التّقَعّرُ في الكلام

26 يونيو، 2016 319 عدد الزوار

التقعر أو التقعير في الكلام هو أن يتكلم المرء بأقصى قعر فمه؛ إظهاراً لفصاحته، وتميزه، وبراعته.

وذلك ممقوت مذموم؛ لما فيه من قصد التكلف البعيد عن الطبع، ولما يحويه من تتبع الوحشي الذي ينفر منه السمع، ولما يتضمنه من التشادق والتعمق والإغراق في القول.

قال الإمام النووي-رحمه الله-: “ويكره التقعير في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع، والتصنع بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول.

فكل ذلك من التكلف المذموم، وكذلك تكلف السجع، وكذلك التحري في دقائق الإعراب، ووحشي اللغة في حال مخاطبة العوام.

بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظاً يفهمه صاحبه فهماً جلياً، ولا يستثقله”.([1])

قال-عليه الصلاة والسلام-: “وإن أبغضكم إليَّ، وأبعدكم مني في الآخرة-أسوؤكم أخلاقاً الثرثارون، المتفيهقون، المتشدقون”([2]).

وقال: “إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تَخَلَّلُ الباقرة([3]) بلسانها”([4]).

وليس معنى ذلك أن لايحرص المرء على حسن منطقه، ورشاقة لفظه، وجودة عبارته، فيلجأ إلى الألفاظ السوقية المبتذلة؛ فراراً من التكلف والتقعير بزعمه.

وإنما المقصود أن لايُغْرقَ في التكلف فيتعدى حدود الذوق.

وإلا فإن حسنَ المَنْطِقِ، وروعة البيان من مظاهر المروءة الصادقة، ومن أعظم الأسباب الداعية لقبول الحق.

ولهذا قيل: “كلما كان اللسان أبين كان أحمد”.([5])

بل لقد”ذكر الله-تبارك وتعالى-جميل بلائه في تعليم البيان، وعظيم نعمته في تقويم اللسان فقال: [الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان] (الرحمن: 1-4).

وقال-تعالى-: [هذا بيان للناس] (آل عمران: 138).

ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسماه فرقاناً، كما سماه قرآناً”.([6])

ولهذا يحسن بالخطيب والواعظ أن يُهَذِّب ألفاظه، وأن يُجَمِّل كلامه؛ ليقع موقعه في القلوب، فهذا لا يدخل في المذموم بشرط أن لا يتَقَصَّد حوشي الكلام، ولا يتعمد التقعير، ولا يتكلف تكلفاً يخرجه عن طوره.

قال الغزالي-رحمه الله-: “ولا يدخل في هذه([7]) تحسينُ ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط ولا إغراب؛ فإن المقصود منها تحريك القلوب، وتشويقها، وقبضها، وبسطها؛ فلرشاقة اللفظ تأثير فيه؛ فهو لائق به.

فأما المحاورات التي تُجْرى لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع، والتشدق.

والاشتغالُ به من التكلف المذموم، ولا باعث عليه إلا الرياء، وإظهار الفصاحة، والتميز بالبراعة، وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع، ويزجر عنه”.([8])

قال إبراهيم بن المهدي لعبدالله بن صاعد كاتبه: “إياك وتَتَبُّعَ الوحشي من الكلام؛ طمعاً في نيل البلاغة؛ فإن ذلك هو العيُّ الأكبر؛ عليك بما سهل مع تَجَنُّبِكَ ألفاظَ السفل”([9]).

وبالجملة فليحرص المرء على تجنب السوقي القريب، والوحشي الغريب، حتى يكون كلامه حالاً بين حالين، كما قال بعض الشعراء:

عليك بأوساط الأمور؛ فإنها   نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعباً([10])
 

 قال أبو هلال العسكري: “وأجود الكلام ما يكون جزلاً سهلاً، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدوداً مستكرهاً، ومُتوعراً مُتَقَعِّراً، ويكون بريئاً من الغثاثة، عارياً من الرثاثة.

والكلام إذا كان لفظه غَثَّاً، ومعرضه رثاً كان مردوداً ولو احتوى على أجلِّ معنىً وأنبله وأرفعه وأفضله”.([11])

ومن هنا يتبين لنا أن المذموم من الكلام إنما هو ما كان متكلفاً ومشتملاً على التقعير.

أما حسن المنطق وجمال العبارة، ورشاقة الألفاظ فمحمود مرغوب فيه، خصوصاً إذا كان في بيان الحق.

نظر معاوية إلى ابن عباس – رضي الله عنهما – فأتبعه بصره، ثم قال متمثلاً:

إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ   مصيب ولم يَثْنِ اللسان على هُجْرِ
 
يُصَرِّف بالقول اللسان إذا انتحى   وينظر في أعطافه نظرَ الصَّقْرِ([12])

 ولحسان بن ثابت في ابن عباس-رضي الله عنهما-:

إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ   بمنطلقات لا ترى بينها فصلا
شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع   لذي إرْبِةٍ في القول جداً ولا هزلا([13])

قال ابن عبدالبر-رحمه الله-: “ومن أحسن ما قيل في مدح البلاغة من النظم-قول حسان بن ثابت في ابن عباس:

صموتٌ إذا ما الصمت زيَّنَ أهله   وفَتَّاقُ أبكارِ الكلام المخَتَّمِ
وعى ما وعى القرآن من كلِّ حكمةٍ   ونِيطت له الآداب باللحم والدمِ([14])

 


([1]) الأذكار ص331.

([2]) مضى تخريجه ص5.

([3]) الباقرة: البقرة.

([4]) أخرجه أحمد2/165-187، وأبو داود( 5005)، والترمذي ( 2853)، كلهم عن عبد الله بن عمر، وقال الترمذي “حسن غريب” وصححه أحمد شاكر في شرحه للمسند (6543) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1871).

([5]) البيان والتبيين للجاحظ1/11.

([6]) البيان والتبيين1/8.

([7]) يعني الأمور المذمومة.

([8]) إحياء علوم الدين2/121.

([9]) العمدة لابن رشيق2/266.

([10]) العمدة1/199 وانظر البيان والتبيين1/255.

([11]) كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري ص67.

([12]) بهجة المجالس1/58، والتمهيد لابن عبد البر5/179.

([13]) بهجة المجالس1/58، والتمهيد لابن عبد البر5/179.

([14]) التمهيد5/178.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك