إظهار الملالة من الجليس

26 يونيو، 2016 322 عدد الزوار

فهناك من الناس من هو ضَيِّقُ الطعن، كثير الملامة، فإذا ما جلس إليه أحد أظهر الانقباض، وأبدى الضجر، ولم يتحدث إلى جليسه إلا على سبيل الاختصار.

وإذا أقبل إليه أحد، وتَقَصَّده ليجالسه-لم يَتَطَلَّقْ له، ولم يفرح بمقدمه، بل ربما قابله بالإشاحة والصدود، وبالاكفهرار والعبوس.

وهذا الخلق مما يتنافى مع المروءة؛ إذ المروءة وكمال الأدب يقتضيان أن يتطلّق المرء لجليسه، وأن يظهر له الفرح، وأن يلاطفه بحسن الحديث، ويشكره على تفضله ومجيئه؛ فلجليسك ومن يَتَقَصَّدك حق ومكانة.

وكرامُ الناس وساداتهم يقضون هذا الحق، ويكرمون جليسهم ومن يقصدهم حق التكرمة، فيرفعون من قدره، ويعلون منزلته، ولا يرضون أن يهان أو ينال بمكروه مادام في حضرتهم.

“والعرب تجعل الحديث، والبسط، والتأنيس، والتلقي بالبِشْر-من حقوق القِرى، ومن تمام الإكرام.

وقالوا: من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة”.([1])

قال حاتم الطائي:

سلي الجائعَ الغرثان يا أمَّ منذرٍ   إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هَلَ ابْسط وجهي إنه أَوَّلُّ القِرى   وأبذل معروفي له دون منكري([2])

وقال مسكين الدارمي:

لحافي لحافُ الضيف والبيتُ بيتُه   ولم يلهني عنه غزالٌ مُقَنَّع([3])
أحدّثه إن الحديث من القِرى    

وتعلم نفسي أنه سوف يهجع([4])

 

وقال الآخر:

وإني لطلقُ الوجهِ للمبتغي القِرى   وإن فنائي للقِرى لرحيبُ
أضاحك ضيفي قبل إنزالِ رحلهِ   فيخصب عندي والمكان جديبُ
وما الخصبُ للأضيافِ أن يكثر القِرى   ولكنما وجهُ الكريمِ خصيبُ([5])

وقيل للأوزاعي-رحمه الله-: “ما إكرام الضيف؟

قال: طلاقة الوجه، وطيب الكلام”.([6])

وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-:

“أَعَزُّ الناسِ عليَّ جليسي، الذي يتخطّى الناس إليَّ، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشق عليَّ!”.([7])

“وعن ابن عباس أنه سئل: من أكرم الناس عليك؟.

قال: جليسي حتى يفارقني”.([8])

“وقال معاوية-رضي الله عنه-لعرابةَ الأوسيِّ: بم استحققت أن يقول فيك الشماخ:

رأيت عُرَابَةَ الأوسيَّ يسمو   إلى الخيرات مُنْقَطِعَ القرينِ
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ   تَلَقَّاها عُرابةُ باليمينِ

فقال عرابةُ: هذا من غيري أولى بك يا أميرَ المؤمنين.

فقال: عزمت عليك لتخبرني.

فقال: بإكرامي جليسي، ومحاماتي على صديقي.

فقال: إذاً استحققت”.([9])

وقال الأحنف: “لو جلست إلى مائة لأحببت أن ألتمس رضى كل واحدٍ منهم”.([10])

“وكان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل، فعرفه بالقصد إليه-جعل له نصيباً من ماله، وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكراً”.([11])

ولقد كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أكرم الناس لجلسائه، فقد كان يعطي كل واحد من جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه.([12])


([1]) البيان والتبيين للجاحظ1/10.

([2]) ديوان حاتم الطائي، صنفه بن مدرك الطائي، رواية هشام بن محمد الكلبي، دراسة وتحقيق د.عادل سليمان جمال، ص302.وانظر البان والتبيين1/10.

([3]) غزال مقنع: يعني به الزوجة.

([4]) البيان والتبيين1/10 ويروى البيت: طعامي طعام الضيف والرحل رحله…

قال ابن عبد البر: ” قالوا وهو أحسن شيء في الضيافة”.انظر بهجة المجالس1/296.

([5]) روضة العقلاء ص161-162.

([6]) روضة العقلاء ص161

([7]) عيون الأخبار1/307 وأدب المجالسة ص33 وبهجة المجالس1/45.

([8]) بهجة المجالس1/46وأدب المجالسة ص33.

([9]) أدب المجالسة ص34 وبهجة المجالس1/46.

([10]) بهجة المجالس1/45.

([11]) عيون الأخبار1/306.

([12]) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم ص555.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك