التقصير في محادثة الصغار

26 يونيو، 2016 404 عدد الزوار

فلمحادثة المربي صغارَه فائدةٌ عظمى، وللحوار الهادئ معهم أهمية كبرى، ولتعليمهم آداب الحديث وطرائقه وأساليبه ثمرات جُلَّى؛ فبذلك ينمو عقل الصغير، وتتوسع مداركه، ويزداد رغبةً في الكشف عن حقائق الأمور، ومجريات الأحداث.

كما أن ذلك يكسبه الثقة في نفسه، ويورثه الجرأة والشجاعة الأدبية، ويشعره بالسعادة والطمأنينة، والقوة والاعتبار.

مما يعده للبناء والعطاء، ويؤهله لأن يعيش كريماً شجاعاً، صريحاً في حديثه، جريئاً في طرح آرائه.

ومع أهمية هذا الأمر وعظم فائدته إلا أن هناك تقصيراً كبيراً فيه؛ فكثير من الناس لا يأبه بمحادثة الصغار ولا يلقي بالاً لتعليمهم آداب الحديث و أساليبه؛ فتراه لايصغي إليهم إذا تحدثوا، ولايجيب عن أسألتهم إذا هم سألوا، بل ربما كذّبهم إذا أخبروا، ونهرهم وأسكتهم إذا تكلموا.

وهذا من الخلل الفادح، والتقصير الكبير؛ فهذا الصنيع مما يولِّد الخوف في نفس الصغير، كما يورثه التردد، والذلة، والمهانة، والخجل الشديد، وفقدان الثقة بالنفس.

بل قد يجر له أضراراً تؤثر في مستقبله ومسيرة حياته؛ فقد يعجز عن الكلام، وقد يصاب بعيوب النطق من فأفأة، وتمتمة، ونحوها.

وقد يصاب بمرض، وقد يعاني من مشكلات فيزداد مرضه، وتتضاعف مشكلاته؛ بسبب عجزه عن الإخبار عما أصابه وألمَّ به.

وقد يُظلَم أو توجه له تهمة، فيؤخذ بها مع أنه بريء منها؛ لعجزه عن الدفاع عن نفسه، وعن نفي ماعلق وألصق به.

وقد تضطره الحال لأن يتكلم أمام زملائه، فيرى أن الألفاظ لاتسعفه؛ فيشعر بالنقص خصوصاً إذا وُجد من يسخر منه.

ولهذا كان حرياً بالمربين-من والدين ومعلمين وغيرهم-أن يعنوا بهذا الجانب، وأن يرعوه حق رعايته.

فيحسن بهم إذا خاطبهم الصغار أن يُقبلوا عليهم، وأن يصغوا إلى حديثهم، وأن يجيبوا عن أسئلتهم، وأن ينأوا عن كل مايشعر باحتقار الصغار وازدرائهم.

كما يحسن أن يُشعر الصغير بأهمية حديثه، وأن يظهر له الإعجاب وحسن المتابعة، وذلك بإصدار بعض الأصوات أو الحركات التي تنم عن ذلك، كأن يقول الكبير وهو يستمع لصغيره: حسن، جميل، رائع، نعم.

أو أن يقوم بالهمهمة، أو تحريك الرأس تصعيداً وتصويباً.

بل تحسن المبادرة في هذا الأمر، كأن يعمد الكبير لاستشارة صغيره كي يتكلم، كأن يسأله بعض الأسئلة اليسيرة التي يعرفها الصغير، فيقول-على سبيل المثال-: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وأن يسأله عن بعض الأمور التي يراها أو يعلمه من خلال حياته اليومية.

كذلك يجمل في هذا الشأن استشارة الصغير في بعض الأمور اليسيرة؛ من باب شحذ قريحته، واستخراج مالديه من أفكار، وإعانته على التعبير عنها.

كأن يسأله عن رأيه في أثاث المنزل، أو لون السيارة، أو عن زمان الرحلة، أو مكانها، أو نحو ذلك.

ثم يوازن بين رأي الصغير وآراء إخوانه و زملائه، ثم يطلب من كل واحد أن يبدي مسوغاته، وأسباب اختياره لهذا الرأي أو ذاك.

فكم في مثل هذه الأمور اليسيرة من الأثر العظيم والثمرات الجليلة.

إن تدريب الصغير على أدب المحادثة، وتعويده على الحوار الهادئ والمناقشة الحرة-يقفز بالمربين إلى قمة التربية والبناء؛ فبسبب ذلك ينطلق الطفل، ويستطيع التعبير عن آرائه، والمطالبة بحقوقه، فينشأ حراً كريماً أبيَّاً، فيكون في المستقبل ذا حضورٍ مميز، ويكون لآرائه صدىً في النفوس؛ لأنه تربى منذ الصغر على آداب الحديث وطرائقه.

ثم إن هذا مما يشعر الصغار بقيمتهم، ومما يستثيرهم لتحريك أذهانهم، وشحذ قرائحهم، وتنمية مواهبهم.

كما أن فيه تدريباً لهم على حسن الاستماع، والقدرة على ترتيب الأفكار، وحسن الاسترجاع لما مضى، وفهم مايلقى عليهم من الآخرين.

كما أن فيه تنميةً لشخصية الصغير، وتقويةً لذاكرته.

كما أن ذلك يزيده قرباً ومحبةً لوالديه ومربيه.

هذا وقد وُجِد أن الأطفال الأذكياء يتكلمون أسرع من الأطفال الأقل ذكاءً، ووجد أن الأطفال المحرومين عاطفياً، والذين لايكلمهم آباؤهم وأمهاتهم إلا نادراً-أنهم يكونون أقلّ قدرةً على الكلام من الذين يلاطفه والدوهم.

وليس المقصود مما مضى أن يُسرفَ في إعطاء الحرية المطلقة للصغير، فيلقي له الحبل على الغارب، ويفتح الباب على مصراعيه، فيسمح له بالصفاقة والوقاحة، ويُرضى عن تطاوله وإساءته، ويُضحك له إذا صدر منه عباراتٌ نابية أو كلمات ساقطة؛ زعماً أن ذلك من باب إعطائه الفرصة وتدريبه على الكلام!.

لا، ليس الأمر كذلك؛ فالرضا عن سفاهته وتطاوله يغريه بقلة الأدب، والضحك له حال صدور الكلمات القبيحة منه يعد حافزاً له بتكرارها.

فالمقصود أن يؤخذ بيده إلى الآداب المرعية، وأن يدرب على الكلام في حدود الأدب واللياقة بعيداً عن الإسفاف والصفاقة.([1])


(1)انظر تربية الأطفال في رحاب الإسلام لمحمد الناصر وخولة درويش ص323-325، ومشكلات تربوية في حياة طفلك لمحمد رشيد العويد ص37-41.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك