الاستئثار بالحديث

26 يونيو، 2016 524 عدد الزوار

فهناك من يثرثر حديثه، ولكنه يعطي غيره فرصة كي يتحدث.

والثرثرة قبيحة-كما مر-وأقبح منها أن يستأثر المرء بالحديث، فلا يعطي غيره فرصة لأن ينبس ببنت شفة.

والأثرة بالحديث آفة قبيحة، يغفل عنها كثير من المتحدثين؛ لظنهم أن سكوت من أمامهم إنما هو إعجاب بكلامهم، وموافقة لهم على الإطالة.

فيحسن بالتحدث تجنب الاستئثار بالحديث وأن لايعيب على غيره ذلك ويبيحه لنفسه.([1])

فمن الأدب بالكلام أن يقتصد المسلم في تحدثه في المجالس، وأن ينأى بنفسه من صنيع بعض الناس، ممن لايستحيون من امتلاك ناصية الحديث في محافل الناس، فيملأون الأفئدة بالضجر من طول مايتحدثون.([2])

قال الشيخ-عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله-: “إياك أن تتصدى في مجالسك مع الناس للترؤس عليهم وأنت لست برئيس، وأن تكون ثرثاراً متصدراً بكل كلام.

وربما من جهلك وحمقك ملكت المجلس على الجلوس، وصرت أنت الخطيب والمتكلم دون غيرك.

وإنما الآداب الشرعية والعرفية مطارحة الأحاديث، وكلٌ من الحاضرين يكون له نصيبٌ من ذلك، اللهم إلا الصغار مع الكبار، فعليهم لزوم الأدب، وأن لا يتكلموا إلا جواباً لغيرهم”.([3])


الحديث عن النفس على سبيل المفاخرة:

فبعض الناس لايفتأ يتحدث عن نفسه، فيذكر محاسن نفسه، ويمتدح أعماله، ويفتخر بما يصدر منه من أفضال وأيادٍ.

ويدخل في ذلك تحدثه عن إعجابه بكلامه، وتصنيفه، وشعره، وسائر مايخصه.

ويدخل في ذلك-أيضاً-حديثه عن ذكاء أولاده، وذكر أخبارهم، والحديث عن زوجته، وحسن تدبيرها، ونحو ذلك.

والأصل في مدح الإنسان نفسه المنع؛ لقوله-عز وجل- [فلاتزكوا أنفسكم] (النجم: 32).

وتزكية النفس داخلة في باب الافتخار غالباً.

فإن وجد ما يقتضي الحديث عن النفس وتزكيتها-إما للتعريف بنفسه، وإما لتوضيح الأمور المبهمة، وإما لدفع تهمة، وإما لغير ذلك من الأمور المشروعة-فإن تلك التزكية جائزة، ومدح النفس والحديث عنها حينئذٍ لاغبار عليه.([4])

قال الإمام النووي -رحمه الله-: “واعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم ومحبوب.

فالمذموم أن يذكر للافتخار، وإظهار الارتفاع، والتميز على الأقران، وشبه ذلك.

والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف، أو ناهياً عن منكر، أو ناصحاً بمصلحة، أو معلماً، أو مؤدباً، أو واعظاً، أو مذكراً، أو مصلحاً بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شراً، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله، واعتماد مايذكره.

وقد جاء لهذا المعنى مالايحصى من النصوص”.([5])

ثم ساق -رحمه الله- أمثلة على ذلك.([6])

قال ابن المقفع: “وإن أنست من نفسك فضلاً-فتحرّج من أن تذكره، أو تبديه، واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل.

واعلم أنك إن صبرت، ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس.

ولايخفينّ عليك أن حرص الرجل على إظهار ماعنده، وقلة وقاره في ذلك-باب من أبواب البخل واللؤم، وأن خير الأعوان على ذلك السخاءُ والتكرم.

وإن أردت أن تلبس ثوب الوقار والجمال، وتتحلى بحلية المودة عند العامة، وتسلك الجدد([7]) الذي لاخبار([8]) فيه ولاعثار-فكن عالماً كجاهل، وناطقاً كعيي.

فأما العلم فيزينك ويرشدك، وأما قلة ادعائه فتنفي عنك الحسد، وأما المنطق إذا احتجت إليه فيبلغك حاجتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة والوقار”.([9])

([1]) انظر كيف تحاور د.طارق الحبيب ص15.

([2]) انظر خلق المسلم للغزالي ص160.

([3]) الرياض الناضرة ضمن المجموعة الكاملة لابن سعدي، الخامسة ص549.

([4]) انظر السلوك الاجتماعي في الإسلام لحسن أيوب ص428-429.

([5]) الأذكار للنووي ص246-247.

([6]) انظر الأذكار ص247.

([7]) الجدد: الأرض المستوية.

([8]) لا خبار: الخبار ما استرخى من الأرض.

([9]) الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع ص135 شرح ودراسة د.مفيد قميحة.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك