أبو هزَّاع سيد الطرفة

12 يناير، 2017 463 عدد الزوار

التاريخ حافل بالظرفاء، وذوي الروح المرحة، والنكتة الحاضرة، والطرفة المنعشة.

ومجالس الناسِ -أكابرهم ومن دونهم- لا تخلو من أمثال أولئك الذين يُضْفُون على المجالس جوَّاً من المَرَح، ويرسمون البهجة والسرور على الشفاه، ويطفئون لفح الحياة وهَجِيْرَها، خصوصاً إذا لم يكن في كلامهم ما يثلم الدين والمروءة.

وما برحت العصور تلد من أولئك النفر الذين يَخْلُف بعضهم بعضاً، وما زالت كتب التواريخ والسير تحفل بأخبار أولئك، وتُفْرِدُ لهم المصنفات أو تجعلها ضمناً في كتب تحمل أخبارهم، وأخبار غيرهم.

وما أخبار نعيمان، وأبي الشمقمق، وأشعب، وبهلول، وأبي العيناء، وأبي الديك، وسعدون المجنون وغيرهم -عنا ببعيد.

أما جحا فحدث عنه ولا حرج، حيث ذُكِرت عنه الأخبار، ونسجت حوله الأساطير، حتى إن الإمام الذهبي – رحمه الله- ترجم له في سير أعلام النبلاء 8/172.

ولقد ألف ابن حبيب ت 406هـ كتاباً سماه عقلاء المجانين، وأورد فيه كثيراً من تلك الأخبار، وما يدور في ذلك الفلك.

وأفرد ابن الجوزي كتباً في هذا الباب ككتاب: الأذكياء، وأخبار الحمقى والمغفلين، وكتاب أخبار الظراف والمتماجنين.

ويوجد في تضاعيف أكثر كتب الأدب والتواريخ والسير أخبارٌ من هذا القبيل، كعيون الأخبار لابن قتيبة، والبخلاء، والبيان والتبيين للجاحظ، والبصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي، وغيرها كثير جداً؛ فهؤلاء الظُّراف جزء لا يتجزأ من المجتمع، وثقافته، وتاريخه.

ومن أخبار هؤلاء ما أورده ابن حبيب بسنده في كتاب عقلاء المجانين ص69 عن سعيد بن علي بن عطاف الطاحي بالبصرة يقول: كان عندنا رجل عاقل أديب فَهِمٌ شاعرٌ يقال له عامر، وكان مع أدبه محروماً مُحارَفاً.

فقال لي رجل من أصحابي: إن صديقك قد جنّ، فجعلت أطلبه حتى ظفرتُ به في بعض القرى -والصبيان حوله يضحكون- فقلت له: يا عامر منذ كم صرت بهذه الحالة؟ فأنشأ يقول:

جَنَّنتُ نفسي لكي أنال غنى

 

فالعقل في ذا الزمانِ حرمانُ

يا عاذلي لا تَلُمْ أخا حُمُقٍ

 

يُضحَكُ منه فالحمقُ ألوانُ

وقال ابن حبيب ص70:(وهذا علي بن صلاة القصيري كان ممن يجيد الشعر، وكان إذ ذاك محروماً لا يُؤْبَه له، ومن جيد شعره:

لسان الهوى من مقلتي لك ناطق

 

يخَبِّر عني أنني لك وامق

ثم تحامق، وأخذ في الهزل، فحسنت حالته، وراج أمره حتى إن الملوك والأشراف أولعوا به).

وأورد ابن حبيب بسنده ص71 عن محمد بن زكريا بن دينار الغلابي يقول: مرّ بعض الأدباء بمجنون يتكلم، فتأمل كلامه فإذا هو رصين يدور على الأصول، فقال له: ما حملك على التحامق؟ فقال:

لما رأيت الحظّ حظّ الجاهل

 

ولم أر المغبون غير العاقل

رحَّلت عيساً من كرام بابل

 

فصرت من عقلي على مراحل

وذكر بسنده ص114 عن راشد بن علقمة البصري الأزدي قال: قال لي عطاء السلمي: احتبس علينا القطر بالبصرة فخرجنا نستسقي فإذا بسعدون المجنون، فلما أبصرني قال: يا عطاء إلى أين؟ قلت خرجنا نستسقي، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب خاوية؟ قلت: بقلوب سماوية، قال: لا تُبَهْرِج فإن الناقد بصير!

قلت: ما هو إلا ما حكيت لك، فاستسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: أقسمت عليك إلا سقيتنا الغيث، ثم أنشأ يقول:

أيا مَنْ كلما نُوديْ أجابا
ويا من كلّم الصديق موسى
ويا من ردّ يوسفَ بعد ضُر
ويا من خصَّ أحمدَ باصطفاءٍ

 

ومن بجلاله ينشي السحابا
كلاماً ثم ألهمه الجوابا
على من كان ينتحب انتحابا
وأعطاه الرسالة والكتابا

اسقنا، قال: فارتجت السماء شآبيب كأفواه القرب.

قلت: زدني، قال: ليس ذا الكيلُ من ذاك البيدر، ثم أنشأ يقول:

سبحان من لم تزل له حجج
قد علموا أنه مليكهُمُ

 

قامت على خلقه بمعرفتِهْ
يعجز وصف الأنام عن صفتهِْ

فهذه بعض أخبار أولئك الظراف في أزمان غابرة.

هذا وإن بلدنا الزلفي لم تعرف في العصور المتأخرة رجلاً أظرف، ولا أطرف من صاحبنا الذي سيدور حوله الحديث ههنا.

فصاحبنا هو أحمد بن عبدالمحسن بن محمد الحمد، وهو قريب لي من جهة أمه؛ فهي عمتي، شقيقة والدي -رحمهما الله-.

ووالده ابن عم والدي، وهو الشيخ المقرئ عبدالمحسن بن محمد الحمد -رحمهم الله-.

والشيخ عبدالمحسن من حفظة القرآن المتقنين المجودين، وقد أمَّ الناس في مسجد المعتق في الزلفي مدة ستين سنة، وكان يختم بالمصلين في رمضان مرتين أو ثلاثاً، وكان من أكابر معلمي القرآن في البلد، وقد أفاد منه خلق كثير.

وله إلمام ببعض علوم الشريعة، واللغة، وكان رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقته إلى أن تقاعد، وقد اشتهر بالحلم، والأناة، والكرم، وقد توفي – رحمه الله- عام 1411هـ عن عمر يزيد على خمس وتسعين سنة.

وصاحبنا أحمد يُعرف ويشتهر بأبي هزاع، وليس له ولد بهذا الاسم، وإنما ولده الأكبر هو الأستاذ سليمان، فكنيته الحقيقية أبو سليمان، ولكنه اشتهر عند الناس بأبي هزاع.

هذا الرجل فارق الدنيا يوم الجمعة 29/4/1422هـ عن ست وثمانين سنة، ولكن ذكراه، وصدى أحاديثه، ومواقفه لا تزال تتردد إلى يومنا هذا بصفة مستمرة؛ فالناس عندنا مولعون بتروي أخباره، وتذكرِ مواقفه، والسؤالِ عَمَّن له صلة به؛ ليسمعوا ما لم يسمعوه من قصصه.

هذا الرجل لديه صبر عجيب، وتحمل لشظف العيش، وجلد على مكابدة الصعاب؛ فلقد سافر مراراً على رجليه، ورعى الغنم، وتَحَمَّلَ الوَحْدة الطويلة.

والذي بهر الناس به، وحببه إليهم -سرعة بديهته، وحضور جوابه، ودقة وصفه، وجريان النكتة على لسانه بدون أدنى تكلف أو قصد إلى ذلك؛ ففي الوقت الذي يبهر فيه الحضور، ويضحكهم، وينتزع إعجابهم لا تجده يضحك من ذلك، ولا يشعر بأنه قال شيئاً يستحق أن يوقف عنده، بل ينطلق في ذلك على سجيته تماماً.

يقول عنه الشاعر الكبير أحمد الناصر الشايع:(لو أن أبا هزاع شاعر لما وقف أحد في وجهه من شعراء المحاورة؛ لسرعة بديهته، وكثرة مخارجه).

وقَلَّ أن تجد أحداً في بلدنا ممن رآه، أو حضر مجالسه، أو سمع عنه-إلا ويحفظ له عشرات القصص والمواقف.

ولا يقتصر ذلك على عامة الناس، بل إن ذلك ليشمل طبقة العلماء، وطلبة العلم، والمثقفين، والأطباء، وغيرهم؛ فهم يطربون لسماع أخبار أبي هزاع، ولا يملون كثرتها، أو تردادها.

وأحفظ له عشرات القصص، والمواقف، ولكن أكثرها يصلح أن يروى شفاهاً أكثر من أن يذكر كتابةً؛ لأن ذكرها بلهجة أبي هزاع يضفي عليها جواً من الهالة والبريق، وذِكْرُها مكتوبةً بمعناها قد يطفئ شيئاً من بهجتها، ويُفْقِدُها عنصراً من عناصر روعتها.

ثم إن إيراد بعضها قد يحتاج إلى شرح؛ لكي يصل إلى شريحة عامة القراء.

أما لو كان الأمر مقتصراً على البلد الذي عاش فيه صاحبنا لما احتيج إلى ذلك.

إضافة إلى ما سبق فإنه× كان يستشهد بقصص، ويضرب المثل بشخصيات يعرفها، وينزل تلك الأمثال على سياقات من كلامه؛ فلو ذُكِرَتْ تلك الأسماء لكانت الحاجة تمس إلى التعريف بهم؛ كي يصل القارئ إلى الغرض والفكرة المنشودة.

وهذا يحتاج إلى سِفْرٍ كبير، والمقصود ههنا الإشارة فحسب.

ولقد كان – رحمه الله- يمتهن البيع والشراء في بضاعة كان ينشرها في السوق، وينتقل بها من بلد إلى بلد، فتارة يكون في الرياض، وآونة في رفحاء، وأحياناً في تبوك، وكثيراً ما يكون في حفر الباطن، وأغلب وقته في بلده الزلفي.

وقد ينتقل من ذلك إلى تربية الأغنام، وقد يجمع بين هاتين المهنتين، وقد يمل إحداهما، ويميل إلى أخرى والعكس.

وكان غالباً ما ينشر بضاعته يوم الجمعة في السوق؛ فإذا رآه الناس تقاطروا عليه، وصاروا يستمعون إلى محادثته مع المشترين خصوصاً إذا كانوا غرباء، فيكون ذلك المكان مليئاً بالناس الذين ينتظرون منه أي كلمة، أو تعليق، أو مدح للبضاعة؛ فيسمعون كلاماً غريباً، وطُرَفاً لم يسمعوا بها من قبل، فيشيع في ذلك المكان جَوٌّ من الفرح، والسرور.

وكان يطيل باله على المشتري إلى حدٍّ ما؛ فإذا ملَّ من كثرة كلام المشتري وأسئلته، أو شعر بأنه لا يريد الشراء -انصرف عن محاولة بيعه، ورد عليه بكلمات تَرُدُّه، وتسكته، وتَصْرِفُه؛ فتكون تلك الكلمات مثارَ حديث الناس.

وفي يوم من الأيام دخل المستشفى لإجراء عملية جراحية وقبيل إجرائها كان الطبيب يسأله هل أنت صائم هذا اليوم؟ هل أكلت شيئاً؟ فيجيبه نعم تناولت التمر والقهوة، فيؤجل الطبيب العملية إلى الغد، ويحذره من تناول شيء قبل العملية؛ فإذا جاء الغد سأله السؤال نفسه، فيجيب بأنني لم أتناول إلا التمر والقهوة، فاستمرت تلك الحال عدة أيام، فنهره الطبيب، وقال: إذا لم تَصُمْ فسنضطر إلى إخراجك من المستشفى.

وبعد ذلك تم إجراء العملية، وبعد إجرائها، قرر الطبيب- كالعادة-  أن يمكث أياماً في المستشفى؛ لإكمال علاجه، فمكث؛ فإذا قرب وقت الزيارة تدافع الناس إلى زيارته، وربما مكثوا إلى نهايتها، وربما صاروا صفوفاً بعضهم خلف بعض يستمعون أحاديثه، وانتقاداته واقتراحاته؛ فتشعر أنك في مسرح لا في مستشفى؛ حتى إنك لتخشى على بعض الحاضرين أن يغمى عليه من كثرة الضحك، كل ذلك وصاحبنا منطلق على سجيته غير متكلف لما يقول، فتارة تراه ينتقد خدمات المستشفى، وتارة يرشح فلاناً من الناس لإدارة المستشفى، وتارة يرشح آخر للإشراف على المطبخ، وهكذا…

وكثيراً ما يستضيفه الناس في مجالسهم؛ لسماع أخباره، ومواقفه.

وأذكر أنه قبل سنوات من وفاته استضافه أحد الوجهاء، وكان في المجلس رجلٌ ليس من أهل البلد، وإنما هو معروف بالقصص، والرواية، والطرفة، وإمتاع الحاضرين، بل إذا حضر مجلساً صار الحديث له، والناس من حوله منصتون.

فلما حضر صاحبنا أبو هزاع توجهت الأنظار إليه، وتركوا صاحبهم، فصار الحال على حد قول الأول:

طلع الصباح فأطفِئوا القنديلا

بل إن صاحبهم الأول توجَّه معهم، وصار يتعجب من القدرة الفائقة لأبي هزاع في حَبْك القصة، وسرعة البديهة، وطرافة الأحاديث؛ فتذكرتُ قول الأول:

إنما يعرف ذا الفضل من الناس ذووه

ولهذا قال بعض خاصة أبي هزاع قبيل وفاته: استنسخوا أبا هزاع، وإلا سوف تندمون.

قال ذلك أول ظهور الكلام على الاستنساخ.

وقبل الدخول في ذكر مَزِيْدٍ من قصص أبي هزاع ومواقفه أشير إلى أنه – رحمه الله-كان شديد المحافظة على صلاة الجماعة، وعلى التبكير إلى المسجد، حتى بعد أن كَبِرَتْ سِنُّه، وثقلت خطاه، كما كان حسن التلاوة للقرآن الكريم، كثير القراءة له سواء في المسجد، أو المنزل، يَعْرِف ذلك كلُّ مَنْ خالطه.

وكان كريماً على قلة ذات يده، بل لعل ذلك من أسباب فقره.

ومن مظاهر كرمه أنه يستضيف من يسلم عليه، مع أنه يعيش وحده في منزله، ويطبخ لنفسه، خصوصاً في أواخر عمره.

ومن قصص كرمه ما ذكره لي ابنه الأستاذ سليمان – حفظه الله- يقول:(إن والدي – رحمه الله -ينتقل من بلد إلى بلد لنشر بضاعته من الملابس ونحوها، وقبل وفاته بما يزيد على عشرين سنة كان في منطقة تبوك، وفي يوم من الأيام نشر بضاعته في السوق، وكان الجوُّ بارداً جداً، فمرَّت به أسرةٌ مُكَوَّنَةٌ من عدد من الأفراد صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، ويظهر من حالهم أنهم على سفر، وأنهم ليسوا من أهل البلد؛ فلما وقفوا عند والدي _كما يخبرني_ لمس منهم الحاجة، ولاحظ أنهم فقراء، وأنهم يتضورون من شدة البرد، فناداهم،وعرض عليهم جميع ما عنده، وقال: كل واحد منكم يأخذ ما يحتاج إليه من اللباس، ففرحوا بذلك،وأخذ كل واحد منهم ما يحتاج إليه، فلبسوها في الحال؛ فَسُرَّ والدي بذلك.

وبعدها جاء رجل، وقال: أنت مجنون؟ هكذا تفرط بمالك؟

فرد عليه الوالد قائلاً: وهل أنت شريك لي في مالي حتى تقول ذلك؟ اذهب فليس لك أي كلام في هذا.

يقول الأستاذ سليمان: إن والدي يقول: لقد اشْتُرِى مني بعد ذلك الموقف بيوم شراءً كثيراً، وربحت منه ربحاً لم أربحه من قبل)ا.هـ

ولقد توفي صاحبنا يوم جمعة، وصلى عليه جمع كبير، وترحم الناس عليه كثيراً، ولا زالوا إلى يومنا هذا يترحمون عليه كلما ذُكر عندهم.

وبعد وفاته بأيام رأيته في المنام على هيئة حسنة، فقلت له: ما شاء الله، ما هذا يا أبا سليمان؟

فقال: لقد وجدت خيراً مما عندكم.

وإليك أيها القارئ بعض المواقف الطريفة التي أذكرها عن صاحبنا، والتي يناسب ذكرها ههنا لوضوحها، وقلة احتياجها إلى شرح، مع ملاحظة أنها ليست من أعالي أخباره، وإبداعاته في هذا المجال.

1_ في يوم من الأيام كنا عند أحد الأصحاب بعد صلاة الجمعة، وكان أبوهزاع من ضمن الحاضرين، فجاء إلى ذلك المجلس رجل، وقال: لقد أتيت من السوق، ووجدت أناساً يبيعون الجراد؛ فالحمد لله أن الناس بخير، وأن الذي يبيع الجراد سيغتني بفضل الله، ثم بسبب بيع الجراد.

فلما سمع أبو هزاع هذا الكلام – وكان لا يحبذ ذلك المتكلم، وأراد تفنيد قوله- قال: ما علمنا أن أحداً أصابه الغنى بسبب الجراد، ولا الحطب.

فقال له ذلك الرجل: هداك الله يا أبا سليمان- هذه كنية أبي هزاع الحقيقية- : كيف تقول ذلك؟ أما علمت قصة ذلك الرجل الذي جاء إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وسأله مالاً، فوجده شاباً جلداً، فاشترى له فأساً، وقال له: خذ هذا الفأس، واحتطب؛ فذلك خير من سؤال الناس، ثم دعا له الرسول ” فانصرف الرجل، وفعل ما أمره به الرسول – صلى الله عليه وسلم – وجاء بعد مدة وقد اكتفى؛ فكيف تقول ما قُلتَ هداك الله؟

فأطرق أبو هزاع قليلاً ثم أصدر صوتاً من حلقه يعرفه من يجالسه، وكان يصدره إذا تعجب من شيء، أو تهيَّأ للجواب وقال: مسكين أنت، كيف لا يغتني ذلك الرجل، والرسول” هو الذي اشترى له الفاروع وكيف لا يغتني والرسول – صلى الله عليه وسلم- قد دعا له؟

نحن لا نريد من الناس أن يشتروا لنا فاروعاً، ولا نريد منهم دعاءً، نحن نريد أن يكفوا عنا أَعْينهم – يعني إصابتهم لنا بالعين- .

فتعالت أصوات الجالسين بالضحك والإعجاب، وحاول ذلك الرجل أن يجيب، فلم يُحِرْ جواباً، فسكت.

2_ وفي يوم من الأيام زار المستشفى- وكان إذا زار المستشفى أكثر من انتقاده، وإبداء الملحوظات عليه، وبيان ما يحتاج إليه في تلك الفترة، وليس بالضرورة أن تكون تلك الانتقادات والملحوظات في محلها، ومسؤولو المستشفى يسمعون منه هذا الكلام، ولا يؤاخذونه بذلك، بل يُسَرُّون بتعليقاته، وانتقاداته_.

ولما زار المستشفى مر بإحدى الغرف، فوجد رجلاً من كبار السن في تلك الغرفة، وهذا الرجل مصاب بمرض قديم، فأتى به أبناؤه إلى المستشفى، فقرر له الطبيبُ عمليةً جراحية، فرفض، فحاول أبناؤه أن يقنعوه، فاقتنع أخيراً، ودخل المستشفى، فلما زاره أبو هزاع، قال له: ما الذي أتى بك إلى هنا؟

فقال الرجل: الأولاد – أصلحهم الله-  يقولون: إنني أحتاج إلى العملية، وأقنعوني بذلك.

فقال له أبو هزاع: تريد نصيحتي؟ قال الرجل: نعم.

قال: ما أرى أولادك إلا يريدون استعجال وفاتك، والظفر بميراثك، وإلا كيف تعمل العملية بهذا المستشفى؟

أما علمت أنهم ينسون المقَصَّات، وأدوات الجراحة في البطون؟

أما رأيت مكان عمليتي التي أجروها لي وكأنها حِبْس، وأخذ يقطع عليه الطريق؛ فما كان من ذلك الرجل إلا أن قال: جزاك الله خيراً على هذه النصيحة، ثم لبس نعليه، وخرج من المستشفى، وصار يشير بيده إلى السيارات التي تمر به، ثم أوقف أحدهم، وقال: أوصلني إلى بيتي.

ولما جاء الأولاد إلى المستشفى، وذهبوا إلى غرفة والدهم لم يجدوه، ففرحوا، وقالوا: لعله في غرفة العمليات، فلما تباطؤوه، سألوا عنه الموظف المختص في المستشفى، وقالوا له: أين والدنا؟ هل هو في غرفة العمليات؟ فقال الموظف: لا، نحن بحثنا عنه فلم نجده، فاتصل أَحَدُ الأولاد بمنزلهم، وسألهم عن والده، فقيل له: إنه في المنزل؛ فجاؤوا إليه، وقالوا: مالَك يا والدنا؟

ما الذي ثناك عن إجراء العملية؟ قال: الحمد لله الذي أنقذني من تلك العملية، لقد قيض الله لي أحد الناصحين، فحذرني من ذلك.

فقالوا له: ومن ذلك الناصح؟ فقال: أبو هزاع، فضرب الأولاد أكفهم، وقالوا: ماذا نقول؟ إذا كان أبو هزاع هو الناصح، فليس في اليد حيلة.

وما أدري هل أُقْنع الأب مرة أخرى بإجراء العملية أو لم يقنع.

3_ وفي عام 1418هـ مكثتُ في المستشفى عدة أيام بسبب عملية يسيرة أجريتها.

فعلم بذلك أبو هزاع فجاء إلى المستشفى؛ لزيارتي، فسمعت صوت عصاه على بلاط المستشفى.

فلما وصل إليَّ سلم: وبدلاً من أن يقول لي: الحمد لله على السلامة قال: ما ظننتك تعمل العملية في هذا المستشفى، قلت له، ولماذا؟

فقال: أما ترى المقبرة مليئة بالناس، قلت: بلى.

قال: أتدري ممن؟ قلت: آجالهم؟ قال: ولكنهم ضحايا من هذا المستشفى الذي أردتَ أن تُهلك نفسك عندهم.

ثم خرج من عندي إلى بعض المرضى الذين أجروا عملياتٍ جراحيةً، وبدأ يتكلم معهم، وهم يكادون يسقطون من الضحك، حتى خشوا على أنفسهم إعادة إجراء العمليات مرة أخرى بسبب ذلك.

ومِنْ ضِمْنِ ما قاله في تلك الزيارة الميمونة أنه قال لأحد المرضى_ وقد كان في غيبوبة وأبو هزاع لم يعلم بذلك_ قال له: =يا فلان:
ما أوصلك إلى تلك الحال إلا الطعام الذي يقدم لك في المستشفى، اخرج، وسأصنع لك قبابيطعلى حِلْبَة لا يستطيع عمله نساء آل فلان).

ويعني بهم أهل بيت من أسرة من الأسر الكريمة في بلدنا.

فلما قال ذلك كاد المرضى أن يغمى عليهم من الضحك.

4_ وكان إذا استشهد على قضية، أو أراد وصف شيء ما – ذكر شخصية من الشخصيات المعروفة بذلك الأمر الذي استشهد به، فمن ذلك على سبيل المثال أنه في يوم من الأيام آلت إليه أرض بالإرث، فسأله أحد جُلاّسه، هل وقَّعْتَ على استلامها؟ قال: نعم، وقَّعت توقيعاً لا يستطيع أن يوقع مثله الطبيشي –رحمه الله-.

والذي سأله لا يعرف الطبيشي، وبعد سؤال وتحرٍّ عَلِمَ أنه عبدالرحمن الطبيشي وزير الشؤون الخاصة للملك عبدالعزيز –رحمه الله-.

وكان إذا أعجبه طعام عند أحد، وكان في حالة رضى، قال هذا الطبخ لا تستطيع صنعه نورة الهملان.

ولما سئل عنها وُجد أنها امرأة تجيد الطبخ، وكانت منازل أهلها في طريق الكويت قديماً.

هذه بعض مواقف أبي هزاع التي سمحت بها الذاكرة، وناسب ذكرها، وإلا فمواقفه وأخباره لا تكاد تحصى كثرة، رحمه الله، وعفا عنه، وأسكنه فسيح جنَّاته.

التعليقات

بدون تعليقات حتى الآن.

إكتب تعليقاً

الإسـم

بريـدك

أكتب تعليقك