أتى بالعجائب

12 يناير، 2017 166 عدد الزوار

العاقل الذي يَقْدُرُ نَفْسَه قَدْرَها هو من لا يتعدى حدود ما يَعْرِف، ويتخطى إلى ما لا يَعْرِفُ؛ حتى لا يكون غرضاً للذم، أو اللوم، أو الإثم.
ونحن في عصر كثرت فيه التخصصات، وتشققت العلوم، وصار التخصص في بعض العلوم دقيقاً جداً سواء في علوم الشريعة، أو اللغة، أو الطب، أو الطبيعة، أو السياسة، أو الاقتصاد، أو نحو ذلك.
ولا يَمْنَعُ أن يجمع الإنسان بين عدة تخصصات، ولا يُثَرَّب على من كان ذا تخصص وتكلم بما يعلم في تخصص آخر، كحال من يجمع بين علم الطب، والشريعة.
أو من يكون ذا تخصص في الهندسة، وعنده علم ببعض فروع الشريعة، أو الطب، فيجول في حدود ما يعرف دون أن يتخطى إلى مقامات المتخصصين، فينازِعَهُم في أُمُورٍ هُمْ أدرى بها منه.
وإنك في بعض الأحيان لتجلِسُ إلى من لهم عنايةٌ في تربية الإبل، والولع بها، فتراهم يشرِّقون ويغرِّبون في ذكر تفاصيل دقيقة في طبائع الإبل، وأجناسها، وأسمائها، وألوانها.
ولهم في ذلك مصطلحات، وعبارات يتداولونها بينهم.
وقل مثل ذلك في عالم الصيد، والولع بالصقور؛ فلهم رموز، وإشارات، ومصطلحات لا يعرفها تمام المعرفة إلا من كان على شاكلتهم.
والذي يحترم نفسه لا ينازع هؤلاء في ذلك، ولا يتقدم بين أيديهم؛ لأنه ربما عَرَّض نفسه للسخرية إذا تكلم بما لا يحسن.
والأمر كذلك في عالم الرياضة؛ حيث ترى بعض المجالس تُشْغَلُ بالحديث عنها، وبتحليل مبارياتها، ولا يرضى أصحاب ذلك الميدان أن يخوضَ فيه من ليس أهلاً له.
وهكذا بقية المجالات عَظُمَتْ أو صغرت.
والذي يلاحظ أن فئاماً من الناس لا يَقَرُّ له قرارٌ حتى يدخل في كل ميدان، ولو كان جاهلاً تمام الجهل في ذلك الميدان.
ومن هنا يقع في اللوم، والتندر، والاستخفاف.
وأذكر أن أحدهم أراد أن يتكلم عن الرياضة عندما سمع جلاسَه يتحدثون عنها، وكان لا يفقه شيئاً فيها، وكان المنتخب آنذاك قد وصل إلى نهائيات كأس العالم، وسمع صاحبنا من حوله يتحدثون، ويحللون المباريات، ويقولون: أخشى ما نخشاه منتخب كذا وكذا، وصاحبنا يسمع كلمة (المونديال) تتردد في كلامهم، وهو لا يدري معناها، فأحب أن يشارك، فما وجد إلا أن يقول: إن أخوف ما أخاف على منتخبنا هو المونديال؛ لأنه أخطر ما سيواجهه؛ وهو يظن أن المونديال اسم فريق!
فغمزه أحد رفاقه الناصحين، وكان بجانبه، وقال له: اسكت، قال: لماذا؟
قال: أخبرك بعد نهاية المجلس.
وبعد أن انفض الحاضرون، قال له صاحبه: لا تَعُدْ إلى الكلام بما لا تعرف، ولو سمع الحاضرون ما قلت لجعلوا منك أضحوكة؛ أتدري ما المونديال؟
قال: لا، قال: هي النهائيات، أو المسابقة، أو البطولة.
هذا هو مسماها، وليست اسماً لفريق.
وبعدها عرف صاحبنا قدره في هذا المجال، ولم يَعُدْ يتكلم فيه.
وأذكر أن شخصاً كان في مجلس، فتكلموا في الإبل، فقال: إن فلاناً أصابه بَعيرٌ بِنَكْرَةٍ  فكان من ضمن الحاضرين رجل ذو دراية بالإبل، فضحك، وقال: يا هذا! النَّكْرَةُ للحمار، وليست للبعير، قل: رَمَحَهُ.
يقول صاحبنا: بعد ذلك صرت لا أتكلم عن الإبل بحضرة أهلها والعارفين بها، بل إذا كنتُ فيهم جلست إليهم جلسةَ المتعلمِ، فلا أتعدى حدودي، بل أسألهم، وأراجعهم في مصطلحاتهم.
وهذا يذكرنا بقول طرفة بن العبد  وكان صغيراً  لما سمع الـمُتَلَمِّسَ يقول:
 
وقد أتناسى الهمَّ عند احتضاره
        بناجٍ عليه الصيعريةُ مُكْدَمِ
    
قال طرفة: استنوق الجمل استنوق الجمل، قال ذلك متندراً بخاله الذي أخطأ، وجعل ما هو من خصائص الناقة من خصائص الجمل .
ويحدث أحد الأصحاب قائلاً: إذا كنت عند أهل الصقور أخذت أتكلم عنها، وأنا لا علم لي بكثير من اصطلاحاتهم، وإنما أتكلم؛ لأثير حفيظتهم؛ فكانوا يغضبون لذلك أشد الغضب، وينكرون علي أشد الإنكار.
أقول: إذا كان هذا الشأن في عالم الإبل، أو الصقور، أو الرياضة، فما الشأن في أمور العلم، ومسائل الدين الكبار، وقضايا الأمة المصيرية؟
هل يليق بإنسان لا يعلم أبجديات ما يتحدث عنه أن يخوض فيه نقداً، وتحليلاً، وتنظيراً، وتصحيحاً، وتخطئةً؟
ولئن ساغ له أن يتحدث في ذلك مع زملائه حديثاً عابراً، فهل يسوغ له أن يذيعه وينشره على نطاق أوسع؟
وإن أبى إلا الخوض فيما لا يعنيه كان حقيقاً بأن يأتي بالعجائب؛ لأنه تكلم بما لا يعرف.
وخلاصة القول أنه يحسن بالعاقل ألا يخوض في كل مجال، ولا يلزمه أن يكون له رأي في كل مسألة، وإذا كان له رأي فليس ضرورياً أن يبديه، وإذا كان سيبديه، فليس ضرورياً أن يبديه لكل أحد أو أن يفصل فيه.
ويحسن بالعاقل  أيضاً  أن يعرض آراءه على ذوي الحِجا، والنصح، والنظر البعيد؛ حتى لا يقع في بحر الحسرات؛ لأنه ركب العَجَلَةَ وهي أم الندامات.
ويجدر به قبل ذلك وأثناءه، وبعده أن يستخير الله  عز وجل  وأن يسأله التوفيق، والهدى، والتسديد _خصوصاً في الأمور الكبار .
وإذا اشتبه عليه شيء مما قد اختلف فيه  كما يقول ابن تيمية  فَلْيَدْعُ بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة  رضي الله عنها  أن رسول الله ” كان يقول إذا قام يصلي من الليل:  اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون   اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .
فإن الله  تعالى_ قد قال فيما رواه عنه رسوله:  يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .
فإذا دعى بذلك الدعاء العظيم كان حرياً بأن يوفقه الله، ويزيل عنه حيرته، واضطرابه، وتردده، ويريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقه اجتنابه.
فإن أبى إلا الدخول في كل طريق، والتولج في كل مضيق   فإنه ربما أتى بما لا لم يأت به الأوائل من العجائب والغرائب، وستنطبق عليه مقولة الحافظ ابن حجر حين قال  :  إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب الفتح 3/584.
ورحم الله ابن حبان إذ نقل قولاً ساقطاً لأحدهم في مقدمة كتابه (المجروحين 1/17) فقال:  ولو تملَّق قائل هذا القول إلى بارئه في الخلوة، وسأله التوفيق لإصابة الحق لكان أولى به من الخوض فيما ليس من صناعته .
قال أحد الحكماء:   ليس أحد أولى بالأناة والروية من كاتب يعرض عقله، وينشر بلاغته؛ فينبغي له أن يعمل النسخ، ويقبل عفو القريحة، ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس أعداءٌ له، عارفون بكتابه، منتقدون عليه، متفرغون إليه .
وقال آخر:  إن لابتداء الكلام فتنةً تروق، وجدةً تُعجب؛ فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس   فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه مساوياً لغمه بإساءته .

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك