلَّذة، ولا أثقل للقلب من الخصومة.

فإن قلت لا بد للإنسان من الخصومة؛ لاستبقاء حقوقه-فالواجب ما أجاب به الإمام الغزالي أن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل أو بغير علم، كوكيل القاضي؛ فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب هو فيخاصم بغير علم.

ويدخل في الذم-أيضاً-من يطلب حقه، لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد، والكذب؛ للإيذاء والتسليط على خصمه.

وكذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي، وليس إليها حاجة في تحصيل حقه.

وكذلك من يحمله على الخصومة محضُ العناد؛ لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم.

وأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد أو إسراف، أو زيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء-ففعله هذا ليس حراماً.

ولكن الأولى تركه ماوجد إليه سبيلاً؛ لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر.

والخصومة تُوْغِرُ الصدر، وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كلُّ واحد منهما بمساءة الآخر، ويحزن بمسرته، ويطلق العنان بعرضه.

فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات، وأقل ما فيه اشتغال القلب، حتى يكونَ في صلاتِه، وخاطرُه معلّق بالمحاجّة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة.

والخصومة مبدأ الشر، وكذلك الجدال والمراء؛ فينبغي ألا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها، وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه من آفات الخصومات”.([4])

ولما كان هذا هو شأن الجدال والمراء والخصومة تجنب السلف ذلك، وحذروا منه، وورد عنهم آثار كثيرة فيه.

قال ابن عباس-رضي الله عنهما-: “كفى بك ظلماً ألا تزال مخاصماً، وكفى بك إثماً ألا تزال ممارياً”.([5])

وقال ابن عباس لمعاوية-رضي الله عنهما-: “هل لك في المناظرة فيما زعمت أنك خاصمت فيه أصحابي؟.

قال: وما تصنع بذلك؟ أشْغَبُ بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لاينفعك، ويبقى في قلبي ما يضرك”.([6])

وقال ابن أبي الزناد: “ما أقام الجدلُ شيئاً إلا كسره جدلٌ مثله”.([7])

وقال الأوزاعي: “إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل”.([8])

وقال الأصمعي: “سمعت أعرابياً يقول: من لاحى الرجال وماراهم قلَّتْ كرامته، ومن أكثر من شيء عُرِف به”.([9])

وأخرج الآجُرِيُّ بسنده عن مسلم بن يسار-رحمه الله-أنه قال: “إياكم والمراءَ؛ فإنه ساعةُ جهلِ العالم، وبها يبتغي الشيطان زلّته”.([10])

وأخرج أن عمر بن عبدالعزيز-رحمه الله- قال: “من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل”.([11])

وقال عبدالله بن حسين بن علي-رضي الله عنهم-: “المراء رائد الغضب؛ فأخزى الله عقلاً يأتيك بالغضب”.([12])

وقال محمد بن علي بن حسين -رضي الله عنهم-: “الخصومة تمحق الدين، وتنبت الشحناء في صدور الرجال”.([13])

وقيل لعبدالله بن حسن بن حسين: “ما تقول في المراء؟.

قال: يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة.

وأقل ما فيه أن يكون دريئة للمغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة”.([14])

وقال جعفر بن محمد-رحمه الله-: “إياكم وهذه الخصوماتِ؛ فإنها تشغل القلب”.([15])

وقال ثابت بن قرة-رحمه الله-: “إياكم وهذه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال”.([16])

وقيل للحكم بن عتيبة الكوفي-رحمه الله-: “ما اضطر الناس إلى هذه الأهواء؟ قال: الخصومات”.([17])

وما أجمل قول الشافعي-رحمه الله-حين قال:

قالوا سكتَّ وقد خوصمتَ قلتُ لهم   إن الجوابَ لِبَابِ الشَّرِّ مفتاحُ
والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ   وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ
أما ترى الأسْدَ تُخشى وهي صامتةٌ   والكلب يُخسى لعمري وهو نباحُ([18])

 


([1]) خواطر الحياة لمحمد الخضر حسين ص77.

([2]) الأذكار ص329-330.

([3]) الأذكار ص330.

([4]) الأذكار ص330-331 وانظر إحياء علوم الدين للغزالي3/116-120.

([5]) بهجة المجالس2/429.

([6]) بهجة المجالس2/429-430.

([7]) بهجة المجالس2/430.

([8]) بهجة المجالس2/430.

([9]) بهجة المجالس2/430.

([10]) الشريعة للآجري ص56، وانظر الحجة في بيان المحجة للأصبهاني1/280.

([11]) الشريعة للآجري ص56، وانظر الحجة في بيان المحجة للأصبهاني1/280.

([12]) بهجة المجالس2/429.

([13]) بهجة المجالس2/429.

([14]) بهجة المجالس2/429.

([15]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي1/128-129.

([16]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي1/128-129.

([17]) الحجة في بيان الحجة1/285.

([18]) ديوان الشافعي في تحقيق خفاجي ص88.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك