الإتحاد الأوروبي

27 نوفمبر، 2016 333 عدد الزوار

أوربا – كما هو معلوم – قارة كبيرة تجمع أمماً عريقة، وثقافات متباينة، وأجناساً مختلفة، ودولاً كثيرة. وأغلب تلك الدول لها تاريخ، وحضارة، وثقافة، وعراقة. وأكثرها تفخر بما لها من مجد، وتحاول المحافظة على خصوصيتها، ومكتسباتها.

وقد قامت الحروب بين كثير من تلك الدول، وحصل بينها ما حصل من التدابر، والقطيعة، والتقاتل. ولعل آخرها، وأشرسها ما حصل في الحروب العالمية الأخيرة، التي أكلت الأخضر واليابس، والتي لا زالت آثارها باقية إلى يومنا هذا؛ فَقَلَّ أن تجد أُسْرة في أوربا إلا ونالها ما نالها من قتل أو تشريد.

بل إن كثيراً من الأحياء منهم الآن أصابه ما أصابه في نفسه، أو والده، أو جده، أو قريبه. ثم إن الفروق في الديانة موجود – أيضاً – لاختلاف الديانات، أو الكنائس بين أصحاب الديانة النصرانية، وما يندرج تحت ذلك من تفصيلات يطول ذكرها.

فأسباب العداوة والفرقة – إذاً – معقولة، متوافرة. ومع ذلك فإن عقلاءهم تنادوا لرأب الصدع، ووقف النزيف، والنظر في المصالح الكبرى، والحرصِ على تجنيب أجيالهم القادمة شبح الحرب، والجوع، والخوف، والفقر، والجهل.

وحرصوا كل الحرص على أن يكون لهم حضورٌ قويٌّ بين دول العالم؛ حتى يُهابَ جنابُهم، ويُحْسَبَ حِسَابُهم. ومن هنا قامت فكرة الاتحاد الأوربي، وصارت حقيقة ماثلة للأعيان بعد أن كانت صورة قائمة في الأذهان. ولا زالوا يسعون سَعْيَهم في تطوير ذلك الاتحاد، وتعاوُرِه بالتهذيب والإصلاح.

وكلما سمعتُ، أو رأيتُ، أو قرأت شيئاً عن ذلك الاتحاد حصل لي تَذَكُّرٌ، وألم. أما التذكر فهو لما جاء في صحيح مسلم عن موسى بن علي عن أبيه قال: قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص‏: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: « ‏تقوم الساعة والروم أكثر الناس ».

فقال له عمرو‏:‏ أبصر ما تقول‏،‏ قال‏:‏ أقول ما سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال‏:‏ لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً‏:‏ إنهم لأحلم الناس عند فتنة‏،‏ وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة‏،‏ وأوشكهم كرة بعد فرة‏،‏ وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف‏،‏ وخامسة حسنة وجميلة‏:‏ وأمنعهم من ظلم الملوك‏.‏

وفي رواية أن المستورد القرشي قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: « ‏تقوم الساعة والروم أكثر الناس‏ ». قال: فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال‏:‏ ما هذه الأحاديث التي تُذْكَرُ عنك أنك تقولها عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم. فقال له المستورد‏:‏ قلت الذي سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم. قال: فقال عمرو‏:‏ لئن قلت ذلك إنهم لأحلم الناس عند فتنة‏،‏ وأجبر الناس عند مصيبة‏، وخير الناس لمساكينهم وضعفائهم‏.

وقوله: ” أجبر الناس عند مصيبة “: هكذا في معظم الأصول: وأجبر، بالجيم، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور‏.

وفي رواية بعضهم‏:‏ وأصبر، بالصاد‏، قال القاضي‏:‏ والأول أولى لمطابقة الرواية الأخرى‏:‏ ” وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة “،‏ وهذا بمعنى أجبر‏.‏

وفي بعض النسخ‏:‏ أخبر، بالخاء المعجمة، ولعل معناه أخبرهم بعلاجها والخروج منها.

فانظر إلى كلام هذا الصحابي الجليل، والداهية العظيم الذي اجتمع له نور العقل والفطرة، ونور الشرعة المطهرة، انظر كيف عرف طبائع أولئك القوم، وما يتميزون به من تلك الخصال؟!

وكيف استدل على أن من يملك تلك المقومات جدير بأن يكون له غلبة، ومنعة، وهيبة؛ فهذا هو التذكر الذي أَتَذَكَّرُهُ.

أما الألم فهو ما يكون عند النظر في حال المسلمين؛ فبينما أوربا وهي الدول الكافرة التي لا تستند إلى وحي يزكيها، وينير عقولها –  تتجه إلى الاتحاد، والاجتماع، ونبذ الخلاف، واطراح الأحقاد، وترك الاجترار للمآسي الماضية –  إذا بالمسلمين شذر مذر، وكل حزب بما لديهم فرحون!

مع أنهم ينتسبون إلى وحي معصوم، يأمرهم بالاجتماع، ويبين لهم أسبابه، ويحذرهم من الخلاف، ويبين لهم عواقبه. ومع ذلك تراهم يتفرقون لأتفه الأسباب، ولا يكادون يجتمعون ولو توافرت لديهم أسباب الاجتماع. فلعل الله – بمنه وكرمه – يهيئ للمسلمين أسباب التآلف، ويصرف عنهم ما يُفضي إلى فرقة وتدابر.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك