التقصير في أدب الهاتف

26 يونيو، 2016 236 عدد الزوار

فالهاتف في هذا العصر يعد أهم وسائل الاتصال الشفوية وأسرعها؛ فهو يعطي المتهاتفين فرصة الإيضاح بلا عناء، ولا مكاتبة؛ فكم في ذلك من توفيرٍ للجهد، والوقت، والمال، وتلبية المطلوب بأقصر وقت، ورفع مشقة الذهاب والإياب، بل والسفرِ لأمورٍ تقضى بواسطة الهاتف؛ فلله الحمد والمنَّة.

هذا وللهاتف آداب مطلوبة من الطرفين: المتَّصِلِ والمتَّصَل عليه، وإذا كان بعضها من جانب المتَّصِل آكد، لأنه هو الطالب، والطالب قريب من السائل، ففي موقفه ضعف، فليجبره بحسن الأدب.

وإن مما يلاحظ أن هناك تقصيراً كبيراً في أدب الهاتف، ومن مظاهر ذلك مايلي:

أ‌- قلة المبالاة بصحة الرقم المطلوب:

فمن الناس من لايبالي بصحة الرقم الذي طلبه، مما يوقعه في الغلط، فيتسبب في إيقاظ نائم، أو إزعاج مريض، أو إشغال الآخرين، أو نحو ذلك.

ومن هنا كان واجباً على المتَّصِل ألا يتصل إلا بعد التأكد من معرفة الرقم، إما أن يكون مكتوباً أمامه، أو أن يكون متأكداً من حفظه في ذاكرته.

ثم إذا وضع إصبعه على الهاتف فَلْيُتْبِعْه بصره، فإن حصل خطأ فليتلطف بالاعتذار.

ب‌-        شدة الغضب حال الاتصال الخطأ:

فالبعض يشتد غضبه، ويرتفع صوته، ويبادر بالدعاء إذا اتصل عليه متصل فأخطأ الرقم.

وهذا لايحسن بالمرء؛ فيا أيها المتَّصَل عليه، لا تنفعل حينما يحصل شيء منذلك، بل تأنَّ، ولا تعجل باللوم والغضب، بل تلطّف بالقول؛ فإن كان المتصل غالطاً حقيقة فهو غير آثم، وقد أدخلت إليه السرور بلطفك، ولا سبيل لك عليه شرعاً.

وإن كان متعمداً فقد أحسنت في تلطفك، ولك الأجر وعليه الوزر.

ج‌- قلة المراعاة لوقت الاتصال:

فإذا كان لك حاجةً في الاتصال فاذكر أن للناس أشغالاً وحاجاتٍ، ولهم أوقات طعام، وأوقات نوم وراحة.

فعليك تَحَرِّي الوقت المناسب، مراعياً ظروف العمل، وارتباطات أخيك، وما عليه من واجبات ومسؤوليات، ومراعياً مالدى أهل البيت من أوقات نوم، وراحة، وطعام.

ثم إذا اعتذر منك إلى وقت آخر فاقبل ذلك بانشراح صدر.

وإذا قيل انتظر، فانتظر وأنت مُنَعَّمُ البال، غير مُتَبَرِّمٍ.

وحكم مراعاة الاتصال هذا إنما هو في غير الأماكن المفتوحة على مدار ساعات الليل والنهار، كالفنادق، ودور التأجير للمسافرين، ومن في حكمهم.

د-الإطالة بالمكالمة بلا داعٍ:

والمقياس في ذلك أن لكل مقام مقالاً، ولكل مقال مقداراً؛ فاحذر الثرثرة، والإملال، والإطالة، والإثقال.

هـ-قلة الاعتداد بالسلام من المتَّصِل بدايةً ونهايةً:

فمن الناس من لا يأبه بالسلام حال الاتصال لا في البداية ولا النهاية، ومنهم من يستبدل تحية الإسلام-السلام عليكم-بغيرها من التحيات الأخرى، كأن يقول (صباح الخير، أو صباح النور) أو أن يقول (ألو) أو (كيف الحال)أو نحوها.

وفي هذا ابتعاد عن السنَّة، واستبدال للذي أدنى بالذي هو خير.

و-سكوت المتَّصِل إذا رفعت السمّاعة:

فمن المتَّصِلين من يسكت إذا رفعت السماعة حتى يتكلم المتَّصَلُ عليه، وفي هذا إخلال للأدب من عدة جهات:

منها: مخالفة السنة في بدء المستأذن والقادم بالسلام.

ومنها: أن المتصل هو الطالب فعليه المبادرة بالسلام.

ومنها: أن بعض من قلَّ أدبُهم يقصد الفحص والتَعَرُّف هل أنت موجود أو لا؟

فإذا رفعت السماعة وقلتَ: نعم، عرف المراد فوضعها.

ز-التعمية على المتَّصَل عليه:

وذلك بأن لايذكر المتَّصِل اسمه حال الاتصال، بحيث يعدل عن ذلك فإذا سئل عن اسمه قال: أنا، أو أنا صديقه، أو أنا جاره، أو نحو ذلك.

وماذا عليك أيها المتَّصِل أن تقول أنا فلان الفلاني، أو بما يُعَرِّّف شخصك عنده؟

ح‌- خضوع المرأة بالقول حال المهاتفة، واسترسالها بالحديث مع الرجال:

قال الله-تعالى-: [فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً] (الأحزاب: 32).

هذا في حق نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- اللاتي هن أمهات المؤمنين-رضي الله عنهن-واللاتي لايطمع فيهن طامع، وهن في عهد النبوة.

فكيف بمن سواهن؟ إنَّ نَهْيَهُنَّ عن الخضوع من بابٍ أولى، فاتقين الله يانساء المؤمنين، وقلن قولاً معروفاً في الخير، أي بلا ترخيم ولا تمطيط، فلا تخاطب المرأةُ الأجانب كما تخاطب زوجها.

وإذا كان يحرم على المرأة ذلك-فإنه يحرم على الرجل سماعُ صوتها بتلذذ، ولو كان صوتها بقراءة القرآن.

وإذا شعرت المرأة بذلك حرم عليها الاستمرار في الكلام معه؛ لما يدعو إليه من الفتنة.

ط-إزعاج الناس بالأخبار الكاذبة:

فمن الناس من نضب ماء الحياء في وجهه، وقلَّ وقارُ الله في قلبه، فلا يبالي بما يقول، ولا يأنف من ترويع المسلمين.

فتجد هذا الصفيق يتصل ببعض البيوت ويقول-مثلاً-: لقد حصل على ابنكم حادث في السيارة فمات، أو هو الآن في حالة خطر أو نحو ذلك.

فما المتوقع أن تكون النتيجة لهذه الكذبة خصوصاً إذا سمع هذا الخبر أم أو زوجة؟

ألا فليتق الله من يقوم بذلك، وليحذر عقوبة الله العاجلة تنزل بساحته.

ي-تسجيل صوت المتكلم دون إذنه وعلمه:

فهذا ضرب من ضروب الخيانة، وإذا نشرت هذه المكالمة للآخرين فهي زيادة في التخون وهتك الأمانة.

ك-المعاكسات الهاتفية:

فمن السفلة من يتصل على البيوت مستغلاً غيبة الراعي؛ ليتخذها فرصة علّه يجد من يستدرجه إلى سفالته.

وهذا نوع من الخلوة أو سبيل إليها.

ومنهم من يستدرج بريئة في الكلام ثم يسجل صوتها ثم يتخذ ذلك ذريعةً لتهديدها وإسماع أقاربها صوتَها إن لم تستجب لمطالبه.

فهذه الأعمال وأمثالها حرام، وإثم، وجناح، وفاعلها حري بالعقوبة، فيُخشى عليه أن تنزل به عقوبة تلوث وجه كرامته.

فعلى رب الدار أن يبذل الأسباب، ويوفر الضمانات، لحماية محارمه من العابثين والسفهاء.

ومن هذه الأسباب أن يكون الهاتف في مكانه لا تغاب عنه الرقابة البيتية، مع منع تعدد أجهزة الهاتف، خاصة في غرف البنات والمراهقين، وأن ينظم الراعي مع أهل بيته من يتولى الرد على الهاتف، وآداب الرد، وعدم الاسترسال مع المتَّصِل، وهكذا مما لايخفى على محبي العفة والكرامة.


التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك