أخلاق بائع

12 يناير، 2017 125 عدد الزوار

يحدثني أحد أصحاب المحلات التجارية فيقول: ها أنا قد جاوزت الخمسين من عمري، وكنت كزاً غليظاً، سيّيء الخلق، صعب المراس.
وهكذا كانت سيرتي مع أصحابي، وأقاربي، حتى قيَّض الله لي قبل سنوات فَتْحَ محلٍّ تجاري، فصرت أحرص على البيع، والكسب، فألزمني ذلك أن أُغَيِّر طباعي، فأخذت بِسُنَّةِ المداراة، ولزمت خُلَقَ الصبر؛ حتى لا أخسر زبائني.
ولقد كان بعضهم يأتي، فَيَقْلِبُ المحلَّ رأساً على عقب، ولو طاوعت طبيعتي لربما لم أكتف بالنهر والزجر، بل ربما مددت يدي إليه بالضرب.
ولكن كنت ألزم الهدوء، وأجاهد نفسي على التَّحَلُّم.
واستفدت كذلك من أخلاق الزبائن؛ فبعضهم سمح كريم حيي لطيف، وبعضهم كزٌّ بخيلٌ شحيحٌ صفيقٌ؛ فكانت حاجتي ماسة لمراعاة الأوائل، ومداراة الآخرين.
وبعد فترة تَغَيَّر كثير من طباعي، وأفدت من البيع والشراء أخلاقاً ما كنت أحلم بها، وصار أثر ذلك عائداً إلى تعاملي مع أقاربي، وأهل بيتي.
وأدركت أن الإنسان قادرٌ  بإذن الله  على تغيير طباعه، والنهوض بنفسه، فزادت بذلك مسراتي، وخفَّت آلامي وأحزاني.
ولا ريب أنك أيها القارئ الكريم  قد أدركتَ العبرة من هذه الحادثة؛ وكيف كان حرص صاحبنا على مصلحته دافعاً لأن يرتقي بخلقه، ويُغَيِّر طباعه.
فسيرة هذا البائع ترشد إلى أن تغيير الطباع وارد ممكن، وتشير إلى أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وتدل على أنه لا يكفي مجرد العلم بالخطأ أو التقصير، أو الرغبة في التغيير.
وإنما لا بد  مع ذلك كله  من الإرادة الجازمة، والسعي الحثيث لمغالبة النفس، والسير بها إلى الأمثل.
وبعد فلو أننا نحرص على الارتقاء بأخلاقنا وتعاملنا، ونستحضر أن ذلك من صميم ديننا  لكان ذلك خيراً لنا وأحسن تأويلاً.
ولو أننا نحرص على الدعوة إلى الله، ونستشعر أن ذلك من أعظم ما يجب علينا، وما يحبب الناس بديننا، ويكون لدينا إحساس كإحساس ذلك البائع، ورغبتهِ في كسب زبائنه   لكانت النتائج مذهلة.
وهذا الكلام يوجه إلى بعض من لا يرعون أدب الإسلام، وحكمة الدعوة إليه.
وإلا فهناك  ولله الحمد  فئام من محبي هذا الدين يدعون إليه بأقوالهم، وأفعالهم، ويحرصون على ذلك أشد من حرصهم على أيِّ شيء من حطام الدنيا.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك