التعرض للسفلة والسفهاء

26 يونيو، 2016 243 عدد الزوار

فهناك من الناس من لا يأنف من مجاراة السفهاء، والتعرض للسفلة؛ فإذا ما جمعه بهم مجلس توسع في الحديث معهم، وتمادى في مضاحكتهم وممازحتهم.

مما يجعله عرضة لسماع ما لايرضيه من ساقط القول وقبيحه، فيصبح بذلك مساوياً لهم في سفههم وسفالتهم؛ إذ نزل إليهم، وانحط في حضيضهم.

إذا جاريت في خلقٍ دنيئاً    

فأنت ومن تجاريه سواء([1])
 

فليس من الحكمة ولا المروءة أن يتعرض المرء لهؤلاء، وإنما الحكمة وتمام المروءة أن يُعْرِضَ المرء عنهم، ويدَع مجاراتهم والحديث معهم إلا بقدر ماتدعو إليه الحاجة؛ من سلام أو ردِّه، أو جواب لسؤال، أو نحو ذلك.

لا تُرْجِعَنَّ إلى السفيه خطابَه    

إلا جوابَ تحيةٍ حيَّاكَها
 

فمتى تُحرِّكْه تُحرِّكْ جيفةً   تزداد نتناً إن أردت حِراكَها([2])

وإذا ما أراد السفيه أن يبدأ بالسفه فما أجمل الإعراض عنه، وتجاهله؛ كي يُقصر عن غيِّه وسفهه.

أعرض عن الجاهل السفيه    

فكل ماقال فهو فيه
 

ماضرَّ نهر الفراتِ يوماً    

لو خاض بعضُ الكلابِ فيه([3])
 

فمن أعرض عن الجاهلين، وترك مجاراة السفهاء حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع مايؤذيه.

قال-تعالى [خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين] (الأعراف:199).

فبالإعراض عن هؤلاء يحفظ الرجل على نفسه عزتها؛ إذ يرفعها عن الطائفة التي تَلَذُّ المهاترةَ والإقذاع.

قال ابن عباس-رضي الله عنهما-: “ولا تمارِ حليماً ولا سفيهاً؛ فإن الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك”.([4]).

قال بعض الشعراء:

إني لأُعْرِضُ عن أشياءَ أَسْمَعُهَا   حتى يقولَ رجالٌ إني بي حُمُقَا
 
أخشى جوابَ سفيهٍ لاخلاقَ له   فَسْلٍ وظنَّ أناسٍ أنه صدقا([5])
 

وقال الخطابي: “أنشدني ابن مالك، قال أنشدني الدَّغُولي في سياسة العامة:

إذا أمن الجهالُ جهلك مرةً   فَعِرْضُكَ للجهال غُنمٌ من الغُنمِ
 
وإن أنت نازيت السفيه إذا نزا([6])   فأنت سفيهٌ مثلُه غير ذي حِلْمِ
 
ولا تتعرض للسفيه ودارِه   بمنزلةٍ بين العداوة والسِّلْمِ
 
فيخشاك تاراتٍ ويرجوك مَرَّةً   وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم([7])
 

قال ابن المقفع: ” واعلم أنك ستبتلي من أقوام بسفه سيطلع منك حقداً.

فإن عارضته، أو كافأته بالسفه فكأنك رضيت ما أتى به؛ فأحببت أن تحتذي على مثاله.

فإن كان ذلك عندك مذموماً فَحَقِّقْ ذمَّك إياه بترك معارضته.

فأما أن تذمه وتمتثله ([8]) فليس في ذلك سداد”.([9])


([1]) ديوان أبي تمام4/296 وانظر أقوال مأثورة ص15.

([2]) الحلم لابن أبي الدنيا ص32.

([3]) ديوان الشافعي ص90 تحقيق الزعبي.

([4]) العزلة للخطابي ص134-135.

([5]) عيون الأخبار1/284.

([6]) نزا: وثب وأراد الشر.

([7]) العزلة للخطابي ص206-207.

([8]) تمتثله: تحتذيه وتسلك طريقه.

([9]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص155.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك