التقصير في أدب الحوار

26 يونيو، 2016 251 عدد الزوار

فالناس كثيراً مما يحتاجون إلى الحوار؛ ليصلوا من خلاله إلى نتيجة ما، سواء في المسائل العلمية، أو غيرها من الأمور التي تتفاوت في فهمها مدارك العقول.

والحوار المنهجي مفيد في إيصال الفكرة للآخرين، ومفيد في تدريب المحاور نفسه؛ إذ يرتقي بطريقته في التفكير والأداء، ويُدَرِّبه على كبح جماحه، وضبط نفسه ولسانه، ويقوي لديه ملكة المحاكمة والتفكير المتزن، مما يجعله مقبولاً بدرجة أكبر.([1])

ثم إن الناس يصلون من خلال الحوار المنضبط إلى قناعات معينة، وتصورات صحيحة.

كما أنه سبب لاتساع آفاقهم، وتفتح مداركهم؛ ولهذا عني القرآن به عنايةً بالغة؛ فهو الطريق الأمثل للإقناع الذي ينبع من الأعماق.

إلا أن المتأمل في حوارات الناس يلحظ تقصيراً كبيراً في هذا الجانب.

وقبل الدخول في ذكر جوانب التقصير في أدب الحوار-يحسن أن يُفَرَّق بين الحوار والجدال تفريقاً يوضح مدلول كل منهما.

فهما يلتقيان في أنهما حديث أو مناقشة بين طرفين، لكنهما يفترقان بعد ذلك.

أما الجدال فو الأغلب اللددُ في الخصومة وما يتصل بذلك، ولكن في إطار التخاصم بالكلام؛ فالجدال، والمجادلة، والجدل كل ذلك ينحو منحى الخصومة ولو بمعنى العناد بالرأي، والتعصب له.

هذا وستتضح معالمه في الفقرة التالية.

وأما الحوار والمحاورة فهو مراجعة الحديث، ومداولة الكلام بين طرفين، ينتقل من الأول إلى الثاني، ثم يعود إلى الأول وهكذا، دون أن يكون بين هذين الطرفين ما يدل بالضرورة على وجوب الخصومة.

وأما الآن فإلى ذكر بعض الجوانب التي يُقصَّر فيها أدب الحوار.

أ‌-  قلة الإخلاص:

وذلك بأن يدخل المرء في حوار لايريد به وجه الله، ولا الوصول من خلاله إلى معرفة الحق.

وإنما يريد أن يظهر براعته، ويبرز مقدرته، ويبز أقرانه، وينتزع إعجاب الحاضرين.

قال الرافعي-رحمه الله-: “متى وقع الخلاف بين اثنين، وكانت النية صادقة مخلصة-لم يكن اختلافهما إلا من تَنَوِّعِ الرأي، وانتهيا إلى الاتفاق بغلبة أقوى الرأيين، مامن ذلك بُدٌّ”.([2])

وعن أحمد بن خالد الخلال قال: “سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ.

وعن الحسين الكرابيسي يقول: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يُوفَّق، ويُسدَّدَ، ويُعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ.

وما ناظرت أحداً إلا ولم أُبالِ بَيَّنْ الله الحق على لساني أو لسانه”.([3])

ب‌-        الدخول في النيات:

وذلك بإلصاق التهم بالمُحَاوِر، وحمل كلامه على أسوأ المحامل، وأخذه بلازم قوله دون أن يتلزمه، أو أن يقول له: أنت لم تُرِد بما قلت وجه الله، أو نحو ذلك.

فهذا مما يفسد جوَّ الحوار، ويفقده مصداقيته وفائدته، ويخرجه إلى المهاترة والمسابَّة.

فيجمل بالمرء أن يحسن الظن بمن يحاوره، وأن لايدخل في نيته، وأن يحمل كلامه على أحسن المحامل ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

ج-الغضب:

فكثير من المحاورين إذا أبدا وجهة نظر قابله للأخذ والرد ثم عارضه صاحبه ولم يوافقه عليها-غضب لذلك أشد الغضب.

وهذا لايحسن بالمحاور، بل يحسن به أن يضبط نفسه، وألا يحمل الناس على ما يراه صواباً.

ج‌- الهجر والصرم:

فكثيراً ما تَفْسُد ذاتُ البين بين المتحاورين عند الاختلاف في وجهات النظر.

حتى إن ذلك لَيَحْدثُ بين الزملاء والأصدقاء؛ فلربما أودى الخلاف بالصداقة، وذهب بالمودة والمحبة.

إن المحاورة والمناقشة تؤثر-في غالب الأحيان-على القلوب، وتكدر الخواطر؛ فتذكر ذلك جيداً وأنت تحاور، وتذكر قول الشاعر:

واختلافُ الرأيِ لايُفْ   سِدُ للودِّ قَضِيَّة

وقول الآخر:

في الرأي تضطغن العقو   ل وليس تضطغن الصدور

فليست المشكلة أن نختلف، وإنما هي أن لانعرف كيف نختلف، وليس الحل بألا نختلف أبداً؛ فهذا غير ممكن ولا متصور، وإنما هو أن لانصعِّدَ الخلاف، وألا نسعى إلى إذكائه، وأن نعرف كيف نختلف كما نعرف كيف نتفق، كما كان الصحابة-رضي الله عنهم-فهم خير الناس حال الوفاق، وحال الخلاف.

فمع أن الخلاف وقع بينهم في العديد من المسائل إلا أن قلوبهم كانت متوادَّةً، متحابة، متقاربة، متآلفة.

بل لقد كانوا مثالاً يحتذى، ونهجاً يقتفى حتى في حال الفتنة والقتال؛ فبرغم ماحصل بينهم من قتال وفتنة إلا أن منار العدل والتقوى كان قائماً فيهم؛ فلم يُكفِّرْ بعضهم بعضاً، ولم يُبدِّع بعضهم بعضا، بل كانوا يأخذون العلم من بعض، ويلتمسون المعاذير لبعض، بل كانوا يثنون على بعض ويَتَرَحَّمون على بعض.

هـ-إغفال الجوانب العاطفية:

فالجوانب العاطفية لها دور كبير في المحاورة وغيرها، فكثير من المحاورين يغفل هذا الجانب ولا يأبه به.

وهذا خلل يحسن بالمُحَاوِر أن يتجنبه؛ ففي بعض الأحيان قد لاينفع المنطق والبرهان، وإنما يجدي التودد والإحسان.

فحينئذٍ أَلْق عصا المنطق والبيان، واحمل راية الشفقة والحنان؛ حينها تَخْطِب الودَّ، وتستولي على الأمد.

فكثيراً ما تبدأ المناقشة أو المحاورة، وروح العداوة تسيطر على أحد الطرفين.

فإذا ما دفع الآخر بالتي هي أحسن انقلبت العداوة إلى مودة، والبغضة والوحشة إلى محبة وألفة.([4])

فحري بالمحاور أن يكسب صاحبه، وأن يخطب ودَّه في كل مناسبة تسنح له؛ فيثني عليه إذا أجاد، ويسلِّم له إذا أصاب، ويرده إلى الصواب بلطف إذا هو أخطأ، ويذكر مزاياه في حضوره وغيبته، ويبادر بالهدية والزيارة إذا أحسن نفرة منه.

وهذه الأمور ليس بالسهل تحصيلها، ولا ليس بمقدور كل إنسان ينالها، بل تحتاج إلى توفيق، وتدريب، وصبر، وشجاعة [وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم] (فصلت: 35).

و-قلة الإنصاف:

فقلة الإنصاف خصلة قبيحة، تنساق بصاحبها إلى دركات سحيقة، فتقوده إلى الظلم، والكبر، والتزيد، والاعتساف، وتَنْجَرُّ به إلى الصرم، والخجر، والقطيعة.

قال الحكيم العربي:

ولم تزل قلةُ الإنصافِ قاطعةً   بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم

ثم إن قلة الإنصاف تسقط الاحترام من العيون والقلوب، وتحول بين الرجل وبين أن يزداد علماً وفضلاً، كما أنها تخذل العلم، وتطمس شيئاً من معالمه، كما أنها تفسد فيه فساداً عريضاً.

فإذا لم ينصفك محاورُك، فَرَدَّ عليك الحقَّ بالشمال وباليمين، أو جحد جانباً من فضلك، أو تعامى عما معك من الحق وهو يراه رأيَ العين-فلا تُسايرْهُ في ذلك، ولا تكن قلة إنصافِه ِحاملةً لك على أن تقابله بالعناد، فتردَّ عليه حقَّاً، أو تجحد له فضلاً، فاحترس من أن تسري لك من محاورك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك، وأنت تحسبه من قبيل محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.

كلا، لايحارب الرجل خصومه بمثل اعتصامه بالفضيلة، ولاسيما فضيلة كفضيلة الإنصاف؛ فهي تدل على نفس مطمئنة، وأفق واسع، ونظر في العواقب بعيد.

ولئن كان الإنصاف جميلاً فهو مع الأقران أجمل وأجمل؛ ذلك أن الرجل يسهل عليه أن ينصف من هو أكبر منه سناً أكثر مما يسهل عليه أن ينصف قرينه؛ ذلك لأن أكبر عائق عن الإنصاف التحاسدُ.

وحسد الإنسان لأقرانه أكبر وأشد من حسده للمتقدمين عليه في السن.

بل يسهل عليه أن ينصف أقرانه أكثر مما يسهل عليه أن ينصف من هو أحدث سناً منه؛ إذ يسبق إلى ظنه أن ظهور مزيةٍ لمن هو أحدث عهداً منه قد تفضي إلى أن يكون ذِكْرُه أرفعَ.

وفضل القرينِ على بعض أقرانه شائع أكثر من فضل المتأخر على المتقدم، وشيوع الشيء يجعله أهون على النفس مما هو أقل شيوعاً منه.

عن عمر بن سعيد عن أمه قالت: “قدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: أتجمعون لي يا أهل مكة المسائل وفيكم ابن أبي رباح-يعني عطاءً-“([5])

فابن عمر-رضي الله عنه-كان صحابياً، وعطاء ابن أبي رباح-رحمه الله-كان تابعياً، ومع ذلك أنصفه ابن عمر، ولم يغمطه حقه.

فينبغي للإنسان أن يتيقظ للأحوال التي تَتَقَوَّى فيها داعيةُ العناد، ويُعِدَّ للوقوف عند حدود الإنصاف، ومقاومة تلك الداعية ما استطاع من قوة.

كذلك لايصعب على الرجل أن ينصف قريباً أو صديقاً، بل لا يصعب عليه أن ينصف من لاتر بطه به قرابة، أو صداقة، ولا تبعده منه عداوة.

والإنصاف الذي قد يحتاج فيه إلى مراوضة النفس كثيراً أو قليلاً-هو أن يبديَ بعض أعدائه رأياً سديداً، أو يناقشة في رأي مناقشة صائبة؛ فهذا موطن تذكير النفس بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد من إثم وفساد.

ومن الإنصاف الذي يدل على الرسوخ في الفضيلة أن يتحدث الرجل عن خصمه، فينسب إليه ما يعرفه له من فضل.

أُنشد في مجلس أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب-رضي الله عنه- قول الشاعر:

فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه   إذا ما هو استغنى ويبعده الفقرُ
كأن الثريا عُلِّقتْ بجبينه   وفي خده الشِّعرى وفي الآخر البدرُ

فلما سمعها علي-رضي الله عنه- قال: هذا طلحة بن عبيد الله، وكان السيف ليلتئد مجرداً بينهما!.([6])

وإن مما يعين على اكتساب فضيلة الإنصاف-أن يحب المرء لإخوانه ما يحب لنفسه؛ فذلك أقرب للتقوى، وأنفى للوحشة والبغضاء، وأدعى للرحمة والمودة والقربى؛ “فأعدل السِّير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك”([7]).

قال النبي-عليه الصلاة والسلام-: “لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.([8])

قال الخطابي:

ارض للناس جميعاً   مثلَ ما ترضى لنفسكْ
إنما الناسُ جميعاً   كُلُّهُمْ أبناءُ جنسكْ
فلهم نفسٌ كنفسك   ولهم حسٌّ كَحِسِّكْ([9])

ومما يعين على الإنصاف-أيضاً-أن يضع المرء نفسه موضع خصمه؛ فذلك مما يدعو لالتماس المعاذير، والبعد عن إساءة الظن، والحذر من مواطن الظلم والاعتساف.

قال ابن حزم-رحمه الله-: “من أراد الإنصاف فَلْيَتَوَهَّّْمْ نَفْسَهُ مكانَ خصمه؛ فإنه يلوح له وجهُ تَعَسُّفِهِ”.([10])

ز-التهكم بالمحاور:

وهذا مما يسلكه بعض الناس في محاوراته، فتراه يزدري مُحَاوِرَهُ، ويتهكم به، ويغضُّ من شأنه، ويحط من مرتبته.

وهذا الصنيع من آفات الحوار، وعلل المحاورين؛ فهو دليل على الكبر والغرور، ومن علامات الإعجاب بالنفس، والاستطالة على الآخرين.

فالتهكم بالمحاور مما ينافي أدب الحوار، فلا ينبغي للمحاور أن يلجأ إليه إلا إذا اقتضى الحال ذلك، كأن تتحدث مع طائفةٍ باعوا نفوسهم بمتاع هذه الحياة الدنيا، واندفعوا لإغواء الأمة، والكيد لها ولشريعتها بجميع ما يملكون من صفاقةٍ، وعناد، وسوء طَوِيَّة.

ولعل الناس يعذرونك حين تتصدى لكف بأس هؤلاء ويجري على لسانك أو قلمك في خلال جدالهم كلمةٌ تتهكم بعقولهم، أو تزدري آراءهم، أو تنبه على مكر انطوت عليه دعايتهم.

فإنك إن تهكمت بعقول هؤلاء، أو ازدريت آراءهم-فإنما تضعها في مواضعها، وتمسُّ خُيلاءهم بما يخفف من غلوائها.([11])

ح-التحدي والإفحام:

فتلك آفة يعاني منها كثير من المحاورين، فتجد كثيراً منهم يحرص كل الحرص على إفحام صاحبه، وإسكاته، وربما الإطاحة به.

وهذا الأسلوب لاينبغي ولو كان بالحجة والبرهان؛ ذلك أنه يورث التنافر، ويهيج العداوة، ويُبَغِّضُ صاحبه للآخرين؛ فلا تلجأ إليه؛ لأن كسب القلوب أهم من كسب المواقف.

ثم إنك قد تفحم محاورك، وتعجزه عن الجواب، لكنك لا تقنعه.

وقد تسكته بقوة حجتك، ولحن منطقك ومع ذلك لايُسلِّم لك؛ لأنك قد أحرجته، وملأت قلبه غيظاً وحنقاً عليك، فيرفض التسليم لك بعاطفته، وإن كان معك بعقله.

ولعل وقع التحدي يكون أشد، وجرحه أغور-إذا كان أمام جمع من الناس، ويزداد الأمر شدة كلما ازداد الجمع.

أما إذا تلطفت معه وترفقت به فإنه سينقاد إلى الحق، وسيسلم لك ويذعن إن عاجلاً أو آجلاً.

فإذا أنهيت ما تريد قوله، وأدليت بدليلك فاترك صاحبك وإن لم يوافقك؛ فهو مع مرور الزمن، وتَخَمُّرِ الفكرة في رأسه سيقتنع برأيك، بل ربما تبناه، ودافع عنه؛ فالوقت له قيمته، وهو جزء من علاج الأفكار والنفوس.([12])

ومع ذلك يبقى الإفحام هو الأسلوب الأمثل إذا استدعاه المقام، واقتضاه الحال، كما هو الشأن مع من يتعامى عن الحق، ويثير الشبه والأباطيل، فإفحامه مما يدحض حجته، ويكسر شوكته، ويسقط هيبته.

وكذلك فعل إبراهيم الخليل-عليه السلام-حينما حاجّه النمرود في رباه الذي آتاه الملك، فأفحمه الخليل وأسكته.

قال-تعالى-: [ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين] (البقرة: 258).

ط-تفخيم النفس:

فذلك مما يعاني منه كثير من المحاورين؛ فتراه يكثر من إدراج ضمير المتكلم(أنا)، أو ما يقوم مقامه كأن يقول: (في رأيي)، أو (حسب خبرتي)، أو(هذا ما توصلتُ إليه)، ونحو ذلك.

وأقبح ما في هذا أن يفخّم نفسه أكثر من ذلك، فيأتي بضمير الجمع كأن يقول: (هذا رأينا)، أو(هذا ترجيحنا)، أو(هذا ما توصلنا إليه)، أو نحو ذلك من العبارات الفَجَّة، التي تنم عن غرور ونقص.

فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس بعد تقاربها، ولتناكر الأرواح بعد تعارفها، وهو مما يفقد الحوار قيمته وفائدته؛ وذلك لما يتركه من انطباع سييء لدى السامع؛ فالإنسان بطبعه يكره من يتعالى عليه، وينزله منزلة الجاهل.

والبديل الصحيح عن ذلك أن يتحدث المرء مستعملاً الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: ويبدو للدارس كذا وكذا، أو يقول: ولعل الصواب أن يقال كذا وكذا، ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس.([13])

ي-تجاهل اسم المحاور:

كأن يقول المرء بين الفينة والأخرى لمحاوره: يافلان بغير اسمه تجاهلاً له، أو أن يناديه بلقب يكرهه.

ومن ذلك أن يكثر من إيراد ضمير المخاطب في مخاطبة محاوره كأن يقول: أنت، أو ما يشاكله كأن يقول: قلتَ، أو تكلمتَ، أو أخطأتَ، أو تعجلتَ، أو نحو ذلك.

فهذا مما ينافي الأدب، ويثير المحاور، ويجلب الضغائن.

فالأولى بالمرء أن لا يخاطب محاوره إلا باسمه مقروناً بتفخيمه وتبجيله، وإنزاله المنزلة اللائقة به، وإن كنَّاه أو ناداه بلقب يَسُرُّه فحسن جميل.([14])

وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله-تعالى-: [يا أهل الكتاب] ، وقول: [يا أولي الأبصار].

ويتأكد هذا الأدب في محاورة الصغير للكبير، والمرؤوس للرئيس ونحو ذلك.

ك-التنازل عن المبدأ الثابت:

فهناك من يحاور غيره، فيتنازل له عن مبادئه الثابتة عند أدنى شبهة تثار عليه.

وهذا من آفات الحوار، ومما يتنافى مع الحزم.

وليس معنى ذلك أن يصر المرء على لجاجه وعناده بعد أن يتبين له الحق، بل الحكمة والعدل أن يرجع عن رأيه وقوله إذا لاح له وجه الصواب.

وإنما المقصود أن يثبت على مبدئه، ولا يرجع عما عقد عليه قلبه إلا إذا تبين له خلاف ذلك بالبرهان الساطع، والدليل القاطع.

قال ابن حزم-رحمه الله-: “الثبات الذي هو صحة العقد، والثبات الذي هو اللجاج مشتبهان اشتباهاً لا يفرق بينهما إلا عارف بكيفية الأخلاق.

والفرق بينهما أن اللجاج هو ما كان على الباطل، أو ما فعله الفاعل نصراً لما نشب فيه، وقد لاح له فساده، أو لم يَلُحْ له صوابه ولا فساده، وهذا مذموم، وضده الإنصاف.

وأما الثبات الذي هو صحة العقد فإنما يكون على الحق، أو على ما اعتقده المرء حقاً ما لم يَلُحْ له باطله، وهذا محمود، وضده الاضطراب.

وإنما يلام بعض هذين لأنه ضَيَّع تدبر ما ثبت عليه، وترك البحث عما التزم أحق هو أم باطل”.([15])

وقال العقاد:

“العناد، والثبات على الرأي نقيضان؛ العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه.

والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه”.([16])

ل-الإصرار على الخطأ، والأنفة من الرجوع إلى الحق:

فكما أن من آفات الحوار تنازلَ المرءِ عن مبدئه الثابت-فكذلك من آفاته الإصرار على الخطأ والأنفة من الرجوع إلى الحق.

فمن المحاورين من يصر على رأيه بعدما تبين له فساده، ويأنف من الرجوع إلى الحق بعد ما تبين له وجه الحقيقة الأبلج؛ إما خوفاً من سقوط منزلته، وإما لحسدٍ تنطوي عليه دخيلة نفسه، أو حذراً من تفوق الخصم، وحرصاً على الانفراد بخصال الحمد، أو متابعة للأصحاب، ومسايرة لمن هم على الشاكلة، أو لإرادة الإضلال، ومحاولة قتل الحق وطمس معالمه، أو غير ذلك من أسباب رد الحق، و الإصرار على الباطل.

وهذه الآفة نوع من العناد “والعناد قبيح، ويشتد هذا القبح بمقدار ظهور الحجة على الرأي الذي تحاول رَدَّه على صاحبه؛ فمتى كانت الحجة أظهر كان العناد أقبح.

والإنصاف جميل، ويكون جماله أوضح وأجلى حيث يكون في حجة الرأي الصائب شيء من الخفاء، وحيث يمكنك أن تَتَحَيَّزَ لرأيك، وتُهَيِّءَ كثيراً من الأذهان لقبوله”.([17])

كذلك قد تقول قولاً تراه صواباً، وقد تعمل عملاً تحسبه حسناً، فينقده آخرُ بميزان العلم الصحيح، ويريك أنك قد قلت خطأً، أو عملت سيئاً.

ففي مثل هذا المقام قد تجد في نفسك كراهةً للاعتراف بالخطأ في القول، أو الإساءة بالعمل.

فإن كنت على ذكر في فضيلة الرجوع للحق، وعلى بَيِّنَةٍ من قبح الإصرار على الباطل-لم تلبث أن تكظم الكراهة، ولم تجد في نفسك حرجاً من أن تقول للناس: إني أخطأت في قولي، وأسأت في عملي.

فالأكابر لا يأنفون من الاعتراف بالخطأ إذا أخطأوا، ولا يتَلبَّثُون في الرجوع إلى الحق ولو عظمت مناصبهم وعلت أقدارهم.

والراسخون في الفضيلة لا يبالون أن يكون رجوعهم عن الخطأ أمام من خالفه وحده، أو بمحضر جمع كبير.([18])

“وقد ينقل التاريخ شذراتٍ من حوادث المنصفين لمن خالفهم في أمر، أو المعترفين لبعض خصومهم بفضيلة، فتهتز في نفوس قرائها عاطفةُ احترامٍ لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد.

وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه في الرأي فأصاب.

وربما كان إكبارهم لمن شهد لخصمه بمكرمة فوق إكبارهم للشخص المشهود له بتلك المكرمة.

وسبب هذا الإكبار عظمةُ الإنصاف، وعزة من يأخذ نفسه بها في كل حال”.([19])

ولو أخذت هذه الخصلة حظها من النفوس لعمّ الائتلاف، ولقلّ الاختلاف.

عن الربيع بن سليمان قال: “سمعت الشافعي يقول: ما أورَدْتُ الحقَّ والحجة على أحد فقبلهما مني إلا هِبْتُه، واعتقدت مَوَدّتَهُ، ولا كابرني على الحق أحد، ودافع الحجة إلا سقط من عيني”.([20])

“ونقرأ في تاريخ العلامة محمد بن عبدالسلام أن ابن الصباغ اعترض عليه في أربعة عشر مسألة، فلم يدافع عن واحدة منها، بل أقر بالخطأ فيها جميعاً”.([21])

“ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي تلاميذه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يظهر عليه أحدهم في بحث، أو محاورة.

يذكرون أن العلامة أبا عبدالله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.

ويروى أن أبا عبدالله-هذا-كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلام في مسألة، وطال البحث اعتراضاً وجواباً حتى ظهر أبو عبدالله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعباً:

أعلمه الرماية كلّ يومٍ    

 

فلما اشتد ساعدُه رماني”.([22])

 

 

 م-قلة العلم بمادة الحوار:

فقد يحاور المرء بدون علم؛ فإن فعل ذلك عرّض نفسه للإحراج، بل ربما خذل الحق خصوصاً إذا كان الذي أمامه محاوراً بارعاً، فلربما أقنع السامعين بفكرة خاطئة، أو شكّكهم بفكرة صحيحة؛ فكم ضاع من حق بسبب سوء العبارة، وقلة العلم، وكم ظهر من باطل بسبب حسن العرض، وجمال العبارة.

في زخرف القول تزيينٌ لباطله   والحق قد يعتريه سوءُ تعبيرِ

فلا ينبغي لشخص أن يدخل في حوار إلا وقد أحاط به علماً؛ فالعلم بموضوع الحوار، والعلم بتفاصيله، والتسلح بالحجج والبراهين-سلاح ماضٍ بيد المحاور الناجح؛ إذ يمكنه من الوقوف على أرض ثابتة، وليس على رمال متحركة؛ فالمستيقن من الحق الذي معه تراه مطمئن الخاطر، آمناً على مذهبه من صولة الباطل؛ فينطق عن أناة وتَخَيُّرٍ للأقوال الصائبة.

والعرب تقول: “قبل الرمي يراشُ السهم”، أي هَيِّىءِ الأمر، وأَعِدّه قبل حاجتك إليه.([23])

أما من لم يكن على بصيرة من رأيه فإنه ينزعج عند الحوار، ويطيش به الجدل، حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزناً.

والعرب تقول في أمثالها: “عند النطاح يُغْلَبُ الكبش الأجم”؛ لأنه فعل ذلك من غير عُدَّةٍ هَيَّأَها.([24])

ثم إن حق الإعراض والتخطئة، والتصدي للمحاورة لا يَتَأَتَّى لجاهل في مواجهة عالم، بل ولا يقبل منه.

ومن لايعلم لا يصح له أن يتصدى لمن يعلم، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

ولا يلزم من لديه علم أن يدخل في كل حوار؛ بل ينبغي له أن لا يدخل حواراً إلا وهو عالم به؛ إذ أن مجرد علمه في الأصل لا يكفي.

وخير ما يستعين به المحاور عند إرادته الحوار في موضوعٍ ما-أن يجمع أطراف الموضوع، ويتصور جميع احتمالاته، ووجوهه، وأن يطلع على ما كتب فيه سواء من المؤيدين أو المعارضين، وأن يكون ذا نظرٍ ثاقبٍ، وخبرة عالية بظروف المكان والزمان، وتطورات العلوم والمعارف، وطبائع النفوس ونزواتها.

وكلما كان أحسن في عرض معلوماته وإثبات أفكاره-كلما كانت الاستجابة له أدعى وأكبر([25]).

ن-إصدار الأحكام في مستهل الحوار:

فمن المحاورين من يكون على بَيِّنةٍ من أمره، وعلى علم بمادة حواره، ولكنه يتعجل النتائج، فيصدر أحكامه في بداية حديثه، ويجهر برأيه الصريح في مستهل حواره، وهذا مما قد يسبب ردّ كلامه، والاعتراض عليه، والنفور منه ولو كان الحق معه.

فمن الحكمة أن يتدرج المحاور في طرح أفكاره، ومن حسن السياسة أن لايجهر برأيه الصريح في صدر مقاله.

وإنما يبتدأ بما يخف على المخاطبين سماعه من المعاني الحائمة حول الغرض، ثم يعبر عن المراد بلفظ مجمل، ثم يدنو من إيضاحه شيئاً فشيئاً، حتى لا يفصح عنه إلا وقد أَلِفَتْهُ نفوسهم، وهدأت له خواطرُهم.

وعلى هذه الطريقة جرى مؤمنُ آلِ فرعونَ؛ فقد كان يكتم إيمانه وهو يحب أن يظهره، ويدعو قومه إلى مثله.

وكان يخشى بادرةَ غضبهم أو انتقامهم منه إذا هو صَرَّح بعقيدته.

وعندما أجمعوا على قتل موسى-عليه السلام-بادر هذا المؤمنُ الفرصةَ، واغتنم هذا الوقت، فقام ينكر عليهم هذه المؤامرة المخزية، وتَخَلَّصَ إلى أن دعاهم إلى الإيمان بما بُعث به هذا الرسول دعوة ظاهرة.

قال-تعالى-: [وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم] (غافر: 28).

فلقد فاتحهم بالإنكار على قتله، وهذا لايدل على أنه مُصَدِّقٌ برسالته؛ إذ قد ينهى العاقل عن سفك دم الرجل وهو من أبغض الناس إليه؛ تألماً من مشهد الظلم، أو حذراً مما ينشأ عنه فتنة.

ودل بقوله: [أن يقول ربي الله] على ما لهذا الرجل من فضل في العقيدة، وأدمأ إلى أنه لم يجيء شيئاً نكراً يستحق به هذه العقوبة الصارمة.

وذكّرهم إذ قال: “وقد جاءكم بالبينات من ربكم”بالدلائل القائمة على صدقه في دعوى هذه الرسالة، وأخذ يَتَقَرَّب بهذه الجملة من دعوتهم إلى ربه، ولم يرد التظاهر أنه من شيعته، فعزل نفسه عمن جاءهم بهذه البينات، وأضاف مجيئها إليهم خاصة، ثم استرسل في موعظته المنسوجة، ودعاهم إلى دين الحق بقوله الصريح كما قال-تعالى-عنه: [وياقوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله، وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار] (غافر: 41-42).

ولو أنه فاتحهم بهذه الدعوة الصريحة في بداية خطابه لربما ردوه، ولم يقبلوا منه شيئاً البتة.([26])

س-قلة المراعاة لعامل الزمان والمكان:

وذلك بأن يكون الحوار في زمانٍ ضيّقٍ لايتسع للأخذ والرد، كأن يكون قبيل وقت صلاة، أو أن يكون أحدهما على جناح سفر، أو يكون مستعداً لنوم، أو نحو ذلك.

ومن ذلك أن يكون الحوار في مكان مليء بالناس؛ فذلك مدعاة للرياء، والعناد، والحرص على الغلبة، والإطاحة بالخصم.

والأولى أن يكون في مكانٍ محدد؛ فذلك أجمعُ للفكرة، وأدعى لقبول الحق، وأقرب لصفاء الذهن، وأسلم لحسن القصد.

ع-التشعُّب في الحوار، والخروج عن المضمون:

فهذا من آفات الحوار، ومما يفقده أهميته، ويقلل الفائدة المرجوة منه.

فينبغي للمتحاورين أن يكون كلاهما ملائماً للموضوع، ليس فيه خروج عما هما بصدده.([27])

ف-محاورة ذي المهابة العظيمة:

فلا يحسن بالمرء أن يدخل حوار مع أهل المهابة العظيمة والاحترام الوافر؛ كيلا تدهشَه وتذهله جلالة محاوره عن القيام بحجته كما ينبغي.([28])

أما إذا كان المرءُ رابط الجأش، ساكن النفس، عالماً متيقناً بأن مهابة محاوره لن تقصره عن الإبانة عما لديه-فلا بأس بالمحاورة حينئذ.


([1]) انظر: في أصول الحوار إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي ص7.

([2]) وحي القلم للرافعي2/315.

([3]) صفة الصفوة لابن الجوزي2/167.

([4]) انظر في أصول الحوار ص75.

([5]) صفة الصفوة2/143.

([6]) انظر رسائل الإصلاح1/38-47.

([7]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص73.

([8]) رواه البخاري1/9، ومسلم (45).

([9]) أقوال مأثورة ص456.

([10]) الأخلاق والسير ص80.

([11]) انظر الدعوة إلى الإصلاح ص55.

([12]) انظر في أصول الحوار ص60 وكيف تحاور د.طارق الحبيب ص61.

([13]) انظر في أصول الحوار ص75.

([14]) انظر كيف تحاور ص21، 28، 29-30.

([15]) الأخلاق والسير ص57.

([16]) أقوال مأثورة ص200 عن آخر كلمات العقاد ص39.

([17]) رسائل الإصلاح1/46.

([18]) انظر رسائل الإصلاح1/42-45.

([19]) رسائل الإصلاح1/46.

([20]) صفوة الصفوة2/167.

([21]) رسائل الإصلاح1/42.

([22]) رسائل الإصلاح1/44.

([23]) الأمثال لأبي عبيد ص215.

([24]) الأمثال لأبي عبيد ص215.

([25]) انظر في أصول الحوار ص33-34، والدعوة إلى الإصلاح ص54-55.

([26]) انظر الدعوة إلى الإصلاح ص63-64.

([27]) انظر آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين الشنقيطي2/76.

([28]) انظر آداب البحث والمناظرة2/76.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك